منذ العام 2014، ونحن لا نكاد نشهد حربًا أو صراعًا في اليمن باستثناء سنوات الحرب على الحوثيين الأولى، وعدا ذلك؛ فإننا أمام رقعة شطرنج، تتحرك فيها الأحجار على الطاولة، تقدمًا وانسحابًا دون تفسير عسكري معقول.

وما شهدته حضرموت أول ديسمبر الحالي يؤكد هذه القاعدة المضطردة، فتغيير الخرائط لا ينبني على انتصارات وهزائم، وإنما على تفاهمات وصفقات يعقدها محركو أحجار الشطرنج.

في الأسبوع الأول ومستهل الثاني من شهر ديسمبر، فوجئ اليمنيون بتغير سريع في خريطة القوى في حضرموت والمهرة، وفقًا لقواعد لعبة جديدة لم ينكشف منها الكثير:

اللاعبون اليمنيون هم، بل أحجار الشطرنج هي:

المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة عيدروس الزبيدي، وهو مجلس قد ورث دولة الجنوب ما قبل الوحدة اليمنية في عام 1991م، ويطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، وقد رفع مؤخرًا علم دولة الجنوب مطالبًا بالانفصال، وهو عبارة عن ميليشيات ذات قشرة سياسية، تتلقى دعمها الأكبر من الإمارات العربية المتحدة، وقد أُذن لها أن تجلب قواتها وتدفع نحو 10 آلاف منهم في المحافظتين البارزتين في الجنوب اليمني، بعد أن كانتا تابعتين لـ “الشرعية”.

و”الشرعية”، هو كساء أُلقي على بقايا مؤسسة الرئاسة اليمنية التي آلت إلى مجلس القيادة الرئاسي الذي شكله الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي بقرار جمهوري في العام 2022 بتاريخ 7 أبريل 2022، برئاسة رشاد محمد العليمي وعضوية 7 أعضاء بدرجة نائب رئيس، منهم عيدروس الزبيدي نفسه. وللشرعية تلك حكومة، تضم وزيرًا للدفاع هو أقرب ما يكون إلى المجلس الانتقالي ولاءً، وقوات مسلحة تتحرك بإملاءات خارجية هي الأخرى، ولذلك لا تفسيرَ وطنيًا لتحركاتها، وانتشارها العسكري أو انسحاباتها المتكررة من زوايا وطنية، وإنما ما يُقرره الداعمون الرئيسون لها، طبقًا لاتفاقات خارجية لا تمت بموازين القوى أو استراتيجيات التحرير بصلة.

“قوات درع الوطن”، هي قوات تتبع لرئيس المجلس الرئاسي مباشرة، مكونة من 45 ألف مقاتل، معظمهم من الجنوب، يرأسها العميد بشير سيف، وتنتسب “اسمًا” للقوات المسلحة اليمنية، لكنها مُطلقة اليد في الجنوب بـ “مرونة أكبر” مما تمتلكه القوات المسلحة في التحرك الميداني. وهي قريبة من السعودية.

حلف قبائل حضرموت حلف قبلي يضم قبائل وعشائر وبادية وحضر حضرموت، وقد تأسس عام 2013، وينادي بالحكم الذاتي للمحافظة النفطية، ويرفض مشروع المجلس الانتقالي الانفصالي.

قوات النخبة الحضرمية هي قوات تم تشكيلها من قبل قوات التحالف العربي وتحت إشراف الإمارات وبتمويل من السعودية ودعم تقني من قوات الولايات المتحدة.

هذا عدا عن القوى غير المؤثرة كثيرًا في صراع حضرموت الحالي، ففي هذا الصراع الذي حل بأكبر رافد نفطي لليمن، (80% من نفط اليمن يأتي من محافظة حضرموت)، حصل تمركز من حلف القبائل في مناطق النفط، ثم اجتياح كبير من قوات المجلس الانتقالي لمحافظتي حضرموت والمهرة، فاتفاق على إحلال قوات درع الوطن محل قوات المجلس الانتقالي، التي انحازت للسيطرة على المواقع الاستراتيجية النفطية، والموانئ والنقاط الحدودية، لتضع يدها على أهم مراكز السيطرة في الجنوب اليمني، وتنسحب بعيدًا عن المراكز السكانية التي تعاف وجودها وترفضه.

وكمثل جماعة الحوثي عندما قصرت وجودها على الشمال بعيدًا عن الفضاء السني الشافعي القبلي في الجنوب، ولم تُجر بمعظمه محاولات عبثية للانتشار والتوغل فيه، فعل المجلس الانتقالي الذي تمركز في المواقع الاستراتيجية، شركات النفط، ووادي المسيلة، في حضرموت، ومنفذ شحن بين اليمن وعُمان، وميناء نشطون، ومطار الغيضة، فارضًا نفسه كأكبر قوة تملك نفوذًا على الأرض في الجنوب دون احتكاك كبير مع الأهالي، مكتفية بإذلال ضباط من المنطقة الأولى للقوات المسلحة التي انسحبت أمامها على أرضية تفاهم لم يبد أن محركي الانتقالي قد اكترثوا به كثيرًا.

فلم يزل ضباط من المنطقة الأولى أسارى، وآلاف أطنان من أسلحة الفرقة في يد الانتقالي، والذي تردد أن قسمًا منه قد وصل إلى أيدي جماعات مسلحة محلية.

آلت الأمور مؤخرًا إلى استيلاء الإمارات على عدن وشبوة وسقطرى تمامًا، عبر أدواتها، وتقاسمها النفوذ مع غيرها في حضرموت والمهرة، حيث بدا أن النخبة الحضرمية ستتسلم بعض المواقع في حضرموت، ويتمدد درع الوطن في المهرة، فيما يُسيطر الانتقالي على مواقع استراتيجية واقتصادية في حضرموت؛ لتسكن الصراعات مؤقتًا وسط أنباء عن ارتفاع وتيرة الحديث عن احتمالات توحيد الجهود في الجنوب بين القوى الرسمية وشبه الرسمية على “تحرير الشمال” والحسم العسكري مع جماعة الحوثي ذات النفوذ الأكبر في الشمال.

والحاصل، أن اليمن، الشعب، والتاريخ، والسيادة، لم يزل غائبًا بانتظار مشروع أبنائه الخاص، الذي يحقق لهذا البلد العريق استقلاله ورفاهيته.

                                                                                                    للحديثِ عنها بقيَّةٌ…

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب