تدين المسلمين ونظرة الفرنسيين إليه
التديُّنُ النِّسبيُّ للمُسلمين، قياسًا بأتباعِ المللِ الأُخرى، وهذا له كثيرٌ من الأطوارِ التي تُظهِرُه:
أوَّلُها: طورُ الالتزامِ بأصلِ الدِّينِ، وتُؤشِّرُ له نسبةُ الارتدادِ عن الدِّينِ، وهي الأدنى عند المسلمين؛ فالمسلمون في تزايدٍ كمِّيٍّ، بينما تُؤكِّد “الإحصاءاتُ في الفترة 2019 – 2020، طبقًا لإفادات الأفراد في الاستبيانات، للفترة العُمريَّة ما بين 18 و59 عامًا في فرنسا الكُبرى[1]، أنَّ: 51 % بلا دِينٍ، و 29 % كاثوليك، و 10 % مسلمون، و 9 % نصارى بمذاهبَ أُخرى”[2]. وهذا يُعطي انطباعًا واضحًا بأنَّ فرنسا، إحدى معاقلِ الكاثوليك الأُولى، تفقدُ دِينَها بينما يُحافِظُ المسلمون على تديُّنِهم. وهذا لا يَعني بالطَّبع أنَّ أولئك الذين بـ”لا دِين” يقفون على الحيادِ بين المسلمين وغيرهم؛ فالمعروفُ أنَّهم يَصطَفُّون دائمًا ضدَّ المسلمين، ولهم عَداءٌ ثابتٌ معهم.
وثانيها: ما يتعلَّقُ بمستوى التديُّن نفسِه؛ فمثلًا: “يختلفُ تواتُرُ وكثافةُ الممارسةِ الدينيَّة باختلافِ الانتماءِ الديني: 8% فقط من الكاثوليك يرتادُون دورَ العبادةِ بانتظامٍ، مقارنةً بأكثرَ من 20% من المسيحيِّين والمسلمين والبوذيِّين الآخرين، و34% من اليهود”[3]. و”يُظهِر أحدثُ استطلاعٍ للرأي أجراه المعهدُ الوطنيُّ للإحصاءِ والدِّراسات الاقتصاديَّة (INSEE) والمعهدُ الوطنيُّ للدِّراسات الاقتصاديَّة (INED) حول هذا الموضوع أنَّ 91% من الأشخاص الذين نشأوا في أُسَرٍ مُسلِمة ما زالوا يعتنقون دينَ آبائهم، مع ‌ذُرْوَةٍ تصل إلى 97% في الأُسَرِ القادمةِ من تركيا أو الشَّرق الأوسط أو منطقة السَّاحل الإفريقي (89% للأسرِ القادمة من المغرب العربي). ومع ذلك، فإنَّ نسبةَ الانتقالِ الفعليِّ للدِّين لا تتجاوز 67% بين مَن نشأوا في أسرٍ كاثوليكيَّةٍ. ويعودُ ذلك بشكلٍ رئيسيٍّ إلى قوَّةِ التَّنشئةِ الدينيَّة داخل المنزل؛ إذ أفاد 43% من المسلمين بأنَّهم نشأوا في أُسَرٍ كان الدِّينُ فيها “مُهمًّا للغاية”، أي أكثر بثلاثِ مرَّاتٍ من الكاثوليك (14%). ومع ذلك، فإنَّ أحفادَ المهاجرين المسلمين الذين نشأوا في أُسَرٍ من هذا النوع لديهم احتمالٌ بنسبة 70% للإعلان عن أهميَّةِ الدِّين في حياتِهم”[4].
وثالثها: الانطباعُ الذي يتركه الوجودُ الإسلاميُّ بين الفرنسيِّين، والذي ‌يقَضُّ مضاجعَ الموتورين منهم. وهذا: “تُسلِّط عليه دراسةٌ حديثةٌ أجراها معهدُ إيبسوس الضوءَ؛ حيثُ تُلاحَظُ خصوصيَّةٌ فرنسيَّة: إذ يُبالغُ الفَرَنسيُّون في تقديرِ وزنِ المسلمين في السُّكَّان الفَرَنسيِّين أكثرَ بكثيرٍ ممَّا هو الحالُ في بُلدانٍ أُخرى. عند سؤال الفرنسيِّين: (كم تعتقدُ نسبةَ المسلمين مِن بين كلِّ مئةِ شخص؟) أجابوا بنسبة 31%، في حين أنَّ النسبةَ الواقعيَّةَ أقلُّ بكثير. ومن بين البلدان الأربعين التي شملها الاستطلاعُ، تُعَدُّ فرنسا البلدَ الذي تكون فيه الفجوةُ بين التَّصوُّراتِ والواقع أعظمَ (24 نقطة)”[5]. وهذا -إن دلَّ- فإنَّما يدلُّ على الحضورِ البارزِ لمسلمي فرنسا، أو الحقدِ ضدَّهم، أو ربَّما كان تعبيرًا عن أنَّ تَعدادَ المسلمين هو أكثرُ ممَّا تَخْرُصُه الدوائرُ الإحصائيةُ الفرنسية.
وتُظهِر دراسةٌ أجراها معهدُ إيفوب لصالح صحيفة “لو جورنال دو ديمانش” أنَّ “78% من المشاركين يروْنَ أنَّ العَلمانيَّة مُهدَّدةٌ، مقابلَ 22% يُعارِضون ذلك، وذلك عامَ 2019. وقد كانت النِّسبة 58% عامَ 2005. كما تذكُر الدراسةُ أنَّ 61% آخرين يعتقدون أنَّ “الإسلام يتعارضُ مع قيمِ المجتمعِ الفرنسيِّ”. ويُؤيِّدُ الفَرَنسيُّون الذين شمَلهم الاستطلاعُ، بأغلبيَّةٍ ساحقةٍ، حظرَ الصَّلاة في الشَّوارع (82%)، ومَنعَ ارتداءِ الرموزِ الدينيَّةِ (الصُّلبان، والحجاب، والقَلَنْسُوَة اليهوديَّة، إلخ) لمُستخدمي الخدماتِ العامَّة (75%)، ولمرافقي الرِّحلات المدرسيَّة (73%)، ولموظَّفي القطاع الخاصِّ (72%)”[6].
الثالث: أنَّ فرنسا -بساسَتِها، ومؤسَّساتِها البحثيَّة والإعلاميَّة، ونُخبتِها- تلحظُ أنَّ التديُّنَ النِّسبيَّ آخذٌ في الزِّيادة قِياسًا بما كان في الماضي، وهذا يُلحَظ من عِدَّةِ مؤشِّراتٍ رصدَتْها مراكزُ قياساتِ رأيٍ فَرَنسيَّةٍ[7].
فهُنا -على سبيل المثال- دراسةٌ أجراها مركزُ إيفوب ومؤسَّسةُ جان جوري لصالح مجلَّة “لي بوان” الفرنسيَّة[8]، تُؤكِّد أنَّ الإقبالَ الشَّبابيَّ على المساجد آخِذٌ في الزِّيادةِ بين المسلمين[9].
وَهُنَاكَ -عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ أَيْضًا- “اسْتِطْلَاعُ رَأْيٍ أَجْرَتْهُ لَجْنَةُ الجُمْهُورِيَّةِ العلْمَانِيَّةُ (CLR)، بِالتَّعَاوُنِ مَعَ مَعْهَدِ إِيفُوب، عَامَ 2020م، كَشَفَ عَنْ أَنَّ 57% مِنَ الشَّبَابِ الْمُسْلِمِينَ يَعْتَبِرُونَ الشَّرِيعَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ أَهَمَّ مِنْ قَانُونِ الْجُمْهُورِيَّةِ، وَيُمَثِّلُ ذَلِكَ زِيَادَةً قَدْرُهَا 10 نِقَاطٍ مِئَوِيَّةٍ مُقَارَنَةً بِعَامِ 2016. بَيْنَمَا يُعْلِنُ 75% مِنَ الفَرَنْسِيِّينَ الَّذِينَ يُعَرِّفُونَ أَنْفُسَهُمْ كَمُسْلِمِينَ تَأْيِيدَهُمْ “لِارْتِدَاءِ رُمُوزٍ دِينِيَّةٍ ظَاهِرَةٍ”، وَتَنْخَفِضُ هَذِهِ النِّسْبَةُ إِلَى 25% بَيْنَ جَمِيعِ الْفَرَنْسِيِّينَ، دُونَ مُرَاعَاةِ الْانْتِمَاءِ الدِّينِيِّ”[10] ، أَيْ أنَّ المُسْلِمِينَ يَبْدُونَ مُؤَيِّدِينَ لِحَقِّ ارْتِدَاءِ الْحِجَابِ لِنِسَائِهِمْ، فِيمَا يَغْلُبُ عَلَى الْفَرَنْسِيِّينَ رَفْضُ هَذَا الْحَقِّ، فَحَتَّى نِسْبَةُ 25% تِلْكَ يَدْخُلُ فِيهَا شَرِيحَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَدُورُ حَوْلَ نِسْبَةِ 10% مِنَ العَيِّنَةِ.
مِثَالٌ ثَالِثٌ: كَشَفَتِ الْإِحْصَاءَاتُ عَنْ زِيَادَةٍ كَبِيرَةٍ فِي أَعْدَادِ النِّسَاءِ اللَّائِي صِرْنَ يَرْتَدِينَ “الْحِجَابَ” فِي فَرَنْسَا، وَفْقًا لِهَذِهِ الْبَيَانَاتِ أَعْلَاهُ. وَلِأَنَّ الْحِجَابَ هُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، الَّتِي يَلْحَظُ وُجُودَهَا كُلُّ غَادٍ وَرَائِحٍ؛ فَإِنَّ زِيَادَتَهَا قَدْ أَثَارَتْ حَفِيظَةً كَبِيرَةً لَدَى الكَارِهِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ ثَمَّ صَارَتْ مَسْأَلَةُ الحِجَابِ هِيَ الْأَكْثَرَ حُضُورًا فِي الإعْلَامِ وَالبَرْلَمَانِ، وَصَارَ الْجَدَلُ حَوْلَهُ مُحْتَدِمًا، وَالرَّغْبَةُ فِي مُحَاصَرَةِ انْتِشَارِهِ مُتَنَامِيَةً لَدَى الْمَوْتُورِينَ مِنِ انْتِشَارِ الْإِسْلَامِ فِي فَرَنْسَا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] فرنسا الكبرى مصطلح يشمل فرنسا (الأم) و”مُستَعْمَراتِها” فيما وراء البحار. وتبلغ الأم نحو 66.6 مليوناً و”المستعمرات” نحو مليوني نسمة.
[2] المعهد الوطني للإحصاء.. – مصدر سابق
[3] المصدر السابق.
[4] الإسلام والهجرة في فرنسا – مصدر سابق
[5] صحيفة “ليز إيكو” (الأصداء) الاقتصادية الفرنسية – يُقدِّرُ الفرنسيون أن المسلمين 31% من سكان فرنسا – 14 / 12 / 2016
↩︎ https://www.lesechos.fr/2016/12/les-francais-estiment-que-les-musulmans-representent-31-de-la-population-francaise-225863
[6] جان بيير مولر، وكالة فرنس برس، ثمانية من كل عشرة فرنسيين يشعرون بالقلق بشأن العلمانية، بحسب استطلاع للرأي، 27/10/2019
[7] رغمَ أهمِّيَّةِ هذه المراكزِ الاستطلاعيَّةِ الفرنسيَّة، وموثوقيَّتِها لدى النُّخبة الفرنسيَّة، إلَّا أنَّها قد تكونُ خاضعةً لتأثيراتٍ غيرِ محايدةٍ، غرضُها التَّهوينُ أو التَّرهيبُ من أمرٍ ما. ومع ذلك، فلا سبيلَ إلى الاقترابِ من الحقيقةِ دونَ المرورِ بها، والاسترشاد -بحذرٍ- بما تخلُصُ إليه من نتائج.
[8] بعنوان: «دراسةٌ عن السكان المسلمين في فرنسا بعد 30 عامًا من قضية أوشحة كريل»، ص 8، في إشارة إلى الحادثة الشهيرة قبل 36 سنة من الآن، حين طُردت 3 طالبات من مدرسة إعدادية بسبب رفضِهنَّ خلعَ الحجاب في أكتوبر 1989. ودخل هذا الحدثُ الأدبَ السياسيَّ الفرنسيَّ باسم «قضايا حجاب كريل». وبعد أسابيعَ قليلةٍ، قررت المحكمةُ الإداريةُ العليا في 27 نوفمبر 1989 أن حملَ الطلاب رموزًا تكشف عن انتمائهم الدِّينيِّ لا يُعَدُّ مخالِفًا لمبدأ العلمانية. لكن فرنسا اليوم تعود ‌القَهْقَرَى؛ فتَنْكُص عمَّا كانت قد أقرَّتْ به مِن قبلُ.
[9] تَرْصُدُ تِلْكَ الدِّرَاسَةُ الْمُعَمَّقَةُ كُلَّ سُلُوكٍ إِسْلَامِيٍّ قَدْ يُسْتَشَفُّ مِنْهُ تَأْثِيرُ التَّدَيُّنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، مِنِ ارْتِدَاءِ الْحِجَابِ لِلنِّسَاءِ، وَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَارْتِيَادِ الْمَسَاجِدِ عُمُومًا، وَالْحِرْصِ عَلَى الطَّعَامِ الْحَلَالِ، وَمُعَاقَرَةِ الْخُمُورِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ … إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُؤَشِّرَاتِ.
[10] كليمنت بيترولت، “بالنسبة لـ 57% من الشباب المسلمين، الشريعة الإسلامية أكثر أهمية من الجمهورية”، مجلة لي بوينت الفرنسية، 05/11/2020

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب