أرادتها الإمارات أن تكون لحظة فارقة، واعتبرتها السعودية لحظة طارئة في الساحة الجنوبية اليمنية، فكانت المدة الزمنية بين استيلاء قوات المجلس الانتقالي على مواقع استراتيجية في محافظتي حضرموت والمهرة، وانهزامها منها ومن غيرها مجرد “لحظة”، وصارت الأحداث مجرد أمثولة للحسابات الخاطئة حين تهوي بأصحابها إلى مهاوٍ سياسية سحيقة. فما بين الأسبوع الأخير من العام الماضي، والأسبوع الأول من العام الحالي، سار التغير بسرعة عالية في اتجاه ونقيضه.
وكانت الخريطة قبلها:
قوات المجلس الانتقالي تسيطر على عدن (العاصمة المؤقتة لليمن)، عبر قوات الحزام الأمني والعاصفة، ولحج، وسقطرى، وتتقاسم مع درع الوطن في أبين، والحوثيين في الضالع، وقوات دفاع شبوة في شبوة، وتكاد تحكم سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة.
ثم صارت بعدها:
قوات المجلس الانتقالي تنسحب من محافظتي حضرموت والمهرة، وتحل محلها قوات درع الوطن وقوات عسكرية من الجيش، وتتراجع في شبوة أمام قوات درع الوطن التي اتجهت لتأمين المنشآت النفطية وميناء “بلحاف”. وأبين، حيث تسيطر قوات الانتقالي على زنجبار وبعض المناطق الساحلية، بينما تتواجد القوات الحكومية ودرع الوطن في المناطق الوسطى والمرتفعات. وتتعرض للقصف في الضالع وسقطرى ولحج، ولم تزل تحتفظ بقوات لها في تلك المناطق، وتكاد تنهزم تمامًا في عدن (حتى كتابة هذه السطور)، وتعيش اضطرابًا غير مسبوق على كافة الأصعدة السياسية، خصوصًا بعد قرارات مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي التي أعلن بموجبها إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي (قائد المجلس الانتقالي) من مجلس القيادة الرئاسي وإحالته للنائب العام بتهمة “الخيانة العظمى”، وإقالة وزيري النقل والتخطيط الموالين للانتقالي وإحالتهما للتحقيق، وبعد إعلان التحالف بقيادة السعودية أن عيدروس الزبيدي “فر إلى وجهة مجهولة” بعد تخلفه عن استقلال طائرة كانت متوجهة إلى الرياض للمشاركة في مفاوضات عاجلة، واتهامه بتحريك قوات عسكرية ومدرعات نحو الضالع بهدف التصعيد.
نعم، نستطيع القول إن المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي الموالي للإمارات و”إسرائيل”، والذي ورث حزبًا شيوعيًا انفصاليًا على مر عقود ما قبل وبعد الوحدة اليمنية في تسعينات القرن الماضي، قد لحقته هزيمة نكراء. انهزم مشروعه، لكن مشروع الإمارات و”إسرائيل” في جنوب البحر الأحمر وبحر العرب لم ينهزم بعد، بل مشروعهما المشترك في السودان وليبيا والصومال وسوريا ومصر وعُمان قائم بانتظار تحرك عربي قد يحصل وقد لا يحصل.
بل إن مشروع الانفصال له مقوماته في الميدان، فالشمال بالفعل منفصل عن جنوبه، وكلاهما يشمل قوى ليست بالضرورة على قلب رجل واحد. وحتى تحركات “الشرعية” حينما تلاحق الانتقالي تتوقف عند خطوط التماس مع الحوثيين، في الضالع ولحج، والأخيرة تراقب دون تدخل بين قوات “الشرعية” بين انفصام عرى التحالف العربي.
وإذ تنكفئ إيران على ذاتها، يكافح نظامها اضطرابات غير مسبوقة، طالت للمرة الأولى بزار طهران الرئيس، بعد أن اندلعت مظاهرات التجار في العاصمة وتبعتهم فئات اجتماعية أخرى، يُشرع الباب أمام “التحالف” لـ”تحرير الشمال” لو كان التحالف بالأصل موحدًا يملك رؤية واحدة ولا تتعارض مصالحه. لكن مهلًا، فقد يقود مؤتمر الرياض إلى إرغام فصائل الجنوب على السير في اتجاه واحد، وربما توحيدها، وجعلها في موقف يؤهلها للعب دور قام به الرئيس أحمد الشرع عندما أذاب فصائل إدلب في بوتقة “ردع العدوان” قبل الزحف على حلب، ومن ثم إلى قلب دمشق، وإطاحة الوجود الإمامي/النصيري من حكم سوريا.
في سوريا، كان صمت الإقرار الدولي واضحًا؛ فأخذ “الثوار” زمام المبادرة وأكملوا مسيرة “التحرير”، لكن هل لـ”إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية الموقف ذاته؟ ربما، غير أن زيارة جدعون ساعر وزير خارجية الكيان الصهيوني لما تُسمى بجمهورية أرض الصومال، وإعلانه عن تبادل السفراء بين الكيانين اللذين يعترف كلا منهما بالآخر، وإبطانه الحديث عن قاعدة عسكرية بالقرب من الجزيرة العربية وفي “فنائها الخلفي” لا يشي بأن الضوء الأخضر قد أضيء لـ”التحالف” أو ما تبقى منه لتوحيد اليمن. هذا إذا كان توحيده يصب في صالح الاستراتيجيات الخليجية أو أمنها القومي التي تؤمن به.
ربما قُطِع ذيل الأفعى، لكن رأسها باقية تهدد أمن أكبر دولتين عربيتين، ونشاطها في محيطهما كبير ومؤثر.