يلاحظ أن كثيراً من الناس قد اختلّ ميزانهم حول الحرب الإقليمية الدائرة اليوم بين إيران الصفوية من جهة، والمشروع الصههيوني المدعوم غربياً من جهة أخرى ، فيقعون في خلط ظاهر ، يفضي ببعضهم ، إلى أن رافضة إيران –نظراً لانتسابهم إلى الإسلام في الجملة – يُجعلون في موضع النصرة والتأييد ، وأن ذلك هو الموقف الشرعي – حسب رأيهم – وذلك من التطفيف في الميزان والقصور في معرفة آثار عدوانهم ، ويتجلى ذلك في المحاور الآتية :-
الأول ( المحور العقدي )
فالرافضة الجعفرية الاثنا عشرية – وإن انتسبوا إلى الإسلام في الجملة – إلا أنهم واقعون في غلو عقائدي ظاهر ، ومتلبسون بأصناف من الشركيات والزندقات ، وألوان من النفاق المستفيض خبره لدى كل من عرف تاريخهم وأحوالهم ووقف على مصادرهم ومراجعهم ، وهم في ذلك درجات ومتفاوتون من حيث الغلو والانحراف ، بين مقل ومكثر وبعض غلاتهم ، قد يكون فيه من الغو والضلال ما يفوق الكفار الأصليين وليس هذا موضع بسط انحرافاتهم .
وقد استقر في دين الإسلام أن الشرك والنفاق من أعظم نواقض الإيمان وأصول الدين ، وأن مجرد الانتساب إلى الاسلام لا يعصم صاحبه إذا تلبس بما يناقضه ، فقد كانت قريش – حين البعثة – تنتسب إلى ملة إبراهيم، فلم يغن عنهم ذلك ، لما قارنه من الشرك بالله .
على أن تكفير عامة الرافضة ليس هو قول جمهور علماء أهل السنة والجماعة، وهو أمر لابد من ملاحظته ، وعدل لا ينبغي تجاوزه ، لكن هنا ملحظ يغيب لدى كثير من الناس ، وهو أن قرب الديانة النسبي ، لايلزم أن يكون هو الأقل خطراً وشراً على الضروريات ! فالكتابيون أقرب من الوثنيين من جهة الأصل، ولهم أحكام تخصهم دون الوثنيين ومع ذلك كان لهم عبر التاريخ من العداوات والشرور ما يفوق غيرهم، من بقية أهل الأوثان في مواضع كثيرة .
وكذلك الحال في طوائف الغلو المنتسبة إلى الإسلام – كالخوارج والرافضة – فقد يشتد شرهم إذا كانت لهم شوكة وسلطان، فيوقعون في المسلمين من القتل والفساد ما يفوق غيرهم من الكفار الأصليين ، وهاهنا يقع الخطأ في فهم كلام بعض الأئمة كابن تيمية وغيره عند الحديث عن قرب بعض طوائف الرافضة النسبي من الناحية الدينية مقارنة بالمكذبين بالرسالة من الكفار الأصليين .
الثاني ( المحور الجنائي )
إن بناء المواقف في هذه النازلة على مجرد الهُوية العقدية ، دون التفات حقيقي للمحور الجنائي قصور في معرفة الموازين وحيدة عن محل النزاع ، إذ القضية تدور على مسارين أساسيين :-
الأول:- ما ثبت من جنايات هؤلاء الرافضة منذ قيام ثورتهم الخمينية ، وما ترتب عليه في عدد من البلدان صاحبها قتل ، وتشريد ، وإرهاب ، وإفساد واستهدف للضروريات الخمس :- الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض ،
مع واقع يشهد بأن نكايتهم بالمسلمين في مواطن كثيرة كانت أشد وأقسى من جرائم الصههاينة ، وهنا موضع إعمال ميزان القسط في مقارنة الجرائم، لبيان أن كلا المشروعين يتسابقان في توسيع النفوذ، وسفك الدماء، وتمزيق الأوطان.
الثاني: أن الصراع القائم بين الفريقين ليس صراعاً دينياً ولا يُبنى على ولاء للإسلام أو نصرة له، وإنما هو صراع نفوذ وهيمنة، بين مشاريع توسعية متنازعة، يسعى كل طرف فيها إلى بسط سلطانه على حساب شعوب المنطقة ومقدراتها ومن هنا يتضح أن الاصطفاف مع أحد المعسكرين دون وعي بحقيقة الصراع خلل في الفهم وغفلة عن الواقع وحقائق الأمور وتقدير المآلات .
والمتأثرون سياسياً بالدعاية الإيرانية في هذا الموقف – من غير أتباع المحور الإيراني وأذرعته فريقان:-
الأول:- فريق غلب عليه اعتبار القضية الفلسطينية حتى جعلها مبرراً لتجاوز سجل إيران الإجرامي المثقل بالانتهاكات في غيرها من البلدان ، كسوريا والعراق واليمن ولبنان وكأن ذلك يمحو ما سواه – هذا إذا سلمنا بوجود نصرة حقيقية لإيران في قضية فلسطين – مع أن واقعها في غالبه متاجرة ومخادعة بشعارت القدس وفلسطين وثمت نسيان أو تغافل عن أدوارها التخادمية السابقة ، وتحالفاتها الخيانية التي أسهمت في تمكين قوى الاحتلال في غير ما موضع من بلدان المسلمين .
الثاني:- فريق لم يعايش آثار هذا المشروع ميدانياً وواقعياً ، فبنى مواقفه على تصورات نظرية ، أو عواطف انتقائية ، وغالبهم من البلدان التي لم تمسهم بصورة مباشرة نيران المشروع الصفوي، ولم يكتووا بويلاتها فاختل ميزانهم في الحكم على الدماء والمظالم المقترفة ، ووزنوا الأمور بغير معاييرها الشرعية .
الثالث :- ( المحور السياسي )
إن الدعوة إلى الاصطفاف مع إيران من قبل بعض الرموز والتيارات – إسلامية وغيرها ، تغافل عن واقع عدوانها منذ تأسيسها ، فضلاً عن تاريخ هذه الطائفة وتجاهل لما تقوم به من تدخلات ، وزعزعة للأمن والاستقرار في المنطقة ،آخرها ما نشاهده في هذه الحرب من استهدافها للمنشآت والمصالح الحيوية وغيرها ، مقرونة بخلفية أيدلوجية مشحونة، وتوجهات قومية ومشاريع توسعية ، وسياسات قائمة على الكيد والتآمر لبلدان العرب والمسلمين ، وعلى رأس ذلك المملكة العربية السعودية ، يقابل ذلك مساع واضحة لتجنب التصعيد، وحفظ أمن المنطقة واستقرارها.
ودافع هذا الاصطفاف مع إيران ، في كثير من الأحيان :-
أ- قصور في القراءة الواعية للتاريخ والواقع ومعرفة عقائد الفرق المنحرفة ، وآثارها التخريبية كحال الفرق الباطنية ، والرافضية ، وأدوارها في الحاضر والماضي .
ب- تعبئات غير منضبطة بميزان الشرع ، ومواقف تراكمية تجاه مجمل الأنظمة العربية، تخلو من التفصيل والإنصاف، ومعرفة الموازين ، وتفتقر إلى تقدير المآلات .
ج- ضعف ظاهر في فهم الجذور السياسية والعقدية للمشروع الخميني المعروف تاريخياً بالمشروع الصفوي وخطورته على الكليات .
الموقف الشرعي

