مثلت التطورات الأخيرة في الجبهة الشرقية الشمالية في سوريا تحولًا استراتيجيًا هائلًا في حاضر سوريا بعد أن مرت بعام شهدت فيه مدًا وجزرًا بين سلطة الدولة وسلطة الانفصاليين في مناطق التوترات في جبهة الجنوب (محافظة السويداء)، والجبهة الغربية (الساحل: طرطوس واللاذقية)، والجبهة الشمالية الشرقية (المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية في الرقة ودير الزور وغيرها).
وكونها “جبهات”، وليست مناطق “توتر” أو “أزمات” أو “اضطرابات”، عائد إلى أنها تمثل تحديًا خارجيًا للسلطة الشرعية في دمشق أكثر من كونها تحديًا داخليًا من أقليات، لأن جبهة الشمال الشرقي، دون إيران، وحزب العمال الكردستاني، والحماية الجوية الأمريكية لا تشكل خطرًا على الجيش السوري، وكذلك المجلس العسكري (للدروز) في السويداء بدون “إسرائيل” لا يمكنه الصمود في تمرده، وأيضًا خلايا النصيرية والنظام السابق في الغرب السوري لا يستطيعون
الاستمرار في إرهابهم من دون رعاية إيرانية روسية، وكلا كفيل به جيرانه من العشائر العربية المحيطة بمناطق تمركز قوات قسد في السابق، وكرد مناوئين لقسد، من المتدينين والوحدويين، وعشائر السويداء البدو ومعارضي الزعيم الدرزي حكمت الهجري، وسنة المدن الساحلية وريفه. وبالتالي؛ فإن أي تفاهم مع القوى الراعية، يجرد المتمردين من قدراتهم، ويجعلهم يتراجعون وينهزمون وينسحبون دون قتال في معظم الأحيان، مثلما فعلت قسد خلال العمليات الأخيرة التي أسفرت عن تحرير معظم المناطق التي كانت تحتلها قسد باستثناء بضع مدن ومرتكزات محدودة، حيث استعاضت بالإرهاب والغدر واستهداف المدنيين عن قتال الرجال أمام الجيش السوري والعشائر العربية.
الخريطة الحالية لسوريا بعد هزيمة وانسحاب قسد:
بلغت نسبة سيطرة الحكومة السورية بعد التطورات الأخيرة، بشكل شبه كامل على نحو 80% من مساحة سوريا، بينما تتوزع سيطرة قسد على نحو 15% (بدلًا من نحو 30% قبل سيطرة الجيش السوري على معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها قسد)، أما في الجنوب؛ فالمجلس العسكري وفصائل الكرامة ما زالت تسيطر على نحو 3% من مساحة سوريا، ولكن بمستوى تسليح عسكري أقل، وسيطرة إدارية دون الوضع في مناطق سيطرة قسد الحالية.
وتقلصت سيطرة قسد بعد العملية الأخيرة في شهر يناير إلى مدن ومحيط مدن محافظة الحسكة (معظم مدينة الحسكة باستثناء المربع الأمني في وسط المدينة والمطار، والقامشلي كاملة ومحيطهما)، وعين العرب (كوباني) ومحيطها، وعادت آبار النفط الكبرى (العمر والرميلان وصفيان والتنك) والغاز (معمل كونيكو) وسلة غذاء سوريا الرئيسة كلها لسوريا بعد أن استعاد الجيش السوري السيطرة على غرب الفرات كاملًا، ومدن استراتيجية مثل الرقة ومسكنة والطبقة ودير حافر، ومعظم ريف دير الزور حتى الحدود العراقية، وفي الجملة قد صار النفط والغاز والمياه (بعد السيطرة على سد الفرات وغيره) والحدود ضمن سلطة الدولة، ولم تعد قسد تدير مناطق لا يزيد سكانها مجتمعين عن مليون سوري، معظمهم من الأقلية الكردية.
اتفاق الحكومة وقسد:
توقف القتال يوم 18 يناير 2026 بموجب اتفاق دمشق بين الحكومة وقسد برعاية أمريكية، والذي أفادت المصادر السورية الرسمية أنه قد تضمن سحب قسد للأسلحة الثقيلة
من مراكز مدن الحسكة والقامشلي وعين العرب، وتحولها باتجاه حراسة الحدود، ضمن إطار تشكيل الفيلق السادس للجيش، الذي سيضم مقاتلي قسد السابقين، الذين سيتم إدماجهم بالجيش السوري بشكل فردي، بقيادة مشتركة بين الجيش السوري وضباط من قسد. وتمهيد نقل سلطة الحفاظ على الأمن في مناطق شرق الفرات إلى الجيش والشرطة السوريين عبر خطوات عسكرية وسياسية، تمنح بموجبها اعترافًا برتب قادة قسد العسكريين والأمنيين في الجيش والشرطة السوريين، وتعيين لقيادات قسدية في مناصب عليا في إدارة الدولة السورية، وتضمن خروجًا للعناصر غير السورية من سوريا (حزب العمال الكردستاني وغيره)، وتسليم مهام الإشراف على السجون التي تدعي قسد أنها تضم عناصر من تنظيم داعش إلى سلطة الدولة، وفي الحسكة سيتم ضم المؤسسات المدنية ضمن هياكل الدولة، وترشيح قيادة قسد لاسم محافظ قسد، ليتم تعيينه رسميًا من قبل الدولة، وذلك لـ”ضمان التمثيل المحلي”. وقبل التوقيع كان صدور القرار الرئاسي المتضمن الاعتراف بـ”الحقوق الثقافية واللغوية الكردية” والسماح بتدريس اللغة الكردية في مناطق سيطرة قسد السابقة، واعتبار “عيد النيروز” عطلة رسمية وطنية في سوريا.
نتائج فورية للتحرير والاتفاق:
استعادة هيبة الدولة السورية، وزيادة الضغط على المتمردين في السويداء والساحل، وزيادة الاستقرار وشيوع الأمن في ربوع سوريا.
تقوية وضع دمشق التفاوضي مع “إسرائيل” بعد حرق أهم أوراق تل أبيب، وتبعثر أخرى في السويداء والقنيطرة والساحل تبعًا لذلك.
توحيد العملة على سائر التراب السوري، لتستعيد الليرة جزءًا من عافيتها، ويصبح البنك المركزي السوري هو الجهة الوحيدة التي تشرف على النظام النقدي في سوريا.
ضخ نحو 150 مليون دولار سنويًا في ميزانية الدولة السورية، كعا~دات نفطية كانت تستولي عليه قسد خخلال السنين الماضية.
زيادة الكهرباء المنتجة إلى 2400 ميجا وات، بعد استعادة حقول العمر والرميلان وصفيان والتنك النفطية، ومعمل كونيكو الغازي، وسد الفرات، المسؤول عن الإنتاج الكهرومائي.
فتح الطريق لاستثمارات أجنبية إضافية في مجال النفط وغيره، سواء من شركات سعودية ومصرية أو إماراتية (شركة دانا غاز)، وكذلك تقنين أوضاع الشركات الأمريكية التي كانت تعمل مع قسد بشكل غير قانوني، بعد توفر البيئة المواتية، والتي ستشجع أطرافًا دولية كانت مترددة في الاستثمار في سوريا، للاندفاع نحوها.
أنعشت سيطرة دمشق على آبار النفط ومعمل غاز كونيكو التفكير في التوجه إلى المضي قدمًا في مشاريع شبكات نقل الغاز عبر سوريا إلى أوروبا: تحديدًا خط النفط العراقي “مشروع كركوك – بانياس”، مشروع خط الغاز “قطر – تركيا” عبر السعودية والأردن حتى سوريا فتركيا، وتطويره ليشمل خط نفط مجاور، مشروع “خط الغاز العربي AGP” من مصر عبر الأردن وسوريا إلى لبنان
تشجيع رجال الأعمال السوريين في الخارج على التوجه للاستثمار في سوريا في بيئة آمنة.
فتح الطريق الدولي M4 (الحسكة – حلب) والذي يجعل الطريق مفتوحًا للتجارة الدولية بين سوريا وجيرانها، من مينائي طرطوس واللاذقية حتى حدود العراق، وبالتالي يمكن إعادة العمل لطريق حيوي يربط بين أوروبا وآسيا.
تخليص سوريا من خطر عناصر داعش بمنع توظيفها أولًا من خصومها (قسد وغيرها)، وثانيًا بنقل نحو 7 آلاف من المنسوبين إليها إلى العراق عبر الحدود، والذي أوشك أن يكتمل أثناء الهدنة بين الحكومة السورية وقسد في الثلث الأخير من شهر يناير.
مناخ الاتفاق إقليميًا ودوليًا:
لم يكن هذا الاتفاق ليتم (حتى الآن)، ولم تكن لتنسحب قسد وتخلي مواقعها للعشائر العربية والجيش السوري إلا حالما وافقت أطراف دولية وإقليمية على مضامين هذا التحرك من الجيش السوري والعشائر المتضامنة، وتلك التي غيرت ولاءها من جانب قسد إلى جانب الشرعية، وعلى بنود هذا الاتفاق كذلك؛ فإن ما قد كان يغل يد الدولة عن استرداد مناطق الشرق والشمال السوري هو اعتراض الأمريكيين وتربص وممانعة “الإسرائيليين”، ومخافة إراقة دماء المدنيين. وقد اهتبلت دمشق الفرصة المتاحة مع تغييرات طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية، فتحركت في اتجاه تحرير جزء من أراضيها، فأثرت القوى الخارجية في اختيار هذا التوقيت.
الولايات المتحدة الأمريكية:
رعت الاتفاق، ورأته مناسبًا لتحقيق أهداف لا تتعارض مع مصالحها الراهنة، فلم تعترض طريق الجيش السوري أو تفرض “فيتو” يمنع تحركه، وتخلت عن قسد كخيار وحيد ضامن لمصالحها في الشرق والشمال السوري.
ولدى واشنطن حوافزها لذلك، أهمها:
أولًا: أن ما حصل في سوريا لا ينفك عن رؤية واشنطن للمنطقة، سواء في سوريا أو اليمن أو غيرهما، فاستثمارها في الميليشيات لم يعد مجديًا لها، وهي تريد التعامل مع عواصم قوية نوعًا ما تضمن معها الوصول إلى تناغم في السياسة الإقليمية يحقق لها ما تريد دونما كلفة عالية. وهي قد تخلت عن فكرة “الحرب بالوكالة” في المنطقة واستعاضت عنها بتفاهمات تسكن بها ملفات عالقة.
ثانيًا: أن الولايات المتحدة لا تريد الانشغال عن استراتيجياتها الجديدة في أمريكا الجنوبية وأوروبا، ونسجها لعلاقات أكثر أهمية بالنسبة لها من تلك التي تورطها في صراعات لا طائل من ورائها على المستوى الذي يحقق لواشنطن ما تصبو إليه من سياسات تهدف لإنقاذ اقتصادها الواهن، وتراجعها الدولي في مقابل تقدم الصين.
ثالثًا: أن كلفة الاحتلال العسكري الأمريكي لشرق سوريا، وإن كانت ضئيلة في حدها الخاص بـ”دعم الشركاء في سوريا”، حيث لا تتعدى 130 مليون دولار، خصصها البنتاغون للعام 2026، إلا أنها كبيرة في التكلفة الكلية الخاصة بدفع رواتب الجنود الأمريكيين ودعم القواعد العسكرية والطلعات الجوية للمسيرات، وخطوط الإمداد، وتأمين آبار النفط التي لن تذهب إلا لقسد أو الحكومة السورية في نهاية المطاف.. إلى غير ذلك، كما إنها تبعثر جهود انتشار القوات الأمريكية في منطقة لا طائل ماديًا من ورائها للخزانة الأمريكية.
ثم إن الحضور القوي للولايات المتحدة في قواعد عسكرية في قطر والبحرين وتركيا وغيرها يُغنيها عن الوجود في سوريا، الذي لا يوفر لها مزية إضافية، بل ربما يجعلها هدفًا لهجمات رافضين لـ”وجودها” في سوريا.
رابعًا: أن واشنطن لا تريد أن تظل في دائرة داعش المفرغة، لاسيما أن وجود داعش يكتنفه الغموض، ويُجرد اختفاؤه – أو ضعفه الشديد – مبرر “قانونية الوجود الأمريكي” في سوريا، فيما تحتاج الملفات الكبرى التي تعالجها الولايات المتحدة، كالصين وأوروبا وفنزويلا، إلى إيلائها اهتمامًا مركزًا وموحدًا. وبالتالي؛ فإن تكفل دمشق بمحاربة داعش كفيل بأن يوفر على واشنطن عبء احتلال لا يراه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يضخ مالًا في الخزانة الأمريكية.
خامسًا: أن واشنطن تريد مركزية سورية مرنة تقف بجسارة أمام القوة الإيرانية في المنطقة، وهذا لا يتأتى دون أن تبسط دمشق سيطرتها على الحدود مع العراق، وتحول دون تسلل السلاح الإيراني إلى فلسطين المحتلة ولبنان، ولهذا قد تخلت جزئيًا عن قسد التي ثبت بالأدلة أن إيران كانت تُمدها بالسلاح والاستشارة والدعم (عثر المقاتلون من العشائر العربية والجيش السوري على مُسيرات إيرانية في مخازن لقسد بعد سيطرة قوات الشرعية عليها)، وقد حسم ترامب خياراته – على ما يبدو – واختار أن بقاء دمشق قوية نسبيًا يضع حدًا لنفوذ إيراني خير من تفكيك يمنح طهران فضاءً للحركة في الإقليم.
سادسًا: أن الولايات المتحدة رهنت ضوءها الأخضر لاسترداد الجيش السوري للأراضي السورية بموافقة دمشق على “تفاهم ثلاثي” يضم سوريا و”إسرائيل” برعاية أمريكية، وهو ما قد حصل بالفعل قبل أيام قليلة من التحرك السوري.
وهي مع كل هذا تظن أن سوريا في النهاية دولة محدودة القدرات، ويلزمها سنوات وسنوات حتى تمثل تهديدًا، وأن واشنطن ستظل مطمئنة لقدراتها على تغيير الوضع السوري لو أرادت حين تتخلى القيادة عن “تعهداتها” لواشنطن.
ومع أن معظم المراقبين يرون أن العملية العسكرية المتزامنة مع الضغط السياسي من قبل الحكومة السورية قد تم بموافقة ضمنية من واشنطن، إلا أن أصواتًا منها تقول غير ذلك، حيث أشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية (25/ 1/ 2026) إلى أن “الرئيس السوري أحمد الشرع قد خاض مقامرة عسكرية وسياسية محفوفة بالمخاطر في شمال شرقي سوريا، متحدياً الولايات المتحدة التي هددت بإعادة فرض العقوبات، لكنه نجح في فرض وقائع جديدة على الأرض خلال أيام قليلة بهجوم خاطف، تم بعد إقناع مساعديه لفصائل عربية داخل قسد
بالانشقاق والانضمام للحكومة السورية، ما أدى إلى انسحابها ومن ثم انسحاب قسد من مساحات واسعة في شمال شرقي سوريا”، وهو رأي ربما كانت له وجاهته أيضًا.
تركيا:
ليس سرًا أن أنقرة ظلت قلقة على أمنها القومي ما دامت قسد تحكم تلك المنطقة الشاسعة على الحدود التركية/السورية، وهي رهنت تحسين علاقتها بواشنطن بشرط تحجيم قسد أو إنهاء وجودها، ولم تكن واشنطن لترجح كفة قسد على تركيا، في ظل مناخ دولي تزداد فيها حاجة الولايات المتحدة الأمريكية لتركيا، وقد رحبت تركيا بالحملة العسكرية التي شنها الجيش السوري على قسد، وتحفظت على بعض بنود الاتفاق، وهي وضعت شروطها لتأييده، تتضمن طرد أي عنصر من حزب العمال الكردستاني PKK من سوريا، وضرورة عرض أسماء القادة والضباط والجنود الأكراد المنتمين لقسد إلى الجيش السوري وشرطته عليها حتى تتأكد من عدم وجود أي منهم على قوائم الإرهاب التي وضعتها الاستخبارات التركية، وإبقاء أي قوات تابعة لقسد أو تتألف من مقاتليها السابقين على مقربة من الحدود التركية (تشترط شريطًا بعمق 30 كيلو مترًا لا تقترب منه قسد كميليشيا أو حتى بعد اندماجها في القوات السورية).
“إسرائيل”:
تنظر تل أبيب بريبة شديدة للرئيس السوري أحمد الشرع، وفريقه الحاكم، وجيشه وقواه الأمنية، لكنها في ضوء ضعفها الحالي الذي جعل قواتها منهكة بعد معاناتها الشديدة أثناء عدوانها على غزة، واختبار تلك القوة في الأسبوع الأخير من شهر نوفمبر الماضي في بلدة بيت جن بريف دمشق، حين تصدى مقاومون من الأهالي لتوغل “إسرائيلي”، وإدراكها أنها قد تتورط في حرب استنزاف إن هي واصلت توغلاتها البرية في جنوب سوريا، وفي ضوء التباين “الظاهري” بين موقفي ترامب ونتنياهو حيال سوريا، وفرض الأول رؤيته على الأخير، وتفضيله لإبرام تفاهم مع سوريا بدلًا من استفزازها “إسرائيليًا” عبر التوغلات واحتلال التلال والجبال، ورعاية مغامرات مظلوم والهجري الفاشلة، وفي ضوء طمع “إسرائيل” في تشجيع الحكومة السورية على الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وإدراك تلك أبيب أن حلم “الدولة الكردية” و”ممر داود” الممهد لـ”إسرائيل الكبرى” قد بات بعيد المنال في هذا التوقيت الذي تعاني فيه “إسرائيل” تراجعًا في
كافة المناحي، لاسيما مع فشلها في بقعة صغيرة كانت ضمن حدودها المزعومة/ غزة، وإدراكها أن أي توسع لها، بل أي مغامرة في محيطها سيكون له أثمانه الباهظة.. في ضوء كل هذا، لم تكن تل أبيب قادرة على ممانعة تلك الخطوة التي أقدمت عليها دمشق، وساعدتها فيها أنقرة التي تعاظم دورها اليوم، وامتد ليدخل ضمن سياق الترتيب في داخل غزة نفسها.
“إسرائيل” أكثر قدرة على فهم التحول الدراماتيكي في سوريا من الولايات المتحدة، وهي حاولت جاهدة منعه، لكنها عجزت – على ما يبدو – غير أن كل ما يصدر عن وسائل إعلامها يشي بأنها مدركة لمقدار ما خسرته في هذا التغير في موازين القوى على حدود فلسطين المحتلة الشرقية:
ممر داود (الواصل ما بين محافظة السويداء ومناطق قسد) والذي انهار قبل أن يُشرع بإنشائه، ليطوق سوريا، ويمهد لـ”إسرائيل الكبرى”، ويبقى سوريا واهنة – شريان الحياة الشرقي للدروز، إذ تبقيهم هزيمة قسد (أكبر الكتل الانفصالية في سوريا) في وضح أشد حرجًا، ويطوقهم من جميع الجهات، ويجعل واجهاتهم السياسة آخر بقايا التمرد والفوضى في سوريا، وقد تجد “إسرائيل” نفسها في نهاية المطاف مضطرة إلى التخلي عنهم مثلما تخلت الولايات المتحدة الأمريكية عن قسد، بحسب الإعلام العبري. رغمًا عن أنف “إسرائيل” رُسمت الخريطة الجديدة لسوريا، رُسمت، وخبراؤها لا يوفرون مساحة رأي، من دون أن يحذروا من “الجولاني” و”جيشه الإسلامي” بل وتعليمه “الديني”، مثلما تقول المقدم احتياط ساريت زهافي، رئيسة مركز “علما” للأبحاث، في تصريحات لموقع يديعوت أحرونوت العبري أن “إسرائيل” الآن أصبحت في تهديد كبير بعد التحولات الأخيرة في سوريا، لأن “الشريعة الإسلامية تُقيم دولة إسلامية على حدود إسرائيل”، لافتةً أنني “كنتُ من بين الذين تمنّوا رؤية واقع مختلف، ولكن للأسف حدث العكس؛ فقد تضاعف حجم شبكة مدارس هيئة تحرير الشام في جميع أنحاء سوريا خلال العام الماضي وحده، وفي هذه المدارس، يُلقّن الطلاب الفكر الجهادي. لن يكون الجيل القادم في سوريا كما كنا نقول سابقًا – مجتمعًا علمانيًا، بل سيكون مجتمعًا دينيًا، وفي غضون عشر سنوات ستتفاقم المشكلة كثيراً. في ذكرى الثورة، رُفعت رسائل تدعم حماس، وعُقدت استعراضات عسكرية تحمل رسائل تُصوّر إسرائيل كعدو، بينما يتحدثون قادتها عن رغبتهم في عقد اتفاق معها، والأسوأ من ذلك كله، كان هناك هتافات “خيبر، خيبر، يا يهود، جيش محمد سوف يعود” من قبل العسكريين والمدنيين في سوريا. رأينا هذا حتى بعد سيطرتهم على الأحياء الكردية في حلب. بات هذا الأمر شائعاً، فهذه الهتافات معادية للسامية وإسرائيل، إنها ليست مدّ يدٍ للسلام.”