كان التقرير الاستقصائي الموثق الذي نشرته منصة “إيكاد” المتخصصة في تتبع المعلومات، ثريًا لحد يتعذر معه إهمال بعض ما احتواه، مباشرًا في نعت سياسة الإمارات في الغرب بـ”الهجوم على الإسلام”، ما استدعى أن  نستعرضه، ونتوقف عند أبرز ملامحه:

يقول التقرير الذي نُشر في 28 من يناير الماضي:

“خلال الفترة الماضية عاد الحديث عن مساءلة برلمانية قدمت إلى المفوضية الأوروبية عام 2023 استندت إلى تحقيقات صحفية كشفت استعانة الإمارات بشركة استخبارات سويسرية لتنفيذ حملات تضليل وتشويه صورة المسلمين والمؤسسات الإسلامية في أوروبا. انطلقت إيكاد من هذه التحقيقات، وحللت خطاب الشبكات الإماراتية الموجهة للغرب، لنرصد خلال عام 2025 فقط أكثر من 720 ألف تفاعل يهاجم الإسلام في الغرب عبر 330 ألف حساب، لكن المفارقة أن التفاعل الحقيقي من كل هذه الأرقام لا يتجاوز 1% . أرقام تكشف عن تضخيم منظم لا عن تفاعل حقيقي. وبتحليل هذا النقاش المعادي للإسلام، والمطالب بإغلاق المساجد، وجدنا أن المجموعة الإماراتية لم تكن وحدها،

بل كان هناك مجموعة أخرى من اليمين المتطرف الأوروبي، معروفة بترويجها للإسلاموفوبيا داخل أوروبا وأمريكا الشمالية. وبين كلا المجموعتين ظهر ترابط واضح في التفاعل وإعادة النشر وتبادل السرديات. ” ما يكشف عنه ذلك التقرير خطير، من عدة جهات:

أولها: أن نظام الإمارات لا يعيش هاجسًا داخليًا يخص تخوفه من أن يزداد نفوذ المتدينين في بلاده، فيطيحوا بحكمه مثلما توهم البعض، ولا أنه من فرط خشيته قد حارب هؤلاء في محيط الإمارات الإقليمي الممتد حتى تونس!، بل إنه أصبح على مهمومًا بمناهضة الإسلام نفسه في العالم، للحد الذي جعله يحرض على مراكز إسلامية في بلدان أوروبية لا يتجاوز حجم المسلمين فيها 1% من السكان، كبعض دول أوروبا الشرقية.

ثانيها: أن نظام الإمارات لم يعد يمثل طرفًا هامشيًا في الحرب العالمية على الإسلام، بل إنه قد أصبح رأس حربة عالمية في الحرب على الدين الحنيف، وأن شبكته تلك قد صارت رقمًا مؤثرًا لا يمكن تجاهله في تقوية ظهر الصهيونية العالمية واليمين المتطرف في الغرب.

ثالثها: أنها باتت تمثل حلقة بارزة في سلسلة عالمية تقوم بهذا الدور الحقير، وأنها تنتظم في سياق تحركه جهة ما، ظهر بعضها لاحقًا في شخصيات صهيونية أنيط بها أن تدير شبكات معاداة الإسلام التي تبدأ باللغة العربية، وبأسماء تنتسب إلى الإسلام وهو تطعنه. يذكر منها التقرير: “أمجد طه، وحسن سجواني، وماجد السعدي، وخميس الحسيني. حسابات جميعها معروفة بعدائها لأي هوية إسلامية في الغرب، والتي حققت وصولًا واسعًا داخل دوائر اليمين المتطرف الأوروبي، ورغم أن معظمها حديث النشأة”.

يقول التقرير: “من هنا فككنا كل مجموعة على حدة، فبدأنا بشبكة الإمارات ولم يكن خطابها انفعاليًا ولا ارتجاليًا، بل خطاب أيديولوجي أمني محكم، يربط بشكل ممنهج كل ما هو إسلامي بالإخوان المسلمين، والجماعات التي تعدها الإمارات متطرفة.  وحرصت على تصوير المساجد والمدارس الإسلامية كشبكات تهديد وليس مؤسسات دينية أو تعليمية. وبتتبع سرديات المجموعة، وجدنا أنها وصفت المساجد بأنها بؤر تطرف يجب مراقبتها أو إغلاقها، وصورت العمل الخيري الإسلامي كواجهة لتمويل أيديولوجي، واستخدمت الإخوان المسلمين كأداة شيطنة جامعة، تلصق بأي نشاط إسلامي دون الحاجة إلى دليل، بجانب سردية أوسع تقدم “الإسلام السياسي” كخطر وجودي على الأمن القومي الغربي. كل سردية لم تطرح منفصلة، بل بُنيت فوق الأخرى، لتشكل إطارًا متكاملًا يعزز الإسلاموفوبيا.”

والعجيب أن المجموعة، وإن كانت تطلق سمومها في معظمها باللغة العربية إلا أنها تكتبها لتترجم إلى اللغات الأوروبية، وتتلقفها المجموعة الثانية اليمينية التي تعمل معها بتناغم واضح، وتستشهد بها أمام جمهورها الغربي، على قاعدة “وشهد شاهد من أهلها”، فإذا كان هذا هو رأي “المسلمين المعتدلين” في بني قومهم، فلماذا يزايد الأوروبيون ويسمحوا لهم بالعمل والنشاط على أرضهم، و”أهلهم” قد تبرؤوا منهم، مدركين خطورة ممارساتهم وأنشطتهم، ولهذا تعيد المجموعة اليمينية تدوير ما بثتهم أختها الإماراتية من سموم “لكن بعناوين مثل حماية المجتمع، والدفاع عن القيم ومكافحة التطرف، فكررت الدعوات إلى إغلاق المساجد، باعتبارها خطوة وقائية، وصورت الإخوان المسلمين كشبكة تتغلغل عبر المدارس والجمعيات، وتكرر الاستشهاد بالإجراءات الإماراتية كنموذج يحتذى به في التضييق على المسلمين، بل وصفتها بصوت العقل الذي يحارب التطرف!”، على حد ما يعبر عنه التقرير، والذي يضيف أنه “مع هذا التلاقي والترابط بدأت النتائج تتجاوز الفضاء الرقمي، وتحول الخطاب إلى ضغط واقعي، انعكس في تضييق وإغلاقات حقيقية لمساجد ومراكز إسلامية في أوروبا، مثل إغلاق أحد أكبر المراكز الإسلامية في إيرلندا (ICCI)، وهو يضم مسجدًا ومدرسة، الذي أشادت حسابات يمينية بدور الإمارات في إغلاقه، وجمعية ISLAMIC RELIEF WORLDWIDE”، والتي أدت حملات التشهير ضدها من هذه المجموعات إلى قطع التمويلات عنها، وتوقف مشروعاتها، ليقودنا ذلك إلى سؤال أعمق، هل نحن أمام مجرد حملة رقمية مؤثرة؟ أم أن هناك بنية متكاملة تساند هذه اللجان والحملات؟”، يتساءل التقرير. ثم إن التقرير قد دلل على استنتاجاته بأن قناة GB NEWS البريطانية، التي جعلت الهجوم على الإسلام والمساجد جزءًا من خطابها اليومي، وتستضيف شخصيات ذات أسماء إسلامية قدمت اتهامات خطيرة بحق مساجد وجمعيات إسلامية دون تدقيق هي “مملوكة ومدعومة من “Legatum Group” التي ضخت أكثر من 80 مليون جنيه إسترليني في القناة رغم خسائرها المستمرة، وهي مجموعة استثمارية في دبي يقودها رجل الأعمال “Christopher Chandler” الذي امتد تمويله إلى مراكز أبحاث وفصائل سياسية يمينية داخل البرلمان البريطاني تشترك جميعها في خطاب معادٍ لـ”الإسلام السياسي” كما ضمت المنظومة شخصيات معادية للإسلام مثل البريطاني “Nigel Farage” الذي كشفت الوثائق الرسمية تلقيه هدايا من حكومة أبوظبي في ديسمبر 2025 بقيمة 10 آلاف جنيه إسترليني، وفي الوقت نفسه كان يتقاضى مئات الآلاف من الجنيهات سنويًا، من GB NEWS” نيجيل فاراج، زعيم حزب الإصلاح في المملكة المتحدة، ذاك السياسي اليميني المتطرف الذي ما فتأ يحرض على المسلمين في بريطانيا، وصعد صيته كثيرًا هذه الأيام، وهو قد صار يقود هذا التيار المتطرف، ويقدم نفسه كبديل لرئيس الوزراء البريطاني الحالي، ويُتوقع أن يحصل حزبه على

نتائج عالية في الانتخابات البريطانية، ليقود أكبر دولة “استعمارية” نفذت أشد المؤامرات على المسلمين في التاريخ ضراوة وأقواها أثرًا. هذا البريطاني صارت تدعمه أبوظبي بقوة، بل إنها من تمهد له الطريق لينفذ سياسة مجحفة بحق المسلمين في بريطانيا ثم أوروبا. وليس يخفى أن التقرير الأخطر في فرنسا عن ما يزعم أنه “التسلل الإسلامي” في فرنسا، تقف الإمارات أيضًا خلفه، وهذا يجعل أبوظبي تقف خلف اليمين المتطرف المعادي للإسلام في أكبر دولتين تضمان مسلمين في أوروبا (إلى جوار ألمانيا)، وإذا كانت فرنسا هي الأكثر غلظة في تعاملها مع مسلميها؛ فإن بريطانيا نأت بنفسها كثيرًا عن محاكاتها في هذا السبيل، بيد أن هذا لم يعد يُعجب حكام أبوظبي!

بالعودة إلى التقرير، والذي يتحدث عن شخصية بريطانية أخرى معادية للإسلام، هو “”Tommy Robinson” الناشط اليميني المتطرف المعروف بدعواته الصريحة لإغلاق المساجد وترحيل المسلمين، والذي ظهر في دبي بدعوة رسمية في ديسمبر 2025، رغم سجله الطويل في التحريض على الإسلام”، ويُعقب التقرير على ذلك بالقول: ومن ثم “نجد أن كل ما يحدث في الغرب ليس عداء رقمي للإسلام، بل إطار منسق بدأ بتغريدة إماراتية، وتحول إلى سردية ثم إلى سياسة، وقرار يُغلق مسجدًا ويوقف تبرعات، ويُعطل مشروعات إسلامية بحجة دعمها للإرهاب؛ فهل تحولت الإمارات من فاعل إقليمي إلى مهندس للإسلاموفوبيا داخل الغرب؟” وإلى هنا انتهى التقرير، لكن عداء أبوظبي للإسلام والمسلمين لم ينتهِ؛ فهذا محض جانب واحد يتناول قضية التحريض في الغرب، أما ما تمارسه “دويلة الشر” مثلما اشتهر الآن عنها؛ فهو متعدد الألوان، منها تبني ميليشيات، وتغيير نُظم منتخبة، ورعاية انقلابات عسكرية، وفتح سجون سرية، وارتكاب جرائم متنوعة تهدف في النهاية إلى تفكيك العالم العربي، بل

الإسلامي كله. وفي سبيل ذلك، تلتقي أبوظبي في ذلك مع كل معادٍ للإسلام في الغرب، وتحرض ليس على المسلمين في الغرب وحده، وإنما تحرض الغرب على المسلمين، سواء ما بدر منها من حثها لـ”إسرائيل” (التي لا تحتاج إلى وصاية لممارسة الإجرام)، للقضاء التام على المقاومة، والاستمرار في الإبادة الجماعية، وحرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم، ثم هي تواصل الآن مساعيها من أجل أن تخترق غزة، وتنقب عن أنفاقها باسم الإعمار، وتتخذ كل وسيلة شيطانية متاحة للنيل من المسلمين، أو ما بدر منها في تفريق دول الخليج، والعبث في اليمن والسودان وسوريا وليبيا وتونس ومصر وغيرها.. إنها قد صارت كتلة من الشر تعيث يمينًا ويسارًا للإضرار بالإسلام والمسلمين، والله من ورائها محيط.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب