لِماذا نُطنِبُ في الحديثِ عن هذا التَّحريضِ، وهذه التَّحضيراتِ، وتِلك التَّشريعاتِ ضدَّ المسلمين وشعائرِهم في فرنسا، دون غيرها من بُلدانِ أوروبا؟
مُؤكَّدٌ أنَّ أمورَ المسلمين كُلَّها ذاتُ أهميَّةٍ بالِغةٍ، لا سِيَّما حين يكون الأذى مُستَهدِفًا الدِّينَ نفسَه، الَّذي هو أوَّلُ الضَّروراتِ الخَمسِ التي جاء الإسلامُ لحفظِها، غير أنَّ الحالةَ الفَرَنسيَّةَ تكتسي أهميَّةً خاصَّةً، لعدَّةِ عوامل، منها ما يتعلق بالتَّعداد والنُّموِّ الإسلاميِّ الَّذي يُعدُّ مصدر قلقٍ بحدِّ ذاته للفرنسيين
الأوَّل: أنَّها الدَّولةُ الأوروبيَّةُ الأكبرُ من حيثُ تَعدادِ المسلمين فيها، حيثُ يتراوحُ عددُ مُسلِميها ما بين 6 إلى 10 ملايين نَسَمةٍ، بِحَسَبِ تقديراتٍ مُختلفةٍ، حيثُ “يرجع هامشُ عدمِ اليقينِ هذا إلى غيابِ مصدرٍ موثوقٍ حقًّا في هذا الموضوع، وذلك منذ اختفاءِ العمودِ الدِّينيِّ في التَّعداداتِ بعد عام 1872.
فقد كان تَعدادُ عام 1872 آخرَ تَعدادٍ يتناولُ ديانةَ الفَرَنسيِّين، قبل أن تُزيلَ الجمهوريَّةُ الثَّالثةُ هذا السُّؤالَ، مُشيرةً إلى خصوصيَّةِ الموضوع.
علاوةً على ذلك، لا يخلو هذا المصدرُ من بعضِ المشاكلِ فيما يتعلَّق بالتَّعدادِ الدِّينيِّ”[1]. والحقيقةُ أنَّ هذا الاختفاءَ يُعَدُّ حالةً عامَّةً في كثيرٍ من بُلدانِ العالَمِ، ثمَّ جاءت الأممُ المتَّحدةُ لتُشدِّدَ عليه، لأسبابٍ لا تَخلو من شُبُهات.
أمَّا الإحصاءُ الأبرزُ في فرنسا فهو إحصاءُ “المعهد الوطنيِّ للإحصاءِ والدِّراساتِ الاقتصاديَّةِ والإحصاءاتِ الرَّسميَّة” الفَرَنسيِّ، الذي يُقدِّر نسبةَ مُسلِمي فرنسا بنحو 10% من تَعدادِ السُّكَّانِ، الَّذي قدَّره في يوليو الماضي بنحو 68.61 مليون نَسَمة[2]، أي ما يُقارب 7 ملايين مسلمٍ في فرنسا، غيرَ أنَّ هذا الإحصاءَ ليس دقيقًا هو الآخَر، شأنُه شأنُ إحصاءاتٍ كثيرةٍ قائمةٍ على الاستِبياناتِ، وليس على الإحصاءِ الشَّاملِ لجميعِ السُّكَّان؛ فأَخْذُ الشَّرائحِ وإسقاطُها على المجموع ليس دقيقًا، كما أنَّه عُرضةٌ للتَّزويرِ أكثرَ من غيرِه. يقولُ باتريك سيمون[3]: “تقديراتُ أعدادِ المسلمين عشوائيَّةٌ للغاية، وتتراوحُ بين 3 و10 ملايين نَسَمة، وذلك حسَبَ المصدرِ والمُبالغات، سواءٌ أكانت مُتعمَّدةً أم لا”[4]. ووَفْقًا لذلك، فالحديثُ يتردَّد ما بين 5 – 14.6% من تَعدادِ سُكَّانِ فرنسا[5]، وهذه الكُتلةُ المُسلِمةُ الكبيرةُ تُثيرُ قلقًا مُتزايدًا لدى اليمينِ المسيحيِّ في فرنسا، يزدادُ نُموًّا إذا أُضيفَت إليه عواملُ أخرى تاليةٌ.
الثَّاني: أنَّ تَعدادَ المسلمين الحاليَّ، بأيِّ تقديرٍ كان، تتضاعفُ أهميَّتُه وتأثيرُه المُثيرُ للانزعاج لدى الأوساطِ المُتطرِّفة -وهي السَّائدةُ الآن على المِزاجِ السِّياسيِّ الشَّعبَوِيِّ-إذا ما أُضيفَت إليه نِقطةٌ أخرى تُضاعِفُ من أثرِ المسلمين، وهي معدَّلاتُ الخُصوبةِ المُتزايدةِ لدى المُسلِماتِ، قِياسًا بغيرِهِنَّ من الفَرَنسيَّات.
ووَفقًا لدراسةٍ نشرها المعهدُ الوطنيُّ للدِّراسات الاقتصاديَّة (INED) عامَ 2019، واستندت إلى بياناتِ المواليد لعام 2014، بلغ متوسِّطُ إنجابِ المُهاجِراتِ الجزائريَّات في فرنسا 3.69 طفلًا لكلِّ امرأةٍ (في حين كان المعدَّلُ في الجزائر نفسِها 3 أطفالٍ فقط).
ولوحِظَ الفارقُ نفسُه بين المُهاجِرات التُّونُسيَّاتِ والمغربيَّاتِ والتُّركيَّاتِ، حيثُ تراوَح معدَّلُ خُصوبتِهِنَّ بين 3.12 و3.5 طفلٍ لكلِّ امرأةٍ، بينما تراوَح معدَّلُ الخُصوبةِ في بُلدانِهِنَّ الأصليَّة بين 2.1 و2.4 طفل.
أمَّا النِّساءُ المولوداتُ في فرنسا فقد أنجبْنَ 1.66 طفل -في المتوسطِ-في نفس التَّاريخ، أي نصفَ العددِ تقريبًا.[6]
هذا المعدَّلُ قد أدَّى إلى زيادةٍ هائلةٍ في أعدادِ المولودين من المسلمين قِياسًا بغيرِهم.
وقد حلَّل جيروم فُوركيه[7]، في كتابه “الأرخبيل الفرنسي: ميلادُ أمَّةٍ مُتعدِّدةٍ ومُنقسِمةٍ”، ديناميكيَّةَ السُّكَّانِ المسلمين من خلال ديناميكيَّةِ خُصوبتِهم، المقاسَةِ بأسمائِهم الأولى، ثمَّ حدَّث في كتابه الجديد “التحوُّلات الفرنسيَّة: واقع فرنسا في الرُّسومِ البيانيَّة والصُّور”[8] نسبةَ الأسماءِ الإسلاميَّةِ الأولى بين المواليدِ الجُدُدِ من الذُّكور في فرنسا، والتي يُقدِّرُها الآن بنحو 21.1% لعام 2021.[9]
هذا كُلُّه قد يجعل أعدادَ المسلمين تزدادُ بوتيرةٍ مُتسارِعة، تُؤدِّي إلى تغييرٍ ديموغرافيٍّ ملموسٍ في عُقودٍ قليلةٍ، فإذا زادتِ المعدَّلاتُ هكذا؛ فقد تَصحُو فرنسا يومًا ونِسبةُ مُسلِميها الرُّبُعُ أو الثُّلُثُ، خصوصًا أنَّ “عددَ الوَفَيَاتِ أصبحَ أكثرَ من المواليدِ في فرنسا، لأوَّلِ مرَّةٍ منذ عام 1945، في العام ما بين مايو 2024 – مايو 2025، وذلك وَفقًا لأرقام المعهد الوطنيِّ للإحصاء والدِّراسات الاقتصاديَّة، وهذه هي المرَّة الأولى منذ الحرب العالميَّة الثَّانية”[10]. وهذا يعني توقُّعَ بَدءِ نُقصانِ تَعدادِ الفَرَنسيِّين (غيرِ المسلمين)، وزيادةِ أعدادِ المسلمين خلال الأعوامِ القادمةِ.
[5] تُعلِّقُ وكالةُ الأنباءِ الفرنسيَّة (الواقع) على أنَّ “عدَّةَ مواقعَ إلكترونيَّةٍ يمينيَّةٍ مُتطرِّفةٍ مؤخرًا، وكذلك الوزيرَ السَّابقَ “عزوز بجَّاج” قبل بضعِ سنوات، قدَّرت عددَ المسلمين في فرنسا بخمسةَ عشرَ أو حتَّى عشرين مليونًا”، بالقول: “وهذا غيرُ صحيح؛ فوَفْقًا لدراساتٍ حديثةٍ حول هذا الموضوع، يتراوحُ هذا الرَّقمُ بين خمسة وستَّةِ ملايين”. وكالةُ الأنباء الفرنسيَّة (الواقع) – 17 / 5 / 2018.
[6] لوكاس دروهوت (جامعة أوتريخت)، باتريك سيمون (Ined et ICM)، فنسنت تيبيرج (Sciences Po Bordeaux)، الإسلام والهجرة في فرنسا: ما هي التفاعلات، مرصد الهجرة والديموغرافيا.