الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، القَائِلِ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:
﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ رِجَالࣱ صَدَقُوا۟ مَا عَـٰهَدُوا۟ ٱللَّهَ عَلَیۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن یَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُوا۟ تَبۡدِیلࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٣]
والصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ القَائِلِ:
«لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لِعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: «بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ» رواه أحمد والطبراني.
أَمَّا بَعْدُ:
فَبِقُلُوبٍ مُؤْمِنَةٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، تَتَقَدَّمُ رَابِطَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَحَرِّ التَّعَازِي وَالْمُوَاسَاةِ لِأَهْلِنَا الصَّامِدِينَ فِي غَزَّةَ، وَلِشَعْبِ فِلَسْطِين الأَبِيِّ، وَلِلْأُمَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ جَمْعَاءَ، فِي اسْتِشْهَادِ كَوْكَبَةٍ مِنْ قَادَةِ الْجِهَادِ فِي غَزَّةَ الأَبِيَّةِ، وَمِنْ بَيْنِهِمُ الْمُجَاهِدُ الْبَطَلُ، النَّاطِقُ الْعَسْكَرِيُّ بِاسْمِ كَتَائِبِ الشَّهِيدِ عِزِّ الدِّينِ القَسَّامِ، أَبُو عُبَيْدَةَ، الَّذِي كَانَ لِسَانَ الْحَقِّ وَقَلَمَ الْحَقِّ الْمُدَافِعَ عَنِ الأَرْضِ وَالْعِرْضِ.
لَقَدْ كَانَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- صَوْتَ الْحَقِّ الْمُدَوِّي، وَالْكَلِمَةَ الصَّادِقَةَ الَّتِي كَانَتْ تُزَلْزِلُ أَرْكَانَ الْمُحْتَلِّ، وَتُدْخِلُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَعْدَاءِ الْأُمَّةِ، وَيُذَكِّرُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ قَضِيَّتَهَا حَيَّةٌ، وَأَنَّ مُقَاوَمَتَهَا قَائِمَةٌ، وَأَنَّ النَّصْرَ آتٍ بِإِذْنِ اللَّهِ.
يَا أَهَالِي غَزَّةَ، يَا صَبْرَ الْأُمَّةِ وَجِدَارَهَا الصَّامِدَ:
عَزَاؤُنَا أَنَّ أَبْنَاءَكُمْ هُمْ زَهْرَةُ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهُمْ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ بِأَرْوَاحِهِمْ أَغْلَى سِفْرٍ فِي التَّارِيخِ. فَقَدْنَا صَوْتًا، وَلَكِنْ بَقِيَتْ إِرَادَةٌ، وَارْتَفَعَ عَلَمٌ، وَارْتَقَى مُجَاهِدٌ:
﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ أَمۡوَ ٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡیَاۤءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
وَإِنَّ هَذِهِ الْمُصِيبَةَ لَتُذَكِّرُنَا بِمَسْؤُولِيَّتِنَا الْجَسِيمَةِ تُجَاهَ إِخْوَانِنَا الْمُجَاهِدِينَ وَالْمُحَاصَرِينَ فِي غَزَّةَ، الَّذِينَ لَا يُوَاجِهُونَ الْقَتْلَ بِالصَّوَارِيخِ فَحَسْبُ، بَلْ يُوَاجِهُونَ أَيْضًا مَوْتًا بَطِيئًا مِنَ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْبَرْدِ الْقَارِسِ، وَتَشْرِيدًا تَحْتَ الأَمْطَارِ الَّتِي تَفْتِكُ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ فِي الْخِيَامِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
أَمَا آنَ الأَوَانُ بَعْدُ لِتَتَحَوَّلَ مَشَاعِرُ الْحُزْنِ وَالْغَضَبِ إِلَى فِعْلٍ عَمَلِيٍّ مَلْمُوسٍ؟
أَلَمْ يَحِنِ الْوَقْتُ لِتَكُونَ ذِكْرَى كُلِّ شَهِيدٍ، وَصَرْخَةُ كُلِّ جَرِيحٍ، وَدَمْعَةُ كُلِّ يَتِيمٍ، جَرَسَ إِنْذَارٍ فِي ضَمِيرِ الْأُمَّةِ، يَحُثُّ الْخُطَى، وَيَفْتَحُ الأَيْدِي، وَيُحَرِّكُ السَّوَاعِدَ؟
إِنَّ إِخْوَانَكُمُ الْمُسْلِمِينَ هُنَاكَ.. فِي الْخِيَامِ الْمُمَزَّقَةِ، تَحْتَ الأَمْطَارِ الْغَزِيرَةِ، بِلَا غِذَاءٍ يَكْفِي، وَلَا دَوَاءٍ يَشْفِي، وَلَا غِطَاءٍ يُدْفِئُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]
وَرَسُولُنَا ﷺ يَقُولُ:
«مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ: إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [رواه البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَمُرَّ هَذِهِ الْمِحْنَةُ دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ الْجَسَدُ الْإِسْلَامِيُّ كُلُّهُ لِنَجْدَةِ إِخْوَتِهِ الْمَنْكُوبِينَ، بِالدَّعْمِ الْمَادِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ، وَالدُّعَاءِ الْمُسْتَمِرِّ، وَالضَّغْطِ عَلَى كُلِّ الْمُسْتَوَيَاتِ.
إِنَّ دِمَاءَ الشُّهَدَاءِ وَأَصْوَاتَ الْمَنْكُوبِينَ تَذْكِيرٌ حَيٌّ بِأَنَّ الْقَضِيَّةَ حَيَّةٌ، وَأَنَّ النَّصْرَ قَادِمٌ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَنَّ مَسْؤُولِيَّتَنَا أَكْبَرُ مِنْ أَنْ نَكْتَفِيَ بِالْأَسَى.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ أَبَا عُبَيْدَةَ وَرِفَاقَهُ فِي الشُّهَدَاءِ، وَأَلْحِقْهُمْ بِالنَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ، وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا.
اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُجَاهِدِينَ فِي فِلَسْطِين، وَارْزُقْهُمُ الثَّبَاتَ وَالنَّصْرَ الْمُبِينَ.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ كُرْبَتَهُمْ، وَاشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَارْحَمْ شُهَدَاءَهُمْ، وَاهْزِمْ أَعْدَاءَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ أَهْلَ غَزَّةَ، وَارْزُقْهُمُ الدِّفْءَ وَالطَّعَامَ، وَكُنْ لَهُمْ فِي مِحْنَتِهِمْ مُؤْنِسًا، وَفِي شِدَّتِهِمْ مُعِينًا.
اللَّهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُهُمْ، وَلَا إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرَهُمْ، وَارْزُقْنَا الْإِخْلَاصَ فِي نُصْرَتِهِمْ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ خَيْرِ الْأَنَامِ.
الْهَيْئَةُ الْعُلْيَا لِرَابِطَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
٩ رَجَبٍ ١٤٤٧هـ
٢٩ دِيسَمْبَر ٢٠٢٥م