إن للفكر أهمية قصوى في حياة الشعوب؛ لأنه يتيح للإنسان إعمال إمكاناته العقلية والإدراكية في المحصول الثقافي والعلمي المتوفر لديه بغية إيجاد بدائل أو حل مشكلات أو كشف للعلاقات والنسب بين الأشياء، وتوسيع مجال الرؤية لآفاق المستقبل.
على أن طبيعة الاشتغال بالقضايا الكبرى تزهد المفكرين في الاهتمام بالمسائل الجزئية، حيث يرون أنها ذات علاقة بأصحاب التخصصات ومندرجة في أنظمة أشمل تتحكم فيها.
ونحن في هذا العصر بحاجة إلى مفكرين فقهاء يفهمون هذا الدين فهما عميقا، ويعرفون سنن التغيير ويشخصون بدقة أمراضنا الاجتماعية، ويعرفون واقعنا وواقع غيرنا تمام المعرفة. وعندما انفصلت السياسة عن الفكر في بلاد المسلمين أصيبت في مقتل. بينما نجد أن السر في قوة الدول الغربية هو تكامل الفكر والسياسة، واعتماد رجال التخطيط والتنفيذ في دوائر صنع القرار السياسي على ما يقدمه رجال الفكر العاملون في مراكز البحوث والدراسات، خلال اللقاءات الدورية التي تجمع بين الفريقين لمناقشة وتقويم القضايا الداخلية والخارجية.
وفي الغرب نرى تشجيع صناعة الفكر، لأن لديهم بنوك للأفكار؛ فالذي يقدم فكرة جديدة تخزّن حتى تأخذ طريقها للتنفيذ، بينما في بلداننا الإسلامية لم نمارس هذه الصناعة إلى الآن.
إن سلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا ترجمة عملية لما يؤمنون به من أفكار. ولهذا نجد أن المجتمعات تتقدم أو تتخلف تبعا لنوعية الأفكار التي يعتنقها أفرادها.
فالمجتمعات التي تدور في فلك الأفكار الصحيحة تتفوق على تلك التي تدور في فلك الأفكار الخاطئة، كما كانت حال الأمة المسلمة الأولى في صدر الإسلام وتفوقها على مجتمعات الرومان والفرس وغيرها. ذلك لأن ديننا مصدر ضخم لتغيير الأفكار؛ فقد كان الإنسان العربي في الجاهلية يعبد الصنم من الحجر، فجاء الإسلام فغيّر هذه الفكرة الخاطئة لديه، وجعله إنسانا آخر يحمل الفأس ليكسر ذلك الصنم.
وهكذا، فإن للأفكار قيمة كبيرة عملية كأداة من أدوات الصراع بين الحق والباطل. وما سلوك الإنسان وتصرفاته إلا نتيجة لأفكاره؛ فإذا تغيرت أفكاره بجهده هو أو عن طريق جهد غيره، فإن سلوكه يتغير. وهذا التغيير قد يصل إلى النقيض كما حدث للعرب بين الجاهلية والإسلام.
ولأن الأفكار بهذا القدر من الأهمية، فقد تقرر في دوائر صنع القرار في الغرب تخريب الفكر الإسلامي ورصيد الأفكار الفعالة فيه، والتي تحاول دفع الأمة إلى النهضة والتنمية للقضاء عليها في مهدها أو احتوائها، لتبقى الجماهير المسلمة تجتمع على أساس العاطفة بدل الفكرة والمبدأ، فيتحول المسلمون عن مشقة البناء إلى سهولة الشعارات والهُتافات.
ولمواجهة خطط الأعداء، فنحن مطالبون دائما بالتفكير كما جاء في القرآن الكريم: ]وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون[ [النحل:44].
تعتبر الجماعات والحركات السلفية من أهم الجماعات والحركات الإصلاحية في عالم اليوم. ولكن من هذه الجماعات والحركات من لا يهتم بالقضايا المطروحة في الساحة الدعوية مثل: المواطنة، والديمقراطية، ومنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، والمرأة، والأقليات، وفقه التسيير وغيرها من القضايا التي تؤرق المفكرين والمصلحين.
ومن نافل القول أن بعض الجماعات السلفية لاتزال محصورة بطرق التفكير التاريخي الموروث الذي يتحكم فيه هاجس الخوف من الفتنة، وطاعة ولي الأمر طاعة عمياء، والتشاؤم اتجاه جهود الإصلاح التي تروم التغيير والبناء والتطوير.
وهذه الجماعات تعاني من مساوئ منهجية في خلفيتها الفكرية وبرامجها العملية، ولذلك ينبغي نقدها نقدا بناء وتوجيه النصيحة إليها لمراجعة الأخطاء وتصحيح المسار، لإخراج الفكر السلفي من الطوق الذي وضع فيه نفسه، حتى يكون له أثر إيجابي كبير في العمل الدعوي، ومد الساحة الإسلامية بدماء جديدة وحيوية متجددة، لتحرير طاقات التدين لدى أتباع الدعوى السلفية ووضعها في موضعها الصحيح من معركة الجهاد الفكري الحالية، بذلا من أن تظل تجاهد في غير عدو، ويظل المنافقون وأعداء التمكين للإسلام يوجهونها بغير وعي منها، ويحفرون الخنادق والمسارب لتصريفها حيث ما شاؤوا، فتضيع بذلك الجهود والأعمال، والله المستعان.
وفي إطار هذه الرؤية النقدية سأتحدث عن بعض المآخذ والسلبيات التي يعاني منها الخطاب الفكري السلفي المعاصر:
1- الاستغراق في قياسات جزئية لا تلبي حاجات الإسلام في العصر الحاضر.
إذ تحوّل مفهوم السلفية عند البعض في هذا العصر من منهج سليم في المعتقد، مبني على التسليم والتفويض وعدم التكلف إلى البحث والتنقيب في حياة السلف وأقوال العلماء الأقدمين عن مرجع لأي أمر جديد، والاستغراق في قياسات جزئية لا تلبي حاجات المسلمين المعاصرة، وتقيد حرية الفكر والعمل، ولا تجيب على الأسئلة الفكرية الكبيرة والخطيرة التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم، والنظر بالريبة إلى كل اجتهاد جديد لا يجدون له مستندا أو سابقة في حياة السلف.
وهذه الرؤية المحدودة الضيقة أصبحت غير مجدية في عصرنا الحالي، نظرا للتغيرات العميقة في مسار الحياة وبنية المجتمعات، مما جعل الاعتراف بأن النصوص متناهية والحوادث غير متناهية – كما يقول الأصوليون – أمر لا محيد عنه. ومن ثم يجب الاجتهاد الفكري لإيجاد الحلول لهذه القضايا والمشكلات وفق قواعد وضوابط الشريعة.
2- الخوض في مسائل جزئية تمزق لُحْمَة المجتمع الإسلامي
لقد تحولت بعض الجماعات السلفية المعاصرة إلى ما يشبه المدرسة الكلامية التي تطنب في الحدث عن دقائق العقائد دون داع شرعي، والتوسع في الحديث عن المسائل الفرعية في الفقه والخلافات المترتبة عليها. وهذا لا ينسجم مع منهج السلف القائم على عدم التكلف، وتجنب الخوض في تلك المباحث إلا لضرورة، والتركيز على العمل الصالح. وقد كان جديرا بهؤلاء السلفيين أن يأخذوا العبرة من المعارك الفكرية التي مزقت لحمة المجتمع الإسلامي خلال القرون الماضية، وأهدرت كثيرا من طاقاته الفكرية والعملية في الجدل حول أمور لا جدوى من الخوض فيها. إنها خسارة كبرى أن نفني أعمارنا في معارك جانبية يهدر فيها كثير من الوقت والمداد، ولا ننتبه إلى المتاهة التي وضعنا فيها أنفسنا ونسينا أننا سنسأل أمام الله رب العالمين عن الأعمار والأوقات.
فلا حل لذلك سوى الرجوع إلى منهج البساطة النبوي، والبعد عن التكلف، والاكتفاء من العقائد بالجمل، ونتوجه إلى التفكير المجدي الذي يعود بالنفع على الأمة، ونركز على العمل الصالح المثمر، ونستغرق في الجهاد على كافة الصعد لنصر الدين والتمكين له.
3- خلط بعض السلفيين ضمنا بين المبادئ والأشخاص في المرجعية
وقد أدى هذا الموقف إلى داء التجسيد؛ أي تجسيد المبادئ في الأشخاص. والسبب في هذا المنحى عدم دراسة حياة السلف دراسة استقصائية تلم بكل جوانبها الإيجابية والسلبية، ولا تقف عن سرد المناقب فقط. فعلماء السلف مهما كانوا عظماء فهم غير معصومين.
والذي يتأمل نصوص الشرع وتواريخ الأمم يدرك أن الخلط بين المبادئ والأشخاص أو بين المبادئ والوسائل من أسوء الأدواء الفكرية والعملية. فقد أمرنا النبي r باتباع سنته بإطلاق؛ لأنه معصوم مسدد بالوحي فقال: “عليكم بسنتي“، ثم أمر باتباع سنة الخلفاء من بعده، لكنه قيدها بالرشد، فقال عليه الصلاة والسلام: “وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي“. وفي هذا درس ثمين في التمييز بين الشخص والمبدأ، لندور مع الحق حيث دار.
4- انفصال الفكر السلفي عن فقه الواقع
وقد أدى هذا الأمر على أن بعض أنظمة النفاق لبّست على دعاة السلفية في بعض البلدان الإسلامية، مما عمق تهميش الدين في الحياة العامة، وسهل توظيف حملة العلم الشرعي توظيفا سياسيا لا يخدم الدين، ولا يخدم مركزية الشريعة في توجيه كل شؤون الحياة، والهيمنة على مقررات ومفاصل الدولة. إذن فالمطلوب تحرير الخطاب السلفي من عباءة الأنظمة التي تجعل الشريعة خادمة للسلطة، على العكس المفترض وهو خدمة السلطة للشريعة. ولأجل ذلك لابد لبعض السلفيين من دراسة الواقع وفقهه لاستيعاب مقتضيات الدين وتنزيله على الواقع في العصر الحاضر، بدلا من الازدواجية في الخطاب والمواقف التي تجعل الناس يسخرون منهم.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية زهد أغلب السلفيين في الثقافة المعاصرة، متشبثين بالموقف التقليدي المتوجس من الغزو الفكري والثقافي، مما جعلهم بعيدين عن مقتضيات الدين في الواقع المعاصر، فركزوا جهودهم على محاربة بدع الماضي وانحرافاته، ولم يهتموا بالعلوم الإنسانية والمنهجية، مما أدى إلى تخلفهم عن المستوى الفكري والمنهجي السائد في حضارة العصر.
إن ما يحتاجه دعاة السلفية اليوم هو التسلح بأدوات العصر، والنهل من العلوم الإنسانية والمنهجية التي تجدد للفكر الإسلامي شبابه، حرصا على امتلاك المعرفة التي تمكن من تفجير الطاقات المبدعة الكامنة في مجتمعاتنا الإسلامية.
5- الخطاب الحماسي العاطفي
يغلب على بعض الجماعات السلفية هذا النوع من الخطاب، وهو خطاب كان ضروريا في بدايات الدعوة في عقود الستينات والسبعينات من القرن الماضي، لإحياء الوجدان الصادر عن العقيدة. وكان تجديد الارتباط بالعقيدة في القلوب هو المدخل لمواجهة ما سيطر في الساحة من خطاب علماني إقصائي يلغي ما له علاقة بالعقيدة والشريعة.
ولكن مع وجود تيار شعبي كبير الآن غلبت عليه ظاهرة التدين، فلم يعد هذا التيار العريض في حاجة إلى جرعة الحماس على صعيد العقيدة والقيم، بقدر ما يحتاج إلى القيادات الفكرية والمبادرات العملية التي تمكنه من ترجمة حماسه إلى برامج عملية واضحة المخططات والأهداف، وبوسائل عصرية مكافئة مناسبة لتجاوز العقبات الكأداء القائمة في طريق الدعوة.
إن الانفتاح في العقلية الفكرية السلفية أمر حتمي لتجاوز مرحلة الرواسب القديمة والأشكال التقليدية الباقية، للوصول إلى إنجازات واقعية تتناسب ومتطلبات المرحلة الراهنة على كل صعيد، وتوفير الشروط الموضوعية لمواصلة عملية التطوير في المراحل القادمة.
ولأجل ذلك لابد من إعطاء الأولوية في نشاطات العمل السلفي وفعالياته لميادين البناء والتطوير على مختلف الأصعدة الفكرية والعلمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. فصناعة الإنسان في البلدان الإسلامية هي الأساس لصناعة المجتمع، وبناء المجتمع هو الطريق للتحرر والوحدة والنهضة، بغض النظر عن صنع ذلك من خلال السلطة أو خارج نطاقها، لكن شريطة التشبث بالشريعة وقيم الإسلام والثبات على المبدأ.
7- خُدعة الصدام المتعجل
بعض السلفيين – مع الأسف – لم يتدبروا هذه الآية الكريمة )وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين( [الأنعام: 55].
ذلك أن أوكار الصليبية والصهيونية في العالم ومن آزرهم من المنافقين والمرتدين دأبوا على استدراج بعض الجماعات السلفية للمواجهة المسلحة. وقد وقع هؤلاء في الفخ المعد لهم، وأعلنوا الجهاد قبل الإعداد ووجود القاعدة الإسلامية العريضة الواعية. وعلى إثر هذا الصدام يقوم الأعداء بضرب العمل الإسلامي ضربا مؤلما لسد منافذ الدعوة والتضييق عليها.
وهذا الاندفاع مظهر من مظاهر الضعف وليس القوة، والشرع والعقل يفرضان على الدعوة السلفية في مثل هذه الظروف تفويت الفرصة على العدو حتى لا يحطم الحركة، وعدم فسح المجال أمامه ليجرنا إلى مواقف محسوبة عنده ولمصلحته وإلى معارك لم نعد لها العدة اللازمة. فسنة الله تعالى تقتضي التدرج والصبر والإعداد الطويل والقصد السليم. أما استعجال الثمرة والرغبة في اختصار الوقت وحرق المراحل، فإنه يجهض العملية الدعوية من أساسها ويقضي عليها.
8- ضمور الوعي بسنن الله في الآفاق والأنفس
من المعلوم أن ما يجري في الكون يتعلق بأفعال الله تعالى وسننه التي هي قوانينه في تدبير الكائنات. وهي مستخلصة من سلوك الظواهر نفسها المتسمة بالاطراد والثبات والشمول والصرامة، سواء عرفناها عن طريق الوحي: “سنن اجتماعية” و”سنن تاريخية”، أو عن طريق العقل والتجربة: “سنن طبيعية”.
ولكن علم السنن ليس له في الساحة السلفية أثر عملي رغم أنه ضروري لاختزال زمن التغيير في الأمة إلى أدنى حد ممكن. ولذلك تشتد حاجة الدعوة السلفية إلى أبراز هذه السنن وتجليتها للأمة، وتضمينها الخطاب الدعوي والفكري الموجه إليها، وتربية الناشئة على التفكير السنني، ليحل محل الأوهام والخرافات التي عششت في أذهان كثير منهم. فكل ظاهرة اجتماعية لها قانون أو سنة تتحكم فيها. فإذا أردنا توظيف هذه السنة توظيفا صحيحا لابد من توفير شروطها وتلافي موانعها للوصول إلى النتائج المرجوة منها.
علما بأن القرآن الكريم اختص المجتمع المسلم بشيء كثير من السنن الاجتماعية والتاريخية التي تحدث عنها حديثا يصف الأمراض الاجتماعية التي تقعد عن النهوض، ويصف الدواء الناجع الذي ينهض بالمجتمع إذا وفق لتعاطيه.
ومن الأهمية بمكان معرفة أن التعامل مع سنن الله تعالى على أساس الإدراك والتحكم أمر يشمل المؤمنين والكافرين؛ فالنتائج التي قد يتطلع إليها على وجه الأرض أكثر المؤمنين إيمانا وأشدهم ورعا وتقوى سوف يجنيها أكثر الكافرين كفرا وأشدهم عتوا وفجورا إذا وافق المقدمات الصحيحة المؤدية إليها، وربط الأسباب بمسبباتها، بينما ينتظرها المسلم المعاصر ارتكازا على إيمانه وحده، دون أن يطلبها من مقدماتها التي جعلها الله عز وجل طريقا إليها، فأنا يستجاب له!!([1]).
والنظر إلى الموضوع بهذه الكيفية يبين خطورة أن يبقى في المجتمع المسلم أعداد – مهما كانوا قلة – لا يتمتعون بالوعي التام بالسنن الاجتماعية والتاريخية.
علما بأن إدراك ضرر وجود غير الواعين في الأمة يولّد لدى العقل المجتمعي – وهم مفكرو الأمة ودعاتها – شعورا بالخطر أن يكون المركب الذي يبحر المجتمع عليه يحتوي على نماذج لا تعرف سنة طفو الأجسام على الماء، فيسعون بحسن نية أو بسوء نية لخرق السفينة كما ورد في الحديث الشريف.
وهكذا، علينا أن ندرك أن التوازن الدقيق في وعي المجتمع يتأثر كما يتأثر توازن المركب؛ إذ للمجتمع قانون يترابط به ليحميه من الغرق. ومعرفة هذا القانون هو مهمة عقل المجتمع (المفكرون والدعاة) والضمير الاجتماعي العام الذي يعتبر كل فرد مسؤولا عنه. وتتعاظم المسؤولية على قدر ما يتوفر للمرء من فرص تحصيل ذلك وتنفيذه.
وكمثال سأذكر سنة واحدة وهي سنة التغيير المتمثلة في قوله تعالى: ]إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم[ [الرعد: 11]. فلهذه السنة شروط ينبغي توفيرها وموانع ينبغي تلافيها ليحدث التغيير المطلوب.
فمن شروط التغيير: بناء العقيدة الصحيحة، تكوين النواة الصلبة المؤثرة، دور وأهمية الزمان في التغيير، فهم الواقع.
أما موانع التغيير فهي: الانحراف في فهم العقيدة، الانفرادية، ضعف الفعالية، قلة الاكتراث بالوقت، نمطية التفكير([2]).
وجدير بالإشارة أنه لا يمكننا تصور أي تقدم أو نهضة حقيقية في أمتنا إلا بوجود وعي عام بالسنن، وهذه المهمة الضخمة ملقاة على كاهل الدعاة، ليصل مفهوم هذه السنن إلى جميع الفئات الاجتماعية المكونة للأمة في صورة يقينيات بدهية وقواعد عامة، ولو أخذت صور عبارات مختصرة تحمل معاني مكثفة، لكي يعي كل شخص دوره في التغيير، بحيث لا يعيق تصرف منه جهود بقية المجتمع، لتستثمر وتحشد كل الطاقات والفعاليات في اتجاه التغيير نحو الأحسن.
خاتمة
إن ظروف العصر ومتطلباته تحتاج إلى عمل فكري ودعوي تجديدي شامل يأخذ بالحسبان كل العوامل والوسائل التي تمكن العمل الإسلامي لينتقل من طور الدعوة إلى طور الدولة.
على أن هناك عوائق حقيقية في وجه الدعوة تحول دون الوصول إلى الهدف المنشود، وتعود في مجملها إلى: ضيق الأفق، والحزبية، واتباع الهوى، والاستغراق في الجزئيات، والخلط بين المناهج والأشخاص، وعدم فقه الواقع، ومواجهة الأعداء قبل الإعداد.
فالمطلوب إذن هو ترشيد فكري وعملي لتلك الجماعات التي تتبنى هذه الرؤى والأفكار، بحيث يتضح أمامها حقيقة الواقع بكافة أبعاده التي ذكرتها، فتقوم بمراجعة وتقويم لأفكارها ومواقفها ورؤيتها للتاريخ والشرع والواقع حتى يتسنى لها المساهمة والمشاركة في إنجاح مسيرة العمل الإسلامي، والله تعالى ولي التوفيق.