الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُظْهِرُ الْحَقَّ وَيَزْهَقُ الْبَاطِلَ، وَيَكْشِفُ سِتْرَ الْمُفْسِدِينَ، وَيُرِي عِبَادَهُ سُوءَ عَاقِبَةِ الظَّالِمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، سَيِّدَنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ..
فَقَدْ تَابَعَتْ رَابِطَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَا تَكَشَّفَ لِلْعَالَمِ مِنْ تَفَاصِيلَ قَضِيَّةِ جِيفْرِي إِبْسْتِينَ، وَمَا ارْتَبَطَ بِهَا مِنْ شَبَكَاتِ نُفُوذٍ وَاسْتِغْلَالٍ بَشِعٍ لِلْأَطْفَالِ وَالنِّسَاءِ، وَتُورُّطِ شَخْصِيَّاتٍ سِيَاسِيَّةٍ وَاقْتِصَادِيَّةٍ وَإِعْلَامِيَّةٍ نَافِذَةٍ فِي الْغَرْبِ. وَإِنَّ هَذِهِ الْفَضِيحَةَ، عَلَى فَدَاحَتِهَا، لَيْسَتْ حَادِثَةً مُعْزَوْلَةً، بَلْ نَافِذَةً تَكْشِفُ جَانِبًا مُظْلِمًا مِنَ الْحَضَارَةِ الْمَادِّيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ الَّتِي حَوَّلَتِ الْإِنْسَانَ إِلَى سِلْعَةٍ، وَالْمَرْأَةَ إِلَى جَسَدٍ، وَالطِّفْلَ إِلَى مَوْرِدٍ لِلِاسْتِغْلَالِ، بَعْدَ أَنْ انْفَصَلَتْ عَنِ الْقِيَمِ الرُّوحِيَّةِ وَالضَّوَابِطِ الْأَخْلَاقِيَّةِ.
لَقَدْ كَشَفَتْ هَذِهِ الْجَرِيمَةُ الْمُنَظَّمَةُ عَنِ الْوَجْهِ الْقَبِيحِ لِتِلْكَ الْحَضَارَةِ فِي أُمُورٍ:
أَوَّلًا: تَقْدِيسُ الْمَالِ وَاللَّذَّةِ وَالشَّهْوَةِ إِلَى حَدِّ تَحْوِيلِ الْإِنْسَانِ إِلَى سِلْعَةٍ رَخِيصَةٍ تُنْتَهَكُ كَرَامَتُهُ بِأَبْشَعِ الصُّوَرِ. لَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ مَا يُسَمَّى بِـ”الْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ” وَ”التَّحَرُّرِ” فِي هَذِهِ الْحَضَارَةِ قَدِ انْقَلَبَ فِي دَهَالِيزِ النُّخَبِ الْحَاكِمَةِ وَالْمَالِكَةِ إِلَى وَحْشِيَّةٍ تَتَفَنَّنُ فِي انْتِهَاكِ حُقُوقِ الضُّعَفَاءِ، وَلَا سِيَّمَا النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، بِلَا رَادِعٍ دِينِيٍّ أَوْ أَخْلَاقِيٍّ.
ثَانِيًا: إِنَّ مَا ظَهَرَ مِنْ شَبَكَاتٍ مُنَظَّمَةٍ تَسْتَدْرِجُ الْقَاصِرِينَ وَتَسْتَغِلُّ الضُّعَفَاءَ، وَمَا ارْتُكِبَ مِنْ جَرَائِمَ اسْتِغْلَالٍ جِنْسِيٍّ مُمَنْهَجٍ فِي جَزِيرَةٍ خَاصَّةٍ تَحَوَّلَتْ إِلَى رَمْزٍ لِلرَّذِيلَةِ وَالْفَسَادِ تَحْتَ سَمْعِ الْأَنْظِمَةِ الْقَانُونِيَّةِ وَبَصَرِهَا، يَعْكِسُ خَلَلًا عَمِيقًا فِي مَنْظُومَةِ الْقِيَمِ الَّتِي تَحْكُمُ الْمُجْتَمَعَاتِ الْغَرْبِيَّةِ الْحَدِيثَةِ. وَهُوَ دَلِيلٌ سَاطِعٌ عَلَى أَنَّ التَّقَدُّمَ التِّقْنِيَّ وَالثَّرَاءَ الْمَادِّيَّ لَا يَشُكِّلَانِ حَضَارَةً إِنْسَانِيَّةً، مَا لَمْ يُرْسَيَا عَلَى أَسَاسٍ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ كَرَامَةُ الْإِنْسَانِ، وَحُرْمَةُ الْجَسَدِ، وَحُقُوقُ الطِّفْلِ وَالْمَرْأَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 109].
ثَالِثًا: انْكِشَافُ الدَّوْرِ الْخَطِيرِ لِشَبَكَاتِ إِبْسْتِينَ وَشُرَكَائِهِ الْمُرْتَبِطَةِ بِاللُّوبِي الصِّهْيَوْنِيِّ الْعَالَمِيِّ، وَالَّتِي اسْتَغَلَّتْ تِلْكَ الْمُمَارَسَاتِ الشَّنِيعَةَ لِابْتِزَازِ أَصْحَابِ الْقَرَارِ، وَتَحْوِيلِهِمْ إِلَى أَدَوَاتٍ طَيِّعَةٍ فِي يَدِ قُوَى الشَّرِّ السَّاعِيَةِ لِلْهَيْمَنَةِ عَلَى مَقَدِّرَاتِ الشُّعُوبِ وَتَوْجِيهِ سِيَاسَاتِ الدُّوَلِ بِمَا يَخْدُمُ الْمَشْرُوعَ الصِّهْيَوْنِيَّ وَأَجَنْدَاتِهِ التَّوَسُّعِيَّةِ.
وَتَأْسِيسًا عَلَى ذَلِكَ، تُؤَكِّدُ رَابِطَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: اعْتِبَارًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فَإِنَّ الْفَسَادَ حِينَ يَعُمُّ فِي الْمَعَايِشِ وَالْأَنْفُسِ، وَيَظْهَرُ فِي صُوَرِ الِانْحِرَافِ وَالِاسْتِغْلَالِ وَخَرَابِ الْأَخْلَاقِ وَبَيْعِ الضَّمَائِرِ وَالتَّسَتُّرِ عَلَى الْمُجْرِمِينَ، فَإِنَّمَا هُوَ نَتِيجَةُ أَعْمَالِ النَّاسِ، لِيُذِيقَهُمُ اللَّهُ بَعْضَ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَمَا أَعْظَمَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فَالْغَايَةُ لَيْسَتِ الْفَضِيحَةَ وَلَا التَّشْهِيرَ، بَلِ الرُّجُوعَ إِلَى اللَّهِ، وَإِصْلَاحَ النُّفُوسِ، وَحِمَايَةَ الضُّعَفَاءِ، وَإِقَامَةَ الْعَدْلِ، وَإِحْيَاءَ الضَّمِيرِ. إِنَّ اللَّهَ يَكْشِفُ الْفَسَادَ لِيُوقِظَ الْغَافِلِينَ وَيَهْدِيَ التَّائِهِينَ، فَلَا نَكُونَ مِمَّنْ يَرَوْنَ الْعِبَرَ وَلَا يَعْتَبِرُونَ.
ثَانِيًا: الْفَضِيحَةُ تَكْشِفُ التَّنَاقُضَ الصَّارِخَ بَيْنَ الْخِطَابِ الْأَخْلَاقِيِّ الْغَرْبِيِّ حَوْلَ حُقُوقِ الْإِنْسَانِ وَمُمَارَسَاتِهِ الْفِعْلِيَّةِ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ الِاهْتِمَامُ بِالطِّفْلِ وَالْمَرْأَةِ إِلَى شِعَارَاتٍ تُرَوِّجُ لِلتَّدَخُّلِ فِي شُؤُونِ الدُّوَلِ بَيْنَمَا تُغْضُّ الطَّرْفَ عَنِ الِانْتِهَاكَاتِ الْفِعْلِيَّةِ فِي دَوَائِرِ النُّخَبِ، لِتَظْهَرَ الْقَضِيَّةُ كَيْفَ تُسْتَخْدَمُ حُقُوقُ الطِّفْلِ وَالْمَرْأَةِ أَدَاةً انْتِقَائِيَّةً فِي السِّياسَةِ الْخَارِجِيَّةِ بَيْنَمَا تُدْفَنُ الْفَضَائِحُ الْمَحَلِّيَّةُ تَحْتَ رُكَامٍ مِنَ الصَّمْتِ وَالتَّوَاطُؤِ الْقَانُونِيِّ.
ثَالِثًا: فِي خِضَمِّ هَذَا السُّقُوطِ الْأَخْلَاقِيِّ الْعَالَمِيِّ، تَبْرُزُ مَسْؤُولِيَّةُ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، أُمَّةِ الْوَسَطِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى النَّاسِ، لِتُقَدِّمَ نَمُوذَجًا بَدِيلًا. فَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ لِصِيَانَةِ الْإِنْسَانِ وَحِفْظِ كَرَامَتِهِ وَحُقُوقِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]. وَعَلَى عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ وَمُفَكِّرِيهَا وَقَادَتِهَا أَنْ يُبَيِّنُوا بِوَضُوحٍ أَنَّ نَجَاةَ الْبَشَرِيَّةِ تَكْمنُ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْعَدْلِ الشَّامِلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْإِسْلَامُ.
إِنَّ وَاجِبَ الْأُمَّةِ الْيَوْمَ أَنْ تُقَدِّمَ لِلْعَالَمِ نَمُوذَجًا حَيًّا فِي صِيَانَةِ الْأُسْرَةِ، وَرِعَايَةِ حُقُوقِ الطِّفْلِ وَالْمَرْأَةِ، وَتَحْرِيمِ الْفَاحِشَةِ وَالِاسْتِغْلَالِ، بَعِيدًا عَنِ الشِّعَارَاتِ الزَّائِفَةِ. وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ…» [الْبُخَارِيُّ].
رَابِعًا: تَذْكِيرُ الْعُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ بِوَاجِبِهِمْ الْجَلِيلِ فِي التَّصَدِّي لِمُحَاوَلَاتِ التَّطْبِيعِ مَعَ هَذِهِ الرَّذَائِلِ تَحْتَ شِعَارَاتٍ خَادِعَةٍ، وَالْقِيَامِ بِوَظِيفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. فَإِنَّ السُّكُوتَ عَلَى الْمُنْكَرِ مُشَارَكَةٌ فِيهِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ». وَمِنْ وَاجِبِنَا أَنْ نَحْصِنَ مُجْتَمَعَاتِنَا وَبُيُوتَنَا مِنْ ثَقَافَةِ الِانْحِلَالِ الْمُتَغَلْغِلَةِ، وَأَنْ نَغْرِسَ فِي أَبْنَائِنَا أَنَّ الْكَرَامَةَ وَالْعِزَّةَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، لَا فِي زُخْرُفِ الْمَالِ أَوْ بَهْرَجِ الشُّهْرَةِ.
وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ.
الْهَيْئَةُ الْعُلْيَا لِرَابِطَةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ
١٧ شَعْبَانَ ١٤٤٧ هـ
٥ فَبْرَايِرَ ٢٠٢٦ م