طلعت الشمس على طهران ذلك اليوم، لكنها لم تكن شمسًا عادية، فرغم برودة الطقس، كانت العاصمة تتوهج، وحرارتها تبلغ حد الاشتعال، ومع اقتراب الساعة من العاشرة صباح 28 فبراير بتوقيت طهران، بدا أن التاريخ يتغير بسرعة، أو هكذا ما تبوح به الانفجارات في قلب عواصم المنطقة.

طائرات “إسرائيلية”، اتخذت هدفًا واضحًا، ساقها إليه جواسيس اخترقوا أمن أهم شخصية في إيران، اغتيل المرشد الأعلى للثورة الإيرانية مع أبرز قادته، وبدأت حركة التاريخ في وسط العالم تأخذ منعطفًا جديدًا.

قُتل “هامان الأجاجي”، من نسل ملك العماليق، رمز الشر لدى اليهود، أو هكذا حاول رئيس الوزراء “الإسرائيلي” أن يتمثله، وهو يقرأ نصًا من الميجلة، ذاك النص التوراتي الذي يُقرأ في “عيد المساخر/ بوريم” الذي كان اليهود يحتفلون به.

في تاريخ اليهود، حرض “هامان الشرير” الملك أحشويروش على إصدار أمر بإبادة اليهود في يوم محدد اختير بالقرعة (أو بور بالعبرية)، أحبطت “ملكة جمال” يهودية (أخفت عنه ديانتها)، بعد أن اتخذها زوجة له، “المؤامرة”، وعينت مردخاي بدلًا من هامان الذي شُنق ومعه خمسمائة من “الأشرار”، هكذا اختيرت الذكرى والتوقيت بعناية، وهكذا ردد الرئيس الأمريكي العبارة نفسها “خامنئي، أحد أكثر الشخصيات شرا في التاريخ، مات”.

أكثر شعوب المنطقة يشاطرون ترامب هذا التوصيف أيضًا، لكنهم يضعون معه ترامب ونتنياهو في سلة الشر نفسها، فقد تسبب خامنئي في مقتل ما لا يقل عن مليون مسلم في العراق وسوريا واليمن ولبنان وأفغانستان، ومارس سياسة جعلت أكثر من 15 مليون مسلم في الشتات والمهاجر. وكلا الحاكمين الأمريكي و”الإسرائيلي” نفذ إبادة جماعية لعشرات الآلاف من المسلمين، وجعل ملايين سواهم بغير مأوى.

لم يعمل ترامب ونتنياهو – بقتل خامنئي ومعاونيه – على نبذ الشر، وإنما على تغيير الخرائط، وتقويض حكم إيراني ثيوقراطي، أو إضعافه، لقطع ذراع صيني، كان يمثل خط دفاع أول لمعسكر الصين – روسيا. واستحق ذلك أن تعاود أمريكا ما فعلته في اليابان قبل  ثمانية عقود، فأحد أهم ركائز المقاومة اليابانية للحلفاء في اليابان كانت صلابة مقاتليها وشجاعتهم القتالية نابعة من عقيدة يابانية تُدعى “شنتوية الدولة”، التي كانت تنظر إلى الإمبراطور هيروهيتو على أنه “الإله الحي”، لأنه كان سليلًا مباشرًا لآلهة الشمس “أماتيراسو”، كما يزعمون، فلم تمض ست وخمسين سنة على إقرار الدستور الياباني بأن “الامبراطور مقدس لا يجوز انتهاك حرمته”، حتى زالت تلك الحُرمة وتلك القداسة التي منعت اليابانيين من مجرد النظر إلى وجه الامبراطور عبادة وإجلالًا، حتى أذلته أمريكا، وأرغمته على أن ينسف بنفسه تلك العقيدة، بـ”إعلان الإنسانية”، الذي أجبره الجنرال الأمريكي ماك آرثر، على إطلاقه في الأول من يناير 1946، على إثر قصف مدينتي هيروشيما ونجازاكي بالقنابل النووية في أغسطس 1945، ومن ثم استسلام اليابان لأمريكا، حينها قال الإمبراطور: “إن العلاقة التي تربطني بالشعب هي الثقة والاحترام المتبادل، وليست الأساطير والخرافات”، نافيًا أن يكون “إلهًا”.

أصيب الشعب الياباني بالصدمة الكبرى، إذ كيف لـ”سليل الآلهة” أن يركع، مثلما أصيب قطاع من الإيرانيين بالصدمة في اليوم الأول من الحرب بإعلان مقتل “سليل البيت النبوي” و”نائب الإمام المعصوم” مثلما يعتقد الشيعة في إيران. هذا تحول أُريد له أن يحدث قبل أن يُعلن الرئيس الأمريكي أنه ربما سيتواصل مع قادة جدد لإيران “أكثر براغماتية” من خامنئي، وأجدر بأن يقيموا مع واشنطن وتل أبيب علاقة وثيقة.

لم يَبدُ للوهلة الأولى أن هذا ما ستفعله طهران؛ فبعد أيام من مقتل خامنئي، استهدف مقر نتنياهو وقائد القوات الجوية “الإسرائيلية” (من دون إصابات)، وأُسقطت طائرات أمريكية، وهوجمت قواعد أمريكية بشكل متواصل. ولذا؛ فالوقت مبكر جدًا لحسم خيارات إيران بقيادتها الجديدة، فالبعض يُقلل من مقتل خامنئي – رغم رمزيته – باعتبار أن الحرس الثوري هو من قد بات يحكم إيران بشكل فعلي منذ سنوات، بلغ فيها المرشد الأعلى للثورة من العمر عتيًا، وربما كان تأثير غيابه معنويًا قبل أن يمثل تغيرًا عسكريًا وسياسيًا على الأرض.

ربما صح ذلك على صعيد الخطط العسكرية والتنفيذ الميداني؛ فالمرشد كان بعيدًا عن كل هذا، لكننا لا نستطيع أن نغفل فداحة الخسارة على المشروع الإيراني برمته، فقتل المرشد له دلالات عميقة في مخيال الإيرانيين الشيعة بل لدى الشيعة عمومًا في العالم.

ستحاول الآلة الإعلامية للحرس الثوري الإيراني إخراج الصورة كالتالي: قائد ديني قُتل كالحسين دفاعًا عن الثورة (في تصورهم)، وإظهاره كشهيد يُلهم باستمرار المسيرة الثورية، لكن استحقاقات وتحولات أخرى تفرض نفسها بقوة على هذا المشهد، خلاف ما تقدمه الدعاية الإيرانية.

إن نتنياهو وترامب لا يمكن أن يكونا “يزيد”، لاسيما وهما يتحدثان بخطاب ديني عن “هامان الشرير”؛ فثمة عداء تولد للمرة الأولى في التاريخ بين الغرب والشيعة بهذه القوة والوضوح، وهناك ثأر ليس بالضرورة من أهل السنة هذه المرة؛ فلا يمكن تجاهل ما قد حصل أبدًا، ولو حاولت الدعاية دمغ مقتل خامنئي بـ”خيانة العرب”؛ فحتى العملية “الإسرائيلية” لم تنطلق من داخل القواعد الأمريكية بل من قلب فلسطين. اغتيل خامنئي كرمز شيعي عالمي بأيدٍ “يهودية” وعقل “مسيحي”، لا دخل لـ”يزيد” في ذلك أبدًا! فكيف سيُلقي ذلك بظلاله على العقل الشيعي الموتور دومًا من السنة وحدهم.

الأخطر لم يأت بعد في ذلك، فالمرشد لم يكن يمثل قيادة شبه مطلقة في إيران لأسباب دستورية فحسب، بل كان كذلك لأنه يمثل “المهدي، صاحب الزمان” في العقيدة الجديدة التي أطلقها الخميني. لقد أضفى الخميني على هذا المنصب قداسة ومنحه معصومية من الخطأ، بما يقدح في كل هذه البنية الخرقاء التي دكتها صواريخ “إسرائيلية” فصيرتها ركامًا وأطلالًا. هذه “القداسة” وتلك “المعصومية” كيف سُتمنح مجددًا لخليفة خامنئي؟ كيف سيصير موجَهًا من غرفة قيادة المهدي إذا كان سلفه قد قضى بهذه الطريقة المريعة؟ لقد بعُدت المسافة كثيرًا بين تلك القداسة وهذا الانكسار، ولم يعد من السهل على القيادة الإيرانية أن تلملم ما بعثره ترامب ونتنياهو من أوراقها، وبعد أن أصيبت الأقلية الباقية المؤمنة بمعصومية خامنئي من الشعب الإيراني بصدمة مماثلة لصدمة عبيد الإمبراطور الياباني هيروهيتو، والتي تغير من بعدها كل مستقبل اليابان.

وقد تنجح الحملة العسكرية الأمريكية “الإسرائيلية” في تقويض هذا النظام أو تخفق، لكن ما انجرح في جسد نظرية إمامة الفقيه يصعب أن يندمل، خصوصًا أن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن الشيعية الإيرانية.

قبل ثلاثين عامًا، تسربت وثيقة تم تداولها بين المحافظين في إيران، تُمثل “الخطة الخمسينية” للهيمنة على الخليج العربي وتضع أجندتها لنشر التشيع بين المسلمين في العالم، وقبلها بنحو عشرين عامًا كان الخميني يعد أنصاره ويحفزهم لـ”تصدير الثورة”. لم يصل الإيرانيون بعد لنصف قرن من ذلك الزمان حتى غدت إيران عاجزة عن تحديد قائدها الجديد حتى الآن مخافة أن يتم استهدافه رغم كل احتياطاتها الأمنية.

ينظر الإيرانيون إلى أن المقاومة الفلسطينية هي حليف للمرشد وأعوانه، لكنها صمدت نحو عامين حتى تمكنت “إسرائيل” من قتل قائدها السنوار، بعد أن تهشمت كل البنايات حوله، وتهدمت أنفاق، وجاد هو بنفسه مقبلًا غير مدبر. وحتى حسن نصر الله، قائد الذراع اللبناني لإيران استغرق اغتياله شهورًا من المحاولات، لكن “المعصوم” قُتل في أول ضربة، وبحماقة أمنية غير مسبوقة لا يمكن أن يقع فيها غير ساذج، فكيف سُتسوق هذه النظرية بعدها، نظرية ولاية الفقيه، وكيف سيروج لاحقًا أن المرشد القادم عصي على مثل هذه السقطات؟!

لقد انحشرت القيادة الإيرانية التي تعمل تحت الأرض الآن بين خيارين كلاهما صعب، بل يبدو مذاقه كمذاق السم الذي قال الخميني ذات يوم إنه سيتناوله بإعلان وقف الحرب مع العراق بعد هزيمة قواته في الفاو، بل أنكى بكثير من هذا السم، لأن الاستمرار في الحرب له تبعاته المدمرة على إيران ولو نجت من تغيير نظامها، والاستسلام باسم التفاوض أشد مضاضة لاسيما إذا فُرضت عليهم شروط قاسية كالخضوع التام لـ”إسرائيل”، كلاهما سيدمر نظرية “ولاية الفقيه”، أما الانتصار في المعركة فلا يظهر واضحًا في الأفق ما لم تنفد ذخيرة الأمريكيين و”الإسرائيليين” معاً، وهذا قد يكون أبعد السيناريوهات توقعًا. هذا وحده الذي يمكن أن يُعيد للحكم الشيعي الإيراني بما يحمله من أيديولوجية مهيمنة على عقول معتنقيها، رونقه في أعينهم، وعدا ذلك؛ فلن تعود عقارب الساعة للوراء أبدًا.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب