الحديث عن الحرب الدائرة اليوم بين – إيران وإسرااائيل ومن معها – يتطلب الوقوف من الناحية الشرعية والسياسية على أربع قضايا رئيسية :-
الأولى :- تقرير عدم موالاةِ الكفارِ ، ونصرتهم على دينِهم ، أو الفرح بعلوهم وتسلطهم ، أو الإصطفاف معهم في معركتهم ، التي تخصهم { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ }
الثانية :- عدمُ نصرةِ الظالمين أَو الدِّفاعِ عن ظُلمِهِم ، أو تبرير عدوانهم – كحال إيران – ووجوب دفع تعديهم ، وظلمهم وجرائمهم { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ }
فلا نتولّى كافراً ولا ننصر ظالماً ، ونؤمن بأن قدر الله ماض ، ومنه ضرب الظالمين بعضهم ببعض ، نصرةً للمظلومين وحمايةً للمستضعفين ، فيفرح المؤمن ليس حباً في الكافرين المعتدين ، أو موالاة لهم ، أو نصرة لباطلهم وأطماعهم ، وإنما يفرح بعدل الله وانصافه حيث سلطهم على الظالمين لزوال شوكتهم ، وانقطاع شرهم عن المسلمين .
ومنْ فقه السلف لسنة التدافع بين أهل الباطل قول التَّابعيِّ الحسنِ البصريِّ: (ما انتقمَ اللهُ من قومٍ ظَلَمَةٍ إلَّا سلَّطَ عليهم من هو أَظلمُ منهم)
وقولُ الإمامِ مالكٍ: (إنَّ اللهَ ينتقمُ من الظالمِ بالظالمِ، ثم ينتقمُ منهما جميعًا)
وقولُ الإمامِ الأَوزاعيِّ: (إذا التَّقى الفاجرُ بالفاجرِ فاقتتلا؛ فأَهلكَ اللهُ أَحدهما فالحمدُ للهِ، وإذا أَهلكهما جميعًا فالحمدُ لله كثيرًا)
الثالثة :- تطبيق قاعدةُ «دفعِ أَعظمِ المفسدَتينِ بأَخفِّهما» في نازلة اليوم ، وهي قاعدة عظيمة في الفقه والسياسة ، بحيث
إذا تعارضتْ مفسدتانِ، ولم يُمكِنْ دفعُهما معًا؛ كانَ الواجبُ هو دفعُ أَعظمِهما بارتِكابِ أَخفِّهما لأَنَّ الشَّريعَةَ مبْناها على تقليلِ المفاسِدِ وتعطيلِها ، وتحصيلِ المصالحِ وتكميلِها.
وبناء على ذلك لدينا فرضيتان في التنزيل :-
إحداهما :-
تقرير أن مفسدة بقاء النظام الإيراني – نظام الملالي – وطغيانه ،مستبيحاً لدماء الأمة ، ومثخناً في جراحاتها ، أعظم شراً من العدو من خارجها ، ونظام طهران الحالي كيان سياسي ، عقائدي ، عدواني ، توسعي له سجل حافل بالفتك والخراب والدمار ، وقتل مئات الالاف من اليمنيين والسوريين والعراقيين وغيرهم ، وقام بتشريد وتهجير ملايين منهم ، فضلاً عن الخراب العقائدي وتدمير الهُوية الإسلامية بشعاراته المخادعه وفوق ذلك أطماعه التوسعية ، وسعيه الحثيث، لتصدير ثورته الخمينية ، و للسيطرة على بلدان العرب والمسلمين ، بما في ذلك قبلة المسلمين ، وبين أيدينا أحقاده ، شاهدة في هذه الحرب ،على مواصلة عدوانه – غير آبهٍ بمشاعر المسلمين – ساعياً إلى جرّ المنطقة إلى دوامة الصراعات ، باستهدافه للعواصم الخليجية بصواريخه ومسيراته ، التي بلغ مجموعها أكثر من الموجه إلى دولة إسرااائيل .
ثانيهما :-
ترجيح مفسدة زوال هذا النظام واستبداله بنظام إيراني آخر لاحتمال تغول الهيمنة الصليبية والصهـ يونية في المنطقة ، وتوسيع نفوذها – وغالب القائلين بهذا لهم سابقة في الانخداع بمشروع الثورة الخمينية – غير محررين لعقائد الرافضة وتاريخها الخياني – ومنهم أناس ينتمون إلى بلدان لم تعبث بها بعد مليشيا إيران ، وقليل منهم سحبتهم العصبية العرقية- ولكنه يبقى احتمال وارد وله تفسيراته ، مع ملاحظة أن الهيمنة الصليبية والصهـ يونية قائمة ، ولم يدفعها عن المسلمين ، محور الممانعة – المزعوم – لدولة إيران الصفوية وأذرعتها ، بل ظلت – منذ قيامها – فزاعة المنطقة ، وأخطر عامل لفرقة الأمة ، وإضعاف شوكتها ، ونشر فتنتها ، وإشعال الحروب في عدد من البلدان العربية ، فلم تقدم شيئاً يذكر بما في ذلك قضية فلسطين التي بنت تضليلها على المتاجرة بشعاراتها ، حتى رأينا خذلانها في أحلك الظروف ، كما في أحداث غزة – إن لم نقل إنهم كانوا جزءاً من التآمر على تصفية المقاومة الفلسطينية – وهذا أمر يترك للتاريخ .
ومن الأهمية بمكان التذكير هنا أن الشريعة الإسلامية ، تولي وتوجب التحرز من الظلم والمفسدة القائمة على المتوقعة ، ومفسدة النظام الإيراني متحققة ومشهودة ، ودفع عدوانه ومفسدته الحاضرة آكد من المفسدة المتوقعة والمحتملة – المتولدة من سقوطه ، فإن ما يتوقع من آثار الصلف اليهـ ودي ومن خلفه – حال سقوط نظام إيران – أكثر مما هو حاصل قد يتحقق – وفقاً لتقديرات وحسابات محتملة – وقد لا يقع على النحو المقدر ، ولو افترضنا وغلبنا جانب وقوعه ، فذلك من الحسابات الغيبية المؤجلة ، المتروكة لظروفها ، ولأن دفع المعتدي والصائل على الأمة في الشريعة الإسلامية لاينظر فيه إلى هُوية الصائل وملته ، وإنما إلى شناعة آثاره ، وقبيح أفعاله ، وكثيراً ما يكون المعتدي المتدثر بالتدين المغالي والمنحرف ، أفتك من العدو الظاهر ، لأنه يطعن الأمة من داخلها – شأن النفاق – والتوقي منه عسير ، بخلاف العدو المكشوف فالتحرز منه أسهل ، وتعبئة الأمة ضده أقل كلفة ، وهنا نحتاج إلى وقفة ، مقاصدية وسياسية تتعلق بجانب إعمال النظر في المآلات .
الرابعة :- كنظرة استراتيجية ومستقبلية هناك ضرورة لقيام تحالف لمشروع عربي وإسلامي ، خارجاً عن التبعية ، ومغايراً لهذين المشروعين الظالمين ، وقد تكون إرهاصات هذا المشروع العربي والإسلامي ضئيلة في الأوضاع الراهنة لكن غطرسة أحد المشروعين ، أو كليهما ، قد تعجل بميلاده وفقاً لسنة الله في التدافع بين الحق والباطل ، وهو الأمر الذي يجب أن يشغل قيادات أهل الإسلام ونخبها بدلاً من الاستسلام والضعف والبقاء في دوامة الاصطفافات مع ثنائية العدوين المتربصين بالأمة ، وفي حال كانت نتائج الحرب تمضي لصالح تفوق المشروع الصهيـ ووني الصليبي وفقاً للمعطيات المادية ، فإن عداوته مكشوفة للأمة ، ومن السهولة تحذير الأمة وتحصينها منه ، والواقع خير شاهد على ذلك :-
أ- فقد تسلط المشروع الصهـ يوني – بدعم الصليبية العالمية – على الأمة منذ نحو سبعة عقود ، ورغم كلفة الدعم والتسويق له من الغرب والشرق الا أنه ظل منبوذاً ممقوتاً عربياً وإسلامياً ومؤخراً عالمياً بسبب عدوانه ووحشيته ، وانتهاكاته في حرب غزة .
ب- بينما نظام إيران خلال أربعة عقود أسقط أربع عواصم عربية ، بقيت ثلاث منها تحت احتلاله ، تدين له بالولاء – من بينها صنعاء – وفعل بالأمة الأفاعيل ، وفتك بالعرب والمسلمين أكثر مما فعلته دولة إسرااائيل بفلسطين ، ولايزال يتوعد بتصدير ثورته وعدوانه وهناك فئام من الأمة مخدوعة بتضليله وخداعه وله عبيد وأتباع قد زرعهم للفوضى في كثير من البلدان ، من بينهم مليشيا الحوثي الإرهابية .
ختاماً :-
ويبقى هنا فريضة الوقت الخاصة بنا – كيمنيين – وهي القيام بحماية وطننا وإنذار قومنا ورفع الظلم عن كواهلنا { وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } من عدوان الظالمين ، وضرورة الإلتفاف حول القيادة الشرعية ودفعها للتحرك الجاد لإنقاذ البلاد ، والاصطفاف مع أشقائنا في محيطنا وجوارنا – وبخاصة أرض الحرمين ، المملكة العربية السعودية – باعتبارنا جميعاً مستهدفين ، ومتعرضين لعدوان وتمدد المشروع الفارسي الصفوي ، وأطماعه المقرونة بأحقاده على منطقتنا العربية وبدوافعه العنصرية ، التي تزداد انكشافاً يوماً بعد يوم ، ومن المعيب أن نتحول في قضايا أمتىنا وأوطاننا إلى مذبذبين ، وتائهين ، وشعبويين ، مبررين ، ومائلين إلى مشروع جلادنا ولدينا قضية نكتوي بنارها بصورة مباشرة ، ونسحق فيها وتنتهك فيها كرامة شعبنا من قبل مشروع الخيانة الرافضي الايراني على يدي عبيدهم و أذنابهم مليشيا الحوثي الارهابية ،وأي حديث وتنظير عن قضية كهذه بعيداً عن مسؤلية دفع المعاناة القائمة بشعبنا ، والتشابك مع من يشاركنا ويعيننا في دفع أوجاعنا من أشقائنا ترف فكري شعبوي ،و برود ديني وأخلاقي ووطني .

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب