في خضم التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى التعويلات القائمة على التوازنات القديمة، وعن السياسات التي ستلجأ إليها العواصم العالمية والعربية يوم أن تبوح الحرب الإيرانية/الصهيوأمريكية بأسرارها ونتائجها بعد أن تضع أوزارها.

لا نقول تسليمًا بأن الحرب القائمة في الخليج ومحيطه الكبير ستغير وجه العالم وحدها، لكنها ستكون محطة بارزة في هذا التغيير الذي يتمخض بانتظار رسم الخرائط العالمية الجديدة.

مرضت أمريكا، وهي لم تمرض منذ شن حربها هي و”إسرائيل” حربها على إيران، فقد سبقت أعراض كثيرة لهذا المرض، منها ما هو طارئ كسحل 18 جنديًا في شوارع مقديشو بعد إسقاط مروحتين أمريكيتين في سماء العاصمة الصومالية عام 1993، ومنها ما ترك ندبة كبيرة في جبين التكبر الأمريكي عندما أرغم مجاهدو طالبان، جنود المارينز على الفرار من أفغانستان في العام 2020، ومنها النزيف الاقتصادي الذي أسالته أحداث سبتمبر وما تلاها من تورط للولايات المتحدة في أفغانستان والعراق، واستمر هذا النزيف حتى حصد نحو 34 تريليون ديونًا على الولايات المتحدة نقلت البلاد إلى تصنيف متأخر، وأعجزها عن اللحاق بالصين في منافسة اقتصادية أضحت غير متكافئة، وبالطبع نتيجة سياسات اقتصادية خاطئة وإنفاق تسليحي هائل دون جدوى تذكر في ظل ترهل إداري أمريكي، وانهيار سياسي متزايد. وجاءت حرب أوكرانيا لتستنزف كميات هائلة من الأسلحة الأمريكية، ثم الإبادة الجماعية في غزة، والتي حصدت كثيرًا من العتاد العسكري والذخائر التي تدفقت إلى “إسرائيل” في عمليات قصف سجادي لم يوفر بقعة في جغرافيا غزة دون أن يدكها السلاح الأمريكي، ومع هذا الاستنزاف، كان النزيف “الأخلاقي” الذي نكأته غزة، إذ ديست من أجل إخضاعها كل العهود والمواثيق الدولية، وسُفحت سمعة الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يعد للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية من قيمة بعد هذا الإهدار القيمي.

وحيثما تمرض امبراطورية كبيرة كالولايات المتحدة الأمريكية؛ فإن ذلك لا يعني موتها الفجائي وانهيارها السريع، فالدولة العثمانية ظلت حاضرة في السياسة الدولية منذ أن أطلق عليها القيصر الروسي نيقولا الأول، لقب “الرجل المريض”، أثناء لقائه من السفير البريطاني سير جورج هاملتون سيمور عام 1853م، حتى سقطت فعليًا في العام 1909، ورسميًا عام 1922م، أي بعد ما يزيد عن نصف قرن (وإن ظلت تحتفظ برجولتها رغم مرضها إذ ذاك)؛ فأما الولايات المتحدة؛ فإنه قد آن أوانها أن تستحق لقب “المرأة المريضة” إذ بدأت سني عمرها في الانقضاء، وزمان رحيلها أوشك أن يَئين.

ولقد تمنى بعض المفكرين الحاذقين في الولايات المتحدة الأمريكية أن لو ما دخلت بلادهم هذه الحرب التي هزّت صورتها، وقضمت من هيبتها، فكما أن تلك الحرب قد كشفت عن تطور في قدرات إيران، التي تآزرها كل من الصين وروسيا، تردان بذلك صاع دعم الولايات المتحدة للمقاتلين الأفغان أثناء مقاومتهم للاحتلال السوفييتي لبلادهم، فهي كشفت أيضًا عن عجز الولايات المتحدة عن حماية “إسرائيل” بشكل فعال أو حتى قواعدها العسكرية التي أُمطرت بالصواريخ الباليستية.

والحقيقة أن الحروب كاشفة، وهي أبرز مراكز التغيير وأشهر محطاته، وكما قد قال أمير البيان، شكيب أرسلان، عن المسلمين إذ دالت دولتهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى: “إن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه قد تغلغلت فيه عوامل الانقلاب أبعد متغلغل، وانبثت في عروقه عوامل التبدل أوسع منبث، على أن العامل الأكبر في هذا الانقلاب هو الحرب العامة، إن الحرب الكونية العظمى قد أتت بعجائب عظيمة؛ فأرت ما لم يُرَ، فبات الإسلام يميل ويضطرب”؛ فإن الولايات المتحدة بدأت تشهد ألوانًا من هذا الاضطراب وأشكاله على أصعدة السياسة والعسكرية والاقتصاد والإعلام، وبات على العالم أن يستعد لحقبة تاريخية لا تستأثر فيها الولايات المتحدة الأمريكية بصدارة العالم أو تُخضع فيه أعداءها و”حلفاءها” على حد سواء.

لقد انهزمت الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام، وانكسرت وفرت من أفغانستان، وتلقت هزائم متنوعة في مواجهات قصيرة أو طويلة، لكن هذه المرة مختلفة كثيرًا، لا لأنها قد انهزمت، فذاك ما لا يمكن لنا أن نجزم به أو حتى نتوقعه في ظل شُح المعلومات من كلا الطرفين، وعلى كافة الجبهات، لكن لأنها وقعت بجدارة في الفخ، حيث يقف الصينيون والروس منها اليوم يضحكون!

ولم تُحرز إيران، ولا من يمنحونها إحداثيات أعدائها بسخاء، نجاحًا مرحليًا وصمودًا في هذه المواجهات لأنها تتسم بالشجاعة؛ فأي شجاعة في إطلاق الصواريخ وتلقي الضربات؟! ولم توجع أمريكا لأنها قد حازت سبقًا في النظم الصاروخية التي تمتلكها بالأساس، بل لأن الولايات المتحدة خيبت رجاء من ظنوا بها القدرة على خوض معارك كهذه بالعنفوان نفسه الذي خاضت به حرب الكويت قبل خمس وثلاثين سنة.

ويعاند ترامب حين يريد إخضاع الزمان لرغباته، فبياض الشيب قد ضرب في مِفرق الولايات المتحدة، ولم تعد الصبغات ترياقًا ناجعًا له؛ فعوامل ضعف القوة العظمى في العالم لم تعد خافية على كل الدول، حتى أولئك الذين وقعوا معها اتفاقات “الدفاع المشترك”، وسوف يكون لزامًا عليهم أن ينقبوا عن درعهم بأنفسهم أو أن يتخذوا لهم درعًا غيرها.

يتساءل السيناتور الديمقراطي الأمريكي تيم كين منذ أيام، فيقول: “سألت زملائي في الكونغرس، ما المقابل الذي نالته الولايات المتحدة الأمريكية في ربع قرن مضى من الحروب في “الشرق الأوسط” والتي أسفرت عن مقتل 14 ألف عسكري أمريكي، وإصابة 65 ألفًا من العسكريين والمتعاقدين الأمنيين، وعن خسارة تحملها دافعو الضرائب الأمريكيين تبلغ 8.2 تريليون دولار؟ سألت ولم أجد إجابة!”، تورط أمريكا نفسها في حروب تكشف عوارها، وقد بدت في الحرب الأخيرة هكذا أيضًا، لا تملأ ثوبها الفضفاض مهما حققت من أهداف أو دمرت من قدرات لعدوها. والحرب الحالية لم تكسرها لكنها كشفت مخبوء ما تستره من هشاشة وعجز في كثير من الأحيان، وليس ذلك لبأس عدوها بل لحماقة حاكمها وجوقته الرعناء.

إيران المدمرة اليوم لا تحقق نصرًا، رغم صمودها وبلائها، ففاتورة الحرب التي تدفعها من قدراتها عالية جدًا، لكن الولايات المتحدة تنهزم في المقابل، وهزيمتها ليست عسكرية بالضرورة حتى لو أخفقت في تحقيق أهدافها، فكم خسرت الإمبراطوريات من حروب ولم تتزعزع قوتها الضاربة، وإنما “حضاريًا” – إن جاز التعبير – بل في كل مجال تجد فيه نفسها مضطرة لأن تصير أكثر واقعية و”تواضعًا”، وإلا ستضعها في مكانها الجديد كلُّ القوى الدولية البازغة، وفي صدارتها قطعًا، الصين المتأهبة.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب