الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، القَائِلِ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، القَائِلِ: «فُكُّوا العَانِيَ» أَيْ الأَسِيرَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ رَابِطَةَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ تُتَابِعُ بِبَالِغِ القَلَقِ وَالِاسْتِنْكَارِ إِقْرَارَ الكَنِيسِتِ الصُّهْيُونِيِّ فِي قِرَاءَتِهِ التَّمْهِيدِيَّةِ بِتَارِيخِ 1-3-2023م مَشْرُوعَ قَانُونٍ يَقْضِي بِفَرْضِ عُقُوبَةِ الإِعْدَامِ عَلَى الأَسْرَى الفِلَسْطِينِيِّينَ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ قَدِيمٌ أُعِيدَ طَرْحُهُ فِي سِيَاقِ تَصَاعُدِ السِّيَاسَاتِ العُدْوَانِيَّةِ لِلِاحْتِلَالِ، وَضِمْنَ تَرْتِيبَاتِ الِائْتِلَافِ الحُكُومِيِّ بِقِيَادَةِ بِنْيَامِين نِتَنِيَاهُو، وَبِدَفْعٍ مِنْ وَزِيرِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ المُتَطَرِّفِ إِيتِمَار بِنْ غَفِير.
وَيَنْصُّ هَذَا المَشْرُوعُ عَلَى إِيقَاعِ عُقُوبَةِ الإِعْدَامِ بِحَقِّ كُلِّ فِلَسْطِينِيٍّ يُدَانُ بِقَتْلِ إِسْرَائِيلِيِّينَ، تَحْتَ ذَرَائِعِ “الرَّدْعِ” وَ”مُكَافَحَةِ الإِرْهَابِ”، فِي تَجَاهُلٍ صَارِخٍ لِحَقِيقَةِ الِاحْتِلَالِ، وَإِضْفَاءِ غِطَاءٍ قَانُونِيٍّ زَائِفٍ عَلَى جَرِيمَةِ تَصْفِيَةِ الأَسْرَى، فِي انْتِهَاكٍ فَاضِحٍ لِكُلِّ القِيَمِ وَالمَوَاثِيقِ.
هَذَا.. وَإِنَّ رَابِطَةَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ فِي هَذَا السِّيَاقِ لَتُؤَكِّدُ عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: إِنَّ هَذَا القَانُونَ يُمَثِّلُ جَرِيمَةً عَظِيمَةً، إِذْ يُحَوِّلُ الِاحْتِلَالَ إِلَى جِهَةِ إِعْدَامٍ خَارِجَ إِطَارِ العَدَالَةِ، وَيَسْتَهْدِفُ تَصْفِيَةَ الأَسْرَى الفِلَسْطِينِيِّينَ جَسَدِيًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ [البروج: 8].
ثَانِيًا: إِنَّ هَذَا التَّشْرِيعَ يَأْتِي فِي سِيَاقٍ انْتِقَامِيٍّ وَاضِحٍ، وَفِي سِيَاقِ الغَدْرِ وَنَكْثِ العَهْدِ وَنَقْضِ الِاتِّفَاقِيَّاتِ الَّتِي عُرِفَتْ بِهَا اليَهُودُ، خَاصَّةً بَعْدَ عَمَلِيَّاتِ تَبَادُلِ الأَسْرَى، وَوَفَاءِ المُقَاوَمَةِ الفِلَسْطِينِيَّةِ بِمَا تَعَهَّدَتْ بِهِ، فِي مُقَابِلِ نَكْثِ المُحْتَلِّ لِكُلِّ ذَلِكَ، وَهُوَ مَا يَكْشِفُ عَنْ رُوحِ الِانْتِقَامِ الجَمَاعِيِّ.
ثَالِثًا: إِنَّ مُقَاوَمَةَ الِاحْتِلَالِ حَقٌّ مَشْرُوعٌ، وَلَا يَجُوزُ تَوْصِيفُهَا بِالإِرْهَابِ، بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ دَفْعِ الظُّلْمِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَٰئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ﴾.
رابعاً: إِنَّ هَذَا التَّشْرِيعَ يُعَدُّ انْتِهَاكًا صَارِخًا لِاتِّفَاقِيَّةِ جِنِيفَ الثَّالِثَةِ (1949م)، لَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِحِمَايَةِ الأَسْرَى وَحَظْرِ قَتْلِهِمْ أَوْ تَعْرِيضِهِمْ لِلْخَطَرِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ جَرِيمَةَ حَرْبٍ مُكْتَمِلَةَ الأَرْكَانِ، وَيَكْشِفُ مُحَاوَلَةَ الِاحْتِلَالِ تَغْيِيرَ الوَضْعِ القَانُونِيِّ لِلأَسْرَى فِي تَنَاقُضٍ صَارِخٍ مَعَ ادِّعَاءَاتِهِ الِالْتِزَامَ بِالشَّرْعِيَّةِ الدُّوَلِيَّةِ.
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ رَابِطَةَ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ تَدْعُو إِلَى:
🔹وُجُوبِ التَّحَرُّكِ العَاجِلِ مِنْ قِبَلِ الدُّوَلِ الإِسْلَامِيَّةِ، حُكُومَاتٍ وَشُعُوبًا، لِنُصْرَةِ الأَسْرَى الفِلَسْطِينِيِّينَ، وَالضَّغْطِ بِكُلِّ الوَسَائِلِ المُمْكِنَةِ لِوَقْفِ هَذَا القَانُونِ الجَائِرِ، امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾.
وَإِنَّ السُّكُوتَ عَلَى هَذَا البَغْيِ وَالعُدْوَانِ هُوَ ظُلْمٌ وَخِذْلَانٌ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ».
🔹تَحَمُّلِ العُلَمَاءِ وَالدُّعَاةِ مَسْؤُولِيَّتَهُمْ فِي بَيَانِ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ، وَتَوْعِيَةِ الأُمَّةِ بِخُطُورَةِ هَذَا العُدْوَانِ.
🔹دَعْوَةِ الخُطَبَاءِ وَالأَئِمَّةِ إِلَى تَنَاوُلِ هَذَا المَوْضُوعِ فِي خُطْبَةِ الجُمُعَةِ القَادِمَةِ، نَشْرًا لِلْوَعْيِ بَيْنَ النَّاسِ، وَتَخْصِيصِ الدُّعَاءِ لِلأَسْرَى بِالفَرَجِ وَالثَّبَاتِ، وَالدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِينَ المُعْتَدِينَ.
🔹دَعْمِ صُمُودِ الأَسْرَى مَادِّيًّا وَمَعْنَوِيًّا، وَالعَمَلِ عَلَى فَكِّ أَسْرِهِمْ، عَمَلًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «فُكُّوا العَانِيَ»، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي قَرَّرَهَا أَهْلُ العِلْمِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ المَقْدِسِيُّ: «وَفِدَاءُ الأَسْرَى وَاجِبٌ عَلَى المُسْلِمِينَ»، وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَفْتَدُوا أُسَرَاهُمْ، وَلَوِ اسْتَغْرَقَ ذَلِكَ أَمْوَالَ بَيْتِ المَالِ»، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ: «فَكَّ الأَسِيرِ مِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ إِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ غَيْرُهُ».
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الوَاجِبَ عَلَى الأُمَّةِ، حُكُومَاتٍ وَشُعُوبًا، أَنْ تَبْذُلَ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهَا فِي سَبِيلِ تَخْلِيصِ الأَسْرَى، وَأَنْ تُسَخَّرَ الإِمْكَانَاتُ وَالمَوَارِدُ لِذَلِكَ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ القُرَبِ وَأَجَلِّ الوَاجِبَاتِ، وَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيطُ فِيهِ أَوِ التَّهَاوُنُ بِهِ.
🔹تَفْعِيلِ الجُهُودِ القَانُونِيَّةِ وَالإِعْلَامِيَّةِ لِفَضْحِ جَرَائِمِ الِاحْتِلَالِ وَمُحَاسَبَتِهِ، وَنَحُثُّ سَائِرَ الجَمْعِيَّاتِ وَالمُنَظَّمَاتِ ذَاتِ العَلَاقَةِ وَالِاخْتِصَاصِ عَلَى القِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا وَالِاضْطِلَاعِ بِمَسْؤُولِيَّاتِهَا فِي تَحْرِيكِ الدَّعَاوَى وَالقَضَايَا؛ لِفَضْحِ المُحْتَلِّ وَرَدْعِهِ.
خِتَامًا..
🔹نُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ المُضِيَّ فِي هَذَا القَانُونِ سَيُؤَدِّي إِلَى جَرَائِمِ إِعْدَامٍ جَمَاعِيَّةٍ بِحَقِّ الأَسْرَى الفِلَسْطِينِيِّينَ، وَنُحَمِّلُ الِاحْتِلَالَ المَسْؤُولِيَّةَ الكَامِلَةَ عَنْ ذَلِكَ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْصُرَ المَظْلُومِينَ، وَأَنْ يَفُكَّ أَسْرَ الأَسْرَى، وَأَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا.
﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾
الهَيْئَةُ العُلْيَا لِرَابِطَةِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ
١٢ شَوَّال ١٤٤٧هـ
المُوَافِق: ٣١ مَارِس ٢٠٢٦م