تأسست على الحرب الإيرانية عدة معطيات جديدة، تحتاج إلى التعامل معها بما يلائمها:

⭕️ أولًا: الفتنة بإيران، وقدرتها على الصمود:

وهذه الفتنة تأخذ أبعادًا مفاهيمية بحاجة إلى تصويب واسع النطاق من قِبل العلماء وقادة الرأي، يتناول هذه الموضوعات والمسائل:

  • التأكيد على أهمية عقيدة الولاء والبراء لدى المسلم، وأن غيابها هو من آكد الأسباب الداعية إلى هزيمة الأمة نفسيًا وميدانيًا عبر التاريخ، فمعظم هزائم المسلمين مرت باختلاط هذا المفهوم وتميعه لدى قادتهم وأحيانًا لدى شعوبهم. وأن هذه العقيدة تستقيم كمعيار واضح على محبة الله ورسوله والمؤمنين في نفوس أصحابها، فكلما عظُمت تلك المحبة صارت تلك العقيدة أساسًا للمحبة أو الكراهية لهذه القوى أو الطائفة، أو تلك.

  • استدراك ما قد يترتب على هذه الحرب من بزوغ إيران كقوة آسرة لقلوب المسلمين، لاسيما أولئك المرتبطين أكثر بالقضية الفلسطينية، وخصوصًا غزة تحديدًا، وضرورة إيجاد صيغ للتواصل مع هؤلاء بخطاب عقدي/سياسي رصين، يضع النقاط على الحروف مرة أخرى. وهذا البزوغ قد يترتب عليه تصدر إيران كـ”قائدة للعالم الإسلامي” لدى البعض، وربما ترتب على ذلك قبولًا دوليًا لها في وقت لاحق بهذه الصفة، إن في مجلس الأمن إذا ما أعيد تشكيله، بحيث يُمكن أن يمنح المقعد التمثيلي (الاعتباري) للمسلمين لها بدلًا من تركيا أو السعودية أو إندونيسيا أو باكستان.

  • مكافحة عملية “غسيل السمعة” التي تقوم به إيران عبر سياستها الذكية اليوم، لكل جرائمها السابقة، وإعادة التذكير بها على الدوام، ووضع جردة حساب شاملة لتلك الجرائم أمام أعين الناظرين، وبخاصة جرائم القتل على الهوية، وجرائم الميليشيات، وقائمة المساجد التي هدمتها إيران طوال تلك الفترة الطويلة في ديار المسلمين (العراق – سوريا – اليمن).

  • إعادة القاطرة على السكة الصحيحة: إيران تُركت لـ47 عامًا مثلما اعترف بذلك ترامب نفسه، بينما لم يُترك أي مشروع إسلامي سُني ليقوم في أي بقعة في العالم، والأمثلة كثيرة جدًا، وقد كان رهان الولايات المتحدة على إيران خاطئًا لعقود طويلة، كدولة أقلوية يمكن لبروزها أن يحقق عدة مكاسب للولايات المتحدة الأمريكية: – إيجاد ثنائية في العالم الإسلامي بين أغلبية سنية تمثل 95% من سكان العالم الإسلامي، وأقلية تبلغ نحو 5% منهم، وبالتالي، إشغال أكثرية بأطماع أقلية لمدة طويلة بعيدًا عن القضايا المركزية الرئيسة – نشر فزاعة دائمة، تستنزف موارد دول المنطقة تسليحًا، وحماية، وقضم سيادتها باسم تلك الحماية – موازنة قوى مسلمة أخرى في المنطقة، عبر سياسة الاحتواء المزدوج السابقة، وتطويرها اللاحق. هذا الصراع المؤجل لنصف قرن هو أكبر دليل على أنه لم يكن شيئًا ملحًا على أجندة الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وإلا كان استدعى إجراءات عاجلة حين بدأت إيران تتحول إلى قوة إقليمية مرهوبة (كمثل نظام صدام حسين، وبرنامجه النووي، والصاروخي، الذي وئد في مهده). وكذلك؛ فإن إيران تُركت تتمدد بأذرعها دون أن تُقطع حتى صارت قوى ميليشياوية كبيرة، وحتى اليوم لم تفعل واشنطن وتل أبيب شيئًا يُذكر من أجل حل ميليشيات العراق، وجماعة الحوثي، بينما اشترطت في اللحظة الأولى للثورة السورية حل كل الفصائل المسلحة لتعترف بالنظام الجديد.

⭕️ ثانيًا: ما يترتب على نتائج الحرب من واقع جديد يُلمُّ بالعلماء والدعاة:

  • حاجتهم إلى تبرئة أنفسهم بعد أن صاروا في موضع اتهام ظالم بأنهم يخدمون بمعارضتهم للمشروع الإيراني، المشروع الصهيوأمريكي، وهذا يحتاج إلى جهد جهيد ليس بسبب علو الموجة الرافضة لهذا الخطاب بقدر من الغوغائية الجاهلة أحيانًا، والإغراض المقنن في كثير من الأحيان، وهذا استحقاق يستأهل الالتفات إليه جيدًا، لأنه لا يمس سمعة بعض “علماء البلاط” وحدهم، بل كل العلماء والدعاة المناوئين لإيران، الرباني منهم وأتباع السلاطين على السواء ممن ينتمون إلى عقيدة السلف. وهذا يحتاج برنامجًا خطابيًا واعيًا وقويًا، ومضمون الانتشار والوضوح. (وهذا أمر يستحق المدارسة بشأن تحقيقه بدقة وإتقان شديدين).

  • حاجتهم إلى توعية قطاع عريض من المتدينين تحديدًا، وإخراجهم من دائرة العاطفة الهائمة إلى المفاهيم الراسخة، والوعي المستنير. وهذا أيضًا يحتاج ليس إلى خطاب مجرد فحسب، بل إلى كيفية التوغل داخل الأطر المنبهرة بما حدث من صمود وقوة إيرانية، دون إدراك لمغبات الأمور ولا جذورها.

  • أخذ العبرة من مثل هذه الأحداث في إعادة النظر في الأطر الجامعة العلمائية عمومًا، لجعلها أكثر قدرة على التأثير في الجماهير: المتدينة وغير المتدينة، وهذا يحتاج إلى دراسة الآليات التي لا تجعل العلماء والدعاة يغردون في فضاء منفرد، ويجعلها أكثر مساسًا بالأطر العلمية الأكاديمية والمؤسساتية من جهة، ووسائل التأثير في الجماهير، وهذا وإن كان مُلحًا في كل محفل ووقت، إلا أن مثل هذه الحوادث كاشفات لأهمية إيلائه اهتمامًا كبيرًا، والعمل على الخلوص إلى آليات ناجزة تنقل حالة العلماء من النخبوية إلى الجماهيرية.

  • محاولة الإفادة من تلك الحرب ونتائجها في إحياء قضية المصالحة أو التطبيع بين العلماء والدعاة وبعض النظم على أرضية الضرورة المحتمة لوجود ظهير إسلامي لتلك الدول، كما لإيران الشيعية ظهيرها الديني، ولـ”إسرائيل” اليهودية ظهيرها، وللبروتستانتية الأنجليكانية الأمريكية ظهيرها الذي برزت كلها بقوة وقت الحرب. ولكل حالة ما يُنشطها ويُحفزها، لكن الوقوع في براثن الحروب وأتونها تستلزم ضبطًا للجبهات الداخلية لا يستثني العلماء والدعاة من المشهد، وبالتالي؛ فمن المهم إعادة قضايا العلماء المسجونين والمضطهدين إلى الواجهة في هذا التوقيت.

⭕️ ثالثًا: ما يترتب على نتائج الحرب من واقع جديد يُلمُّ بالمسلمين في المنطقة والعالم:

  • إذا ما أفضت المفاوضات أو الحرب إلى نوع من تقلص الحماية الأمريكية في الخليج؛ فإن استفادة الأقليات الشيعية في الخليج بالواقع الجديد بما يُمثل امتيازًا لها أو انتفاشًا طائفيًا؛ فإن ذلك قد يخصم من المساحة المتقلصة بالأساس لدعاة السنة، ويوجد واقعًا جديدًا يكون للشيعة فيه تأثيرًا وضغوطًا أكبر في مجالات معينة وظهورًا بطقوس وما نحو ذلك، ولكل ذلك ما يستلزمه من سياسة مقابلة ينبغي أن يُعد لها أو يجال النظر بها مسبقًا. وما يجري على الخليج ينسحب على العراق أيضًا.

  • إذا استمرت أسعار النفط والغذاء على وتيرتها المرتفعة في العالم، خصوصًا أوروبا؛ فإن ذلك سيؤدي غالبًا إلى زيادة معاناة الطبقات الفقيرة والمتوسطة في أوروبا، ومن ثم جعلها أكثر قابلية لاستقطاب اليمين الشعبوي المتطرف في أوروبا، الذي يعزو التردي الاقتصادي إلى وجود المهاجرين واللاجئين (المسلمين بصفة خاصة)، وبالتالي؛ فإن التضييق ربما زاد على المسلمين في أوروبا، وهذا يُقدم هذا الملف أكثر وأكثر لضرورة دراسته، بكل حيثياته الفقهية والعقدية، لتقديم الأجوبة العلمية للأقليات المسلمة مع القوانين المستجدة الضاغطة على المسلمين أُسرًا وأفرادًا، ثم لمحاولة تقديم الدعم النفسي والدعائي والإعلامي على قضايا مسلمي أوروبا.

  • بعد تراجع مسارات الدعوة للتشيع في دول كثيرة نتيجة لجرائم الميليشيات في سوريا بالأساس، وما سبقها في العراق، ورافقها وتلاها في اليمن؛ فإن الحالة الشيعية قد تشهد مدًا على خلفية الإفادة من عملية غسيل السمعة تلك، خصوصًا أن إيران حاولت البروز كدولة مدافعة عن الإسلام، وتلتحف بالمقاومة ضد الإمبريالية الصهيوأمريكية، ولم تبرز القضية في أي من جوانبها كمسألة طائفية. وهذا يستوجب الاستعداد له مجددًا.

  • يبدو من الضروري الحديث عن ضرورة الاستقلال السياسي لدول العالم العربي، والتركيز في الخطاب على هشاشة الحماية الأمريكية، والتأكيد الدائم على قضية الحلف الإقليمي الاستراتيجي وبروز أهميتها القصوى في هذه المرحلة.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب