تُعدّ مسألة العلاقة بين الدولة الزنكية والدولة الفاطمية من القضايا التي كثر فيها الجدل، خاصة عند توظيفها في سياقات معاصرة.
أذكر أنني في بعض مناقشاتي قبل بضع سنوات مع شباب تأثروا بإطلاقات (داعش) في تكفير من نزل تحت سلطان دولة كافرة -تكفيراً مطلقاً دون اعتبار للضرورات السياسية- كنت أضرب لهم مثلاً بدخول صلاح الدين الأيوبي مصر، وأنه لم يقم بإسقاط الدولة الفاطمية فور دخوله، بل انتهج سياسة تدريجية استمرت ثلاث سنوات.
فقد دخل صلاح الدين مصر قادماً من الشام بناءً على طلب الوزير الفاطمي “شاور” للاستعانة بالزعيم العمري “نور الدين زنكي” ضد الصليبيين. بعد صراع، اغتيل شاور وتوفي قائد الحملة أسد الدين شيركوه (عم صلاح الدين)، فاختار الخليفة الفاطمي “العاضد” صلاح الدين وزيراً له في 26 مارس 1169م (567هـ).
رغم أن صلاح الدين كان سنياً شافعياً، فقد أبقى على الخطبة باسم الخليفة الفاطمي (الإسماعيلي) لمدة تقارب الثلاث سنوات (1169-1171م). كان يدرك أنه لو غيّر الخطبة فوراً لاندلعت ثورة، فانتظر حتى يُرسخ حكمه ويبني جيشاً موالياً له.
ثم جاء الإيعاز من بغداد: حيث تلقى صلاح الدين توجيهات من نور الدين زنكي (التابع للخلافة العباسية) بضرورة إنهاء الخلافة الفاطمية وإعادة مصر إلى حظيرة السنة. وفي سبتمبر 1171م، مرض الخليفة العاضد مرضاً شديداً (يُقال إنه سُمَّ).
فجاءت الخطبة التاريخية: في يوم الجمعة 10 سبتمبر 1171م (وقيل 17 سبتمبر)، أمر صلاح الدين الخطباء في مساجد مصر (القاهرة والفسطاط) بأن يذكروا بدلاً من الخليفة الفاطمي اسم الخليفة العباسي “المستضيء بأمر الله”.
يقول المؤرخ عماد الدين الأصفهاني: إن صلاح الدين انتظر حتى مرض العاضد، ثم أخرج خطباء القاهرة من الجامع وألبسهم الخلع السوداء (شعار العباسيين) ليخطبوا للمستضيء.
الشاهد أنَّ صلاح الدين مكث في منصب “وزير” لدولة شيعية باطنية، يدعو فيها لخليفة يعتقد هو وخاصته أنه على باطل، وذلك لأن “الضرورة السياسية” كانت تقتضي توحيد الصف لمواجهة الخطر الصليبي أولاً.
ولكن: هل ما فعله صلاح الدين الأيوبي، ومن وراءه نور الدين زنكي، كان “تحالفاً” مع الفاطميين؟
أهدف من خلال هذا المقال إلى تقديم عرض تاريخي موجز قائم على المصادر المعتمدة، مع تحرير محل النزاع بعيداً عن التبسيط أو التوظيف السياسي.
أولاً: السياق التاريخي العام
في القرن السادس الهجري، كان العالم الإسلامي يشهد حالة من التمزق السياسي، حيث توزعت السلطة بين قوى متعددة، أبرزها:
· الدولة الزنكية في الشام.
· الدولة الفاطمية في مصر.
· الإمارات الصليبية في بلاد الشام.
وقد مثّل الخطر الصليبي عاملًا ضاغطًا أعاد تشكيل التحالفات والخصومات في المنطقة.
ثانياً: استنجاد شاور بنور الدين زنكي:
تذكر المصادر أنّ الوزير الفاطمي شاور، بعد خلعه، استنجد بنور الدين زنكي ليستعيد منصبه، مقابل التزامات مالية وسياسية. فأرسل نور الدين جيشاً بقيادة أسد الدين شيركوه، وكان من بين قادته صلاح الدين الأيوبي.
هذا الحدث يمثل نقطة بداية التداخل السياسي بين الطرفين، لكنه لا يدل على تحالف استراتيجي حقيقي، بل كان تدخلاً عسكرياً مؤقتاً لمصلحة طرف فاطمي ضد آخر.
ثالثاً: طبيعة العلاقة داخل مصر
شهدت العلاقة بين الأطراف الثلاثة (الفاطميون – الزنكيون – الصليبيون) حالة من التقلب المستمر:
1. استعان شاور أولاً بنور الدين.
2. ثم انقلب وتحالف مع الصليبيين ضد شيركوه.
3. ثم تجدد الصراع داخل مصر بين هذه القوى.
وهذا يدل على أنَّ العلاقات كانت سياسة براغماتية وليست تحالفات عقائدية ثابتة.
رابعاً: أهداف نور الدين وصلاح الدين:
تشير المصادر إلى أن أهداف نور الدين تمثلت في الآتي:
· منع سقوط مصر بيد الصليبيين.
· توسيع النفوذ السياسي للدولة الزنكية السنية.
· توحيد الجبهة الإسلامية ضد العدو الخارجي.
في الحقيقة، لا يوجد نص صريح معتبر يثبت أن إسقاط الدولة الفاطمية كان هدفاً معلناً منذ البداية، وإن كان إضعافها جزءاً من التوجه العام .
خامساً: من الوزارة إلى إسقاط الدولة:
بعد وفاة شيركوه، تولى صلاح الدين الوزارة في مصر، ثم عمل تدريجياً على ثلاثة أمور:
· تثبيت نفوذه السياسي.
· تقليص نفوذ الفاطميين.
· إعادة الخطبة للخلافة العباسية سنة 567هـ.
وبذلك انتهت الدولة الفاطمية، وقامت الدولة الأيوبية.
توضيح مهم:
هذا التاريخ يختلف تماماً عمّا يروج له بعضهم من دعوة إلى “تحالف مطلق” مع إيران اليوم في حربها مع أمريكا والكيان، دون وجود دولة واضحة المنهاج في إقامة الدين ونصر المسلمين. فما فعله صلاح الدين كان سياسة محكمة ضمن رؤية شرعية واضحة، لا تحالفاً أعمى.
سادساً: العلاقات السياسية لم تكن خطية، حيث تُظهر المصادر أن العلاقات السياسية في تلك المرحلة كانت معقدة، إذ:
· شهدت تحالفات مؤقتة بين بعض الأطراف والصليبيين.
· حدثت هدن واتفاقات بين قوى مختلفة بحسب المصالح.
وهذا يعكس طبيعة السياسة في ذلك العصر، حيث غلبت الاعتبارات الواقعية على الاصطفافات الثابتة.
ختاماً :
يتضح من خلال هذه الدراسة الموجزة أن العلاقة بين نور الدين وصلاح الدين من جهة، والدولة الفاطمية من جهة أخرى، لم تكن علاقة تحالف دائم ولا قطيعة مطلقة، بل كانت:
تعاملاً سياسياً مرحلياً ضمن سياق معقد، انتهى بإعادة تشكيل الخريطة السياسية وإسقاط الدولة الفاطمية.
ومن ثم، فإن قراءة هذه الأحداث ينبغي أن تكون قراءة تاريخية علمية، تراعي السياق، وتبتعد عن التعميم أو التوظيف المعاصر غير المنضبط.
والله من وراء القصد ؛؛
المصادر:
· الكامل في التاريخ – ابن الأثير.
· الروضتين في أخبار الدولتين – أبو شامة المقدسي.
· النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة – ابن تغري بردي.
· البداية والنهاية – ابن كثير.
· اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا – المقريزي.
· موسوعة اليهودية (عن عزل آخر سلطان فاطمي 1171م).
· الموسوعة البريطانية (عن إعادة مصر للخلافة السنية).
· ويكيبيديا (نسخة أرشيفية محفوظة).
· دراسات أكاديمية عن وزارة صلاح الدين في الدولة الفاطمية.