قبل أسبوعين فقط من الهجوم، أعلنت جمهورية مالي رسميًا، سحب اعترافها بـ”الجمهورية الصحراوية” (البوليساريو) التي كانت تعترف بها منذ 1980، ودعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
زاوية خارجية للرؤية:
مثّل ذلك الموقف المالي صفعة على وجه سياسة جنرالات الجزائر، الذين تشار إليهم الأصابع كداعم أساسي للطوارق المطالبين باستقلال أزواد، باعتبار أن الجزائر هي أكبر مساند لانفصال الجمهورية الصحراوية عن المغرب. في الجهة الأخرى، يُعد نظام غويتا حليفًا استراتيجيًا لدولتي الجوار بوركينا فاسو والنيجر، والذين شكلوا معًا تحالف دول الساحل” الذي تأسس قبل ثلاثين شهرًا، كمعاهدة دفاع مشترك، وتطور لاحقاً ليعرف بـ “كونفدرالية دول الساحل”، وهذا التحالف يُفترض أنه إطار عسكري كان يتعين عليه أن يتدخل في الصراع معززًا قدرة باماكو على الصمود في وجه هذا الهجوم المنسق، لكن ذلك لم يحصل حتى الآن!
والتحالف الذي نسج علاقة قوية مع الروس، واستقدم قوات روسية، والتي غيرت اسمها في الساحل من “شركة فاغنر” إلى “الفيلق الإفريقي” الروسي، أبدى موقفًا مترددًا مهتزًا حيال تلك الهجمات، شأنه شأن الروس أنفسهم الذين طردوا بسهولة من كيدال، وطلبوا من الجماعة والجبهة ممرًا آمنًا للخروج من المدينة الاستراتيجية، وشوهدت عرباتهم تخرج منسحبة منها.
ساد اعتقاد قبل خمسة أعوام بأن الروس قدمت إلى المنطقة لتزيح المحتل التقليدي لدول الساحل، فحطت رحال الروس غداة مغادرة الفرنسيين، غير أن الصورة اليوم تكاد تنقلب في تقدير بعض المحللين الغربيين، ففرنسا التي كانت تدخلت قبل 14 عامًا في مالي بحجة مكافحة الإرهاب ينظر لها اليوم على أنها تتخذ قفازًا جزائريًا للعودة مجددًا إلى مالي، الذهب واليورانيوم بعد أن طُردت منها.
لا مؤشرات ميدانية ولا سياسية تشي بأن فرنسا عائدة، لكن لا مؤشرات أيضًا على أنها ليست ضالعة في دعم عملية – ولو من خلف ستار – قد تؤدي إلى مغادرة روسية لإحدى “مستعمرات” فرنسا، خصوصًا أن فرنسا التي تُعد واحدة من أكبر الدول التي تعادي الجماعات التي تحمل أفكارًا “جهادية”، وحاربت تلك الجماعات بالفعل في عمليتي سرفال وبرخان عامي 2013 و2014 على الترتيب، لا تمانع في تحقيق مصالحها بأي ثمن، ولو بالإيعاز لجنرالات فرنسا بدعم جبهة تحرير الأزواد أو حتى غيرها إذا لزم الأمر؛ فمناورات الفرنسيين التي أباحت لهم من قبل دعم داعش في سوريا عبر شركة “لافارج” قد تغض الطرف عن دعم الجزائر للجبهة أو حتى الجماعة.
أما جنرالات فرنسا في الجزائر، فقد يذهبوا لآخر مدى في مساعيهم، وهم الذين كان رمزهم، الجنرال محمد لعماري – مُخرج العشرية السوداء – يُعد هو زعيم تنظيم الجماعة الإسلامية المسلحة (الجيا) في الجزائر، على حد تعبير أحد ضباط الاستخبارات الجزائريين المنشقين.
والولايات المتحدة الأمريكية التي رفعت اسم وزير الدفاع الراحل ساديو كامارا من قائمة العقوبات المفروضة على بعض قادة باماكو العسكريين، لاعتباره مهندس العلاقات المالية الروسية، وأحد صقور الحلف الساحلي ضد التدخل الغربي في المنطقة، هي أيضًا مُشار إليها كقوة لا تريد للروس التمدد في الساحل، وتُفضل العودة الغربية للساحل لكن ليس عبر فرنسا هذه المرة بل عبرها هي.
هناك تركيا كذلك، التي تردد أن قوة نوعية لها هي من كانت تحمي الجنرال عاصمي غويتا، قائد الانقلاب العسكري الحاكم طوال فترة غيابه القسري إبان الهجوم على أهم المقار والقواعد العسكرية في البلاد، ولديها مصلحتها في غياب فرنسا عن الساحل، والاستثمار في تلك الدول، ولا تمانع في أن تقتسم النفوذ مع الروس في الساحل، مثلما تتقاسمه في مناطق أخرى.
وزاوية أخرى:
هذه قراءات لا نتبناها بالضرورة، لكننا نعرضها كاحتمالات تُفسر ما جرى، وثمة احتمالات أخرى لا تمنح التدخل الخارجي هذا الحجم، ولو كانت شواهده حاضرة في التسليح المتطور للجماعة (الأسلحة النوعية المحمولة على الكتف)، والجبهة (التي تملك مسيرات متطورة ومعلومات استخبارية مميزة)، وكلاهما بالدعم اللوجيستي الذي وصل حد ارتداء مئات (وربما آلاف مثلما يقول الروس) لملابس الجيش المالي أثناء الهجوم.
التفسير الذي يُعظم التأثير المحلي، هو أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ليست بحاجة لدعم خارجي، وهي التي تهيمن على مناجم ذهب، وتتحكم في طرق التجارة الدولية بين مالي وجيرانها، وتُحكم حصارها على العاصمة وبعض مدن مالي، وتسيطر على ما تريد من مؤن ووقود من صادرات وواردات مالي، وبالتالي؛ فالمال لا ينقص المطالبين باستقلال أزواد، ولا العتاد، ولا الطرق المعبدة، كما أن كل القوى المحيطة تعاني من تحديات تجعلها تنكفئ على ذواتها، وحتى الدولية تعاني أيضًا، فروسيا المشغولة بحرب أوكرانيا غير قادرة على مضاعفة قواتها في مالي، وفرنسا المطرودة من المنطقة قد عانت من عمليتي سرفال وبرخان، حتى تراجعت قواتها إلى العاصمة قبل أن تُطرد منها مع انقلاب 2020، والولايات المتحدة لا ترغب في تورط جديد بعد تورطها في الخليج، وتركيا لا تتحرك خارجيًا إلا بحذر، ووفق موازنات دقيقة، وثمة فراغ يمكن للجبهة أو الجماعة أو غيرهما ملؤه، ولهذا؛ فهذا وارد، وذاك أيضًا.
وقد صارت الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها: سيناريو سوريا، أو طالبان، أو الفوضى والفشل، أو الحسم المالي المؤقت والعودة لمربع الصراع، أو التقسيم التقليدي.