📜 الجزء الأول:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد تابعتُ حوارًا عُرض في منصة “مجتمع”، تناول عددًا من القضايا المتعلقة بالتقويم الهجري، والأشهر الحرم، والعقل العربي، والمرجعية الدينية، وتفسير النصوص القرآنية، ومكانة العلماء، ودور الشريعة في حياة الإنسان.
وقد انطلق ضيف الحوار . د. محمد عناد سليمان، وهو باحث سوري في اللغة العربية” من جملة من الفرضيات الفكرية التي بُني عليها كثير من النتائج التي انتهى إليها الحوار، ومن أبرزها:
– أن التقويم الهجري ليس من الدين، لأنه من وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
– أن الأشهر الحرم ارتبطت أساسًا بالمحافظة على تكاثر الحيوانات والثروة البيئية.
– أن التقويم الهجري يعاني من الفوضى وعدم الانضباط بسبب انتقاله بين الفصول.
– أن العقل العربي يركن إلى الجاهز ويتبع الآباء دون نظر أو بحث.
– أن الحلال والحرام من أهم أسباب الأزمة الحضارية للعقل العربي.
وليس المقصود من هذه الوقفات مصادرة حق السؤال أو البحث أو الاجتهاد، فإن الإسلام دين البرهان والنظر والاستدلال، وإنما المقصود مناقشة هذه المزاعم الخطيرة في ضوء النصوص الشرعية، وفهم علماء الأمة، وقواعد البحث العلمي المنضبط.
أولًا: الأشهر الحرم بين الدين القيم والتفسير المادي
منطلق الباحث في تفسير الأشهر الحرم أنها شُرعت أساسًا من أجل المحافظة على تكاثر الحيوانات البرية، وأن الفوضى التي وقعت في هذا الباب كانت من أسباب انقراض بعض الحيوانات واتساع التصحر.
وهذا التفسير يمثل نموذجًا متخلفاً في الخطاب الحداثي المعاصر، وهو محاولة رد الأحكام الشرعية إلى علل مادية أو اجتماعية محضة، وإغفال بعدها التعبدي الذي هو أصل التشريع.
ولا شك أن الأحكام الشرعية قد تترتب عليها مصالح بيئية أو اقتصادية أو اجتماعية، لكن الفرق كبير بين القول بوجود حكم ومصالح تابعة، وبين القول إن تلك المصالح هي العلة الوحيدة التي من أجلها شُرع الحكم.
فالقرآن الكريم حين تحدث عن الأشهر الحرم لم يربطها بتكاثر الحيوانات، وإنما ربطها بالدين القيم، فقال تعالى:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: 36].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
“يخبر تعالى عن حكمه في خلقه أن السنة عنده في كتاب الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم، على ما كانت عليه منذ خلق الله السموات والأرض”.(1)
فربط القرآن هذه الأشهر بأصل النظام الزمني الذي وضعه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، وربطها بالدين القيم، لا بالاعتبارات البيئية المجردة.
ثم إن النصوص الشرعية لم تجعل الأشهر الحرم مواسم عامة لتحريم الصيد أصلًا، وإنما جاء تحريم الصيد متعلقًا بالإحرام أو بالحرم.
قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95].
فالتحريم هنا متعلق بحال الإحرام، لا بكون الزمان من الأشهر الحرم.
ومن هنا يظهر أن بناء نظرية كاملة حول حماية الثروة الحيوانية على أساس الأشهر الحرم يفتقر إلى الدليل الشرعي.
أما الزعم بأن التصحر أو انقراض الحيوانات كان نتيجة مباشرة لعدم الانضباط في هذه المسألة، فهو دعوى تاريخية وبيئية تحتاج إلى دراسات موثقة وأدلة علمية مفصلة، لا إلى مجرد افتراضات عامة يصرح بها بادئ الرأي .
والمنهج العلمي يقتضي أن تُبنى الأحكام الكبرى على الأدلة، لا على الظنون أو التخمينات.
ثانيًا: الدعوة إلى إضافة شهر كل عدة سنوات وإحياء النسيء بصورة جديدة
بنى الباحث على ما سبق دعوته إلى إضافة شهر كل عدة سنوات بحجة ضبط المواسم والفصول، واعتبر أن انتقال رمضان والحج بين فصول السنة يمثل نوعًا من الفوضى وعدم الانضباط.
وهنا ينبغي التمييز بين نوعين من الانضباط:
الأول: الانضباط الفلكي.
والثاني: الثبات على الفصول.
فالتقويم الهجري منضبط غاية الانضباط من الناحية الفلكية؛ لأنه قائم على دورة القمر حول الأرض.
لكن الباحث لا يقصد هذا النوع من الانضباط، وإنما يقصد ثبات الشهور في الفصول نفسها.
وهذا أمر آخر مختلف تمامًا.
بل إن الإسلام جاء أصلًا لإلغاء هذا النوع من الربط بين الشهور والفصول عن طريق إبطال النسيء الذي كانت تفعله العرب في الجاهلية.
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 37].
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله:
“كانوا يحلّون المحرم عامًا ويحرمون صفر عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله”.(2)
ومعنى ذلك أنهم كانوا يتصرفون في نظام الأشهر من أجل المحافظة على أغراضهم ومصالحهم الزمنية.
ومن هنا فإن إضافة شهر كل عدة سنوات من أجل تثبيت المواسم والفصول لا تختلف في جوهرها عن المبدأ الذي جاء القرآن بإبطاله، وإن اختلفت المبررات والأسماء.
واللافت أن الباحث وصف انتقال رمضان والحج بين الفصول بأنه “فوضى”، مع أن هذا الانتقال نفسه من أعظم مظاهر العدالة في الشريعة.
فلو ثبت رمضان دائمًا في الصيف لتحمل أهل أجيال كاملة مشقة الصيام في الحر، بينما نجا غيرهم منها.
أما دوران الشهور القمرية على جميع الفصول فإنه يحقق نوعًا من المساواة بين الأمم والأجيال.
ولهذا لم يعتبر المسلمون عبر أربعة عشر قرنًا هذا الأمر خللًا في التقويم، بل عدّوه جزءًا من خصائصه ومحاسنه.
وفي حجة الوداع قال النبي ﷺ:
«إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا…» متفق عليه.
فالنبي ﷺ لم يعتبر المشكلة في دوران الشهور بين الفصول خللًا يحتاج إلى إصلاح، بل أعلن أن هذا هو الوضع الصحيح الذي أراده الله.
إذن التنقل بين الفصول مقصود شرعًا
رمضان والحج لا يثبتان في فصل معين، بل يدوران على جميع فصول السنة.
ومن حكم ذلك:
تحقيق العدل بين المسلمين عبر الأجيال.
أن يأتي الصوم أحيانًا في الحر وأحيانًا في البرد.
وأن يأتي الحج في مختلف الفصول.
وألا ترتبط العبادات بمناخ منطقة معينة.
ولو ثبت رمضان والحج في فصل واحد دائمًا لكان في ذلك تفضيل لبعض الأمم والأجيال على بعض.
أمّا الزعم الأخرق بوجود “فوضى” في رمضان والأشهر القمرية، فهو أبعد ما يكون عن الفهم والعلم الصحيح
فالتقويم القمري من أقدم وأدق الأنظمة الزمنية المعروفة، وما زال معتمدًا عالميًا في الحسابات الفلكية. نعم، السنة القمرية أقصر من الشمسية بنحو أحد عشر يومًا، لكن هذا ليس “فوضى”، بل خاصية معروفة ومقصودة.
والقرآن جعل الأهلة معيارًا زمنيًا:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].
فجعل الله الهلال نفسه أساس المواقيت الشرعية.
ومن الناحية العلمية والتاريخية
جميع الأمم تقريبًا استخدمت أحد ثلاثة أنظمة:
– تقويم قمري خالص (كالتقويم الهجري).
– تقويم شمسي خالص.
– تقويم قمري-شمسي مع إضافة أشهر كبيسة (كما عند اليهود وبعض الحضارات القديمة).
والإسلام اختار عمدًا النظام القمري الخالص وأبطل النسيء، فلا يصح بعد ذلك الادعاء بأن النظام يحتاج إلى تعديل؛ لأن التعديل المقترح يلغي الصفة التي نص عليها القرآن والسنة.
فالخلاصة أن معيار القرآن غير معيار الفصول
القرآن لم يقل: “جعل الله الشمس لتعرفوا مواسم الزراعة.”
بل قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾.
وقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾.
فالمعيار الشرعي للمواقيت التعبدية هو الأهلة.
ومن هنا فإن المسلم لا يحاكم التقويم الهجري إلى وظيفة لم يُنشأ لها أصلًا.
ويدعي الباحث بأن ما توصل إليه ليس تغييرا في الدين وإنما هو من الإبداع والفكر الحر ، وهذا خلط متعمد بين الاجتهاد في فهم النص وبين تغيير ما قرره النص.
فالاجتهاد يكون في المسائل التي تحتمل النظر، أما إذا جاء النص القطعي فلا يسمى مخالفته اجتهادًا.
فمثلًا:
لو اجتهد شخص في تفسير آية أو في ترجيح قول فقهي بين أقوال معتبرة فهذا اجتهاد.
أما لو قال: الصلوات ليست خمسًا بل ست، أو رمضان ينبغي أن يثبت في فصل معين بإضافة شهر كل عدة سنوات، فهذا ليس اجتهادًا في النص بل تغيير للحكم الذي جاء به النص.
ولهذا فإن الله لم يقل: عدة الشهور تقريبًا اثنا عشر شهرًا، وإنما قال:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾
ولم يكتف بذلك، بل أبطل النسيء صراحة.
فإذا جاء شخص بعد ذلك واقترح نظامًا يجعل السنة الشرعية في بعض السنين ثلاثة عشر شهرًا فقد وقع في عين ما أبطله القرآن، مهما سمّاه “تطويرًا” أو “إبداعًا”.
ولهذا فالقضية ليست صراعًا بين “حرية التفكير” و”الاستبداد”، وإنما بين:
أمر شرعي قطعي.
واقتراح يصادم هذا الأمر القطعي.
ومن العجيب أنّ هذا الباحث ذهب يضرب لنا مثلا بالتاريخ الغريغوري وأن غريغور لما اكتشف الخطأ وكلم بذلك القيصر لم يستبد خلافاً لما يفعله علماء الإسلام وهذا قياس فاسد، بل المثال في الحقيقة حجة عليه لا له.
لأن الفرق الجوهري أن:
التقويم الغريغوري تقويم بشري
فقد وُضع أصلًا لضبط السنة الشمسية، ثم اكتشف الفلكيون وجود خطأ متراكم في حسابه، فجرى تصحيحه.
أي أن المشكلة كانت:
خطأ في حساب بشري، فأصلحه بشر.
أما التقويم الهجري فليس المقصود منه مطابقة السنة الشمسية أصلًا.
بل هو مبني على دورة القمر.
ولهذا فإن انتقال رمضان بين الفصول ليس خطأً يحتاج إلى إصلاح، بل هو نتيجة طبيعية للنظام الذي اختاره الشرع.
فهو يشبه أن يقول شخص: “ساعة الحرارة لا تقيس الوزن، إذن هي معيبة وتحتاج إلى تعديل.”
بينما هي لم تُصنع أصلًا لقياس الوزن.
وكذلك التقويم الهجري: لم يُنشأ لضبط الفصول، بل لضبط الأشهر القمرية والعبادات المرتبطة بها.
فإذا قيل: يجب إضافة شهر حتى يبقى رمضان في نفس الفصل، فهذا ليس إصلاحًا للتقويم، بل تحويله من تقويم قمري إلى قمري-شمسي، وهو عين ما أبطله الإسلام بإلغاء النسيء.
ثالثًا: الخلط بين التقويم والتأريخ
ومن أهم المقدمات التي بُنيت عليها نتائج الحوار قول الباحث إن التقويم الهجري ليس مقدسًا؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي وضعه.
وهذا الكلام مبني على خلط بين “التقويم” و”التأريخ”.
فالشهور القمرية نفسها كانت معروفة قبل الإسلام بقرون طويلة، وأقرها القرآن الكريم وربط بها الصيام والحج والزكاة والعدة والكفارات وسائر الأحكام الشرعية.
قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189].
وقال النبي ﷺ:
«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».(3)
فالنظام الزمني الذي تقوم عليه العبادات الإسلامية قائم على الأهلة منذ عهد النبوة.
أما الذي فعله عمر رضي الله عنه فهو اختيار الهجرة النبوية مبدأً لعدّ السنين.
فهو وضع للتأريخ، لا للتقويم.
ولهذا ترجم الإمام البخاري رحمه الله بقوله:
“باب التاريخ”.
ولم يقل: باب التقويم.
فالكلام عنده في مبدأ التأريخ وعدّ السنين، لا في إنشاء نظام الشهور.
ومن هنا يتبين أن الاستدلال بكون عمر رضي الله عنه هو الذي اعتمد التاريخ الهجري لا يصلح ذريعة للمطالبة بتغيير النظام الزمني الذي أقره القرآن والسنة.
كما زعم الباحث أن المسلمين لو سئلوا: ما التقويم الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم قبل وضع عمر للتاريخ؟ لما وجدوا جوابًا.
والجواب واضح لا إشكال فيه.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يستعملون الشهور القمرية نفسها المعروفة اليوم.
لكن لم يكن قد جُعل حدث معين مبدأً موحدًا لترقيم السنين.
فوجود الشهور شيء، وترقيم السنوات شيء آخر.
والخلط بينهما هو أصل الإشكال كله.
من هنا يتضح لنا جلياً أنّ نظام الشهور القمرية، ليس من وضع عمر رضي الله عنه، ولا من وضع أحد من البشر.
بل هو ثابت بالقرآن والسنة:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾
وقول النبي ﷺ: «السنة اثنا عشر شهرًا».
فهنا لا نتكلم عن اجتهاد عمر، بل عن نصوص شرعية قطعية.
إن عمر رضي الله عنه جعل الهجرة مبدأً للتأريخ، وهذا الذي اجتهد فيه بموافقة الصحابة.
فلو فرضنا أن المسلمين اتفقوا على جعل:
مولد النبي ﷺ،
أو البعثة،
أو فتح مكة،
مبدأً للتأريخ، لما تغير شيء من أحكام الدين.
لأن التأريخ شيء، ونظام الشهور شيء آخر.
ولهذا فإن العلماء يقولون: التأريخ بالهجرة اجتهاد صحابي راشد أجمعت عليه الأمة.
موضع الخلط عند هذا الباحث والمقدم الذي يهز رأسه موافقاً ، هو أنه ينتقل من مقدمة صحيحة إلى نتيجة باطلة.
المقدمة الصحيحة:
عمر رضي الله عنه هو الذي جعل الهجرة مبدأً للتأريخ.
ثم يقفز إلى النتيجة:
إذن يجوز تغيير نظام السنة والشهور.
وهذا لا يلزم.
فإن اختيار رقم السنة شيء، وبنية التقويم شيء آخر.
مثال ذلك:
لو قررت دولة أن تبدأ عدّ السنين من استقلالها بدلًا من ميلاد المسيح، فإنها لم تغير التقويم الشمسي نفسه.
وكذلك لو غيّر المسلمون مبدأ التأريخ -على سبيل الفرض النظري- لما تغير رمضان ولا الحج ولا الأشهر الحرم.
أما إضافة شهر كل بضع سنوات فتغيير لبنية النظام نفسه
ثم بعد كل هذه الحقائق الدامغة يزعم الباحث بأن العرب المسلمين اليوم ليس عندهم تقويم وإنما عندهم تأريخ ويوافقه د . باسم الجمل بأنه تقويم اعتباطي !!
كبرت كلمة تخرج من أفواههم ،
إنّ التقويم الهجري منضبط غاية الانضباط، فهو ليس نظامًا عشوائيًا، بل قائم على حقائق فلكية ثابتة:
– الشهر القمري يدور مع دورة القمر.
– السنة القمرية تتكون من اثني عشر شهرًا.
– طولها يقارب 354 يومًا.
وهذا الانضباط لم يتغير منذ عهد النبي ﷺ إلى اليوم.
فأين الاعتباط والفوضى؟
الفوضى تكون عندما لا يمكن التنبؤ بالنظام أو حسابه، بينما الفلكيون يستطيعون حساب الأشهر القمرية بدقة عالية جدًا.
وادعى الباحث بأن التاريخ الميلادي والذي دمج بينه وبين التاريخ الشمسي أنه منضبط يعني بخلاف التاريخ الهجري فإنه غير منضبط
وهذه من المفارقات الغريبة أن من يصف الهجري بالفوضى يمدح تقويمًا تاريخه مليء بالإصلاحات.
فالتقويم المستخدم عالميًا اليوم مر بمراحل:
التقويم الروماني القديم.
ثم التقويم اليولياني.
ثم التقويم الغريغوري.
مع حذف أيام كاملة من بعض السنوات عند الانتقال بين الأنظمة.
وكل ذلك بسبب الحاجة إلى معالجة الفروق المتراكمة.
أما التقويم الهجري فلم يحتج إلى تغيير بنيته الأساسية منذ أربعة عشر قرنًا.
رابعًا: اتهام العقل العربي بالكسل والتقليد
انتقل الحوار بعد ذلك إلى الحديث عن “العقل العربي”، وسأل المقدم سؤالاً جوهرياً يبين لنا منطلق هذه الحلقات وهذا البرنامج يقول لماذا هذا الكسل العربي التقليدي ومتابعة الآباء
وهذا السؤال يكشف غالبًا عن الإطار الفكري الذي تُدار ضمنه بعض هذه الحوارات.
فالسؤال ليس بريئًا تمامًا من حيث الصياغة؛ لأنه يتضمن عدة افتراضات مسبقة:
– أن الرأي المطروح هو “حقيقة” مكتشفة.
– وأن العلماء والأمة تجاهلوها بسبب الكسل.
– وأن التمسك بالموروث سببه التقليد الأعمى لا قوة الدليل.
وهذه كلها أمور تحتاج إلى إثبات قبل البناء عليها.
فلو جاء شخص بنظرية جديدة في النحو أو التاريخ أو الفقه، لا يقال مباشرة:
لماذا يتمسك الناس بالموروث؟
بل يقال أولًا:
هل النظرية الجديدة صحيحة أصلًا؟
لأن كثيرًا من الآراء الجديدة تُرفض لا لأنها جديدة، بل لأنها ضعيفة الدليل.
وكرر الباحث والمقدم أن هذا العقل يركن إلى الجاهز ويتبع الآباء ولا يمارس البحث والنقد.
واستُدل على ذلك بآيات القرآن التي تذم اتباع الآباء.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن القرآن لم يذم موافقة الآباء بإطلاق.
وإنما ذم اتباعهم حين يكونون مخالفين للحق والوحي.
قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170].
فالذم هنا لترك الوحي من أجل الآباء.
أما من وافق آباءه لأنهم وافقوا الدليل، فليس داخلًا في الذم أصلًا.
والمفارقة هنا
أن هؤلاء كثيرًا ما يذمون “اتباع الآباء”، ثم يقبلون أفكارًا غربية أو حداثية لمجرد أنها جديدة أو مخالفة للموروث.
فالميزان ليس: قديم أو جديد.
بل: صحيح أو باطل.
فالقرآن نفسه ذم من قالوا:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾
لأنهم ردوا الوحي.
لكن القرآن نفسه أمر باتباع الأنبياء والصالحين وأهل العلم.
إذًا ليس كل اتباع مذمومًا، كما أن ليس كل مخالفة محمودة.
ولهذا فرق العلماء دائمًا بين الاتباع المشروع والتقليد المذموم.
وبيّن الإمام الشاطبي رحمه الله أن المذموم هو التقليد مع الإعراض عن الدليل وترك النظر فيما أنزل الله.(4)
ثم إن وصف أمة كاملة أو حضارة كاملة بالكسل العقلي لا يصلح حجة علمية.
فالحقائق لا تثبت بالأوصاف العامة، وإنما تثبت بالبراهين.
ولو كان مجرد مخالفة المألوف فضيلة في نفسه لكان كل قول شاذ أولى بالقبول من غيره.
والواقع أن الحضارة الإسلامية نفسها قامت على البحث والنقد والمناظرة والاجتهاد، وأنتجت مدارس متنوعة في الفقه والكلام والتفسير واللغة والطب والفلك والرياضيات.
فكيف يجتمع هذا التاريخ العلمي الطويل مع دعوى أن العقل الإسلامي لم يعرف البحث أصلًا؟
***********************
يتبع في الجزء الثاني:
جعل الحلال والحرام أزمة حضارية.
اتهام العلماء بالسطوة الدينية.
تحريف مفهوم الكفر في قصة صاحب الجنتين.
الزعم بأن الشرك هو ادعاء الثبات.
إساءة فهم قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود.
الحواشي
(1) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة التوبة، الآية (36).
(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة التوبة، الآية (37).
(3) أخرجه البخاري (1909)، ومسلم (1081).
(4) ينظر: الشاطبي، الموافقات، كتاب الاجتهاد والتقليد.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب