بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد تابعتُ حوارًا عُرض في منصة “مجتمع”، تناول عددًا من القضايا المتعلقة بالتقويم الهجري، والأشهر الحرم، والعقل العربي، والمرجعية الدينية، وتفسير النصوص القرآنية، ومكانة العلماء، ودور الشريعة في حياة الإنسان.
وقد انطلق ضيف الحوار . د. محمد عناد سليمان، وهو باحث سوري في اللغة العربية” من جملة من الفرضيات الفكرية التي بُني عليها كثير من النتائج التي انتهى إليها الحوار، ومن أبرزها:
– أن التقويم الهجري ليس من الدين، لأنه من وضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
– أن الأشهر الحرم ارتبطت أساسًا بالمحافظة على تكاثر الحيوانات والثروة البيئية.
– أن التقويم الهجري يعاني من الفوضى وعدم الانضباط بسبب انتقاله بين الفصول.
– أن العقل العربي يركن إلى الجاهز ويتبع الآباء دون نظر أو بحث.
– أن الحلال والحرام من أهم أسباب الأزمة الحضارية للعقل العربي.
الجزء الثاني:
خامسًا: جعل الحلال والحرام أزمة حضارية :
أبدأ المناقشة في الجزء الثاني بما ورد في جواب الباحث بأن هناك ثلاثة معايير هي التي أسهمت في تكوين العقل العربي المصاب بالكسل، وهي :
– المعيار الاجتماعي المتمثل في العادات والتقاليد
– والمعيار الديني المتمثل في الحلال والحرام
– والمعيار السياسي المتمثل في المسموح والممنوع به .
– وأنّه لا بد من تغيير ما سبق، لمعالجة تخلف العقل العربي الاسلامي و تعافيه من قبوله كل ما هو جاهز ! .
إنّ هذا الكلام يكشف أن القضية عند الباحث ليست قضية التقويم الهجري في حقيقتها، وإنما هي جزء من مشروع فكري أوسع يتعلق بإعادة تشكيل المرجعيات التي تحكم التفكير والسلوك.
فلو تأملت كلامه تجد أنه لا يناقش شهرًا قمريًا أو مسألة تاريخية فحسب، بل يتحدث عن:
المرجعية الاجتماعية (العادات والتقاليد).
المرجعية الدينية (الحلال والحرام).
المرجعية السياسية (المسموح والممنوع).
ثم يقول إن هذه المرجعيات ينبغي أن تتغير حتى يتغير العقل العربي.
وهنا ينبغي التفريق بين أمور مهمة:
أولًا: ليست هذه المرجعيات في مرتبة واحدة
ومن الخطأ وضعها في سلة واحدة.
فالعادات والتقاليد شيء.
والأنظمة السياسية شيء.
أما الحلال والحرام فشيء آخر تمامًا عند المسلم.
لأن العادات قابلة للتغيير.
والأنظمة السياسية من صنع البشر.
أما الحلال والحرام فمرجعهما الوحي.
فإذا قيل: يجب مراجعة بعض العادات الاجتماعية. فهذا كلام محتمل.
أما إذا قيل: يجب تجاوز معيار الحلال والحرام لكي يتحرر العقل.
فهنا لم يعد الكلام عن تطوير التفكير، بل عن تغيير المرجعية نفسها.
إنّ الحلال والحرام في التصور الإسلامي ليسا نتاجًا ثقافيًا أو اجتماعيًا أنتجه الفقهاء، وإنما هما جزء من الوحي المنزل، قال تعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
وقال سبحانه:
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65].
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن: “ليس لأحد أن يخرج عن الشريعة المحمدية في باطن ولا ظاهر”.(1)
كما قال: “فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله”.(2)
بل إنّ مسائل الحلال والحرام هي صادرة من الله تعالى وحده، عن طريق الوحي المنزل قرآناً وسنة، ولا يحلّ لأي أحد، كائناً من كان أنّ يتجرأ فيقول: هذا حلال لِما حَرَّمه الله، وهذا حرام لِما أحَلَّه الله؛ ليختلق على الله الكذب بنسبة التحليل والتحريم إليه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلࣱ وَهَـٰذَا حَرَامࣱ لِّتَفۡتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا یُفۡلِحُونَ ﴾ [النحل ١١٦]
ومن هنا فإن تصوير الحلال والحرام بوصفهما عائقًا حضاريًا هو في حقيقته اعتراض على وظيفة الوحي في حياة الإنسان.
ثانيًا: كل عقل في العالم له مرجعية حاكمة، وهذه نقطة يغفل عنها كثير من الحداثيين.
فليس هناك إنسان يفكر في فراغ.
الغربي نفسه تحكمه معايير:
– القانون والدستور.
– حقوق الإنسان بصيغتها المعاصرة.
– قيم المجتمع السائدة.
– المحرمات الفكرية والثقافية الموجودة في بيئته.
فليس صحيحًا أن هناك عقلاً متحررًا من كل قيد.
السؤال الحقيقي هو:
ما المرجعية التي ينبغي أن تضبط التفكير؟ لا أن نقول : هل يوجد ضابط أم لا؟
ثالثًا: الحلال والحرام ليسا عائقًا للتفكير
وهذه من أكبر المغالطات.
فالحضارة الإسلامية التي أنشأت علوم:
الفقه، وأصول الفقه والحديث، والفلك.
والرياضيات، والطب.
والحضارة التي أنتجت الخوارزمي وابن الهيثم والبيروني والرازي وابن النفيس وغيرهم، كانت قائمة على الإيمان بالحلال والحرام لا على إلغائهما.
ولم يكن الاحتكام إلى الشريعة مانعًا من الإبداع العلمي، بل كان جزءًا من المنظومة الحضارية التي أنشأت ذلك الإبداع.
فكيف يكون هذا المفهوم سببًا في تعطيل العقل، بينما نشأت في ظله قرون طويلة من الإنتاج العلمي؟
بل إن كثيرًا من أعظم العقول الإسلامية كانت أكثر الناس تعظيمًا للنصوص الشرعية.
رابعًا: هل المطلوب تحرير العقل أم تحرير الشهوة؟ هنا سؤال جوهري.
عندما يقول بعض المفكرين:
يجب تجاوز الحلال والحرام.
فغالبًا لا يكون المقصود:
تطوير الرياضيات.
أو تطوير الفيزياء.
أو تطوير الهندسة.
بل يكون المقصود إعادة النظر في الأحكام الشرعية المتعلقة بالسلوك والأخلاق والأسرة والهوية.
ولذلك فإن القضية في كثير من الأحيان ليست قضية معرفية، بل قضية قيمية.
خامسًا: القرآن نفسه يدعو إلى التفكير لكنه لا يفصل التفكير عن الوحي
فالقرآن أكثر كتاب دعا إلى: النظر والتفكر والتعقل والتدبر.
لكنه في الوقت نفسه جعل للوحي سلطة مرجعية، فلم يقل: فكروا بلا حدود ولا مرجعية بل قال: ﴿أفلا يتدبرون﴾ وقال: ﴿أفلا تعقلون﴾
وقال: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾.
فالإسلام لا يلغي العقل، ولا يؤله العقل.
بل يجعل العقل أداة لفهم الحق، لا مصدرًا مستقلًا فوق الوحي.
إذن يتبين لنا مما سبق أن اعتراض الباحث على التقويم الهجري ليس مسألة فلكية أو تاريخية بحتة، وإنما ينبع من رؤية أوسع ترى أن المرجعية الدينية نفسها – ممثلة بالحلال والحرام – أحد العوائق التي ينبغي تجاوزها لإعادة تشكيل العقل العربي. وهنا ينتقل النقاش من البحث في التقويم أو التاريخ إلى نقاش أعمق يتعلق بمصدر المعرفة والمرجعية: هل المرجعية النهائية هي الوحي أم العقل الإنساني المجرد؟ وهذا هو جوهر الخلاف الحقيقي في مثل هذه الطروحات.
سادسًا: اتهام العلماء والمؤسسات الدينية بالسطوة الدينية
كرر الباحث أن المؤسسات الدينية تتمسك بهذه المفاهيم لأنها تمارس نوعًا من “السطوة الدينية”، وأنها لا تملك بدائل فكرية حقيقية.
وهذا لون من الجدل شائع في الخطابات الأيديولوجية الحديثة، حيث يُستبدل النقاش العلمي بتحليل النيات والدوافع النفسية والاجتماعية.
والسؤال المنهجي هنا:
هل تصبح الفكرة باطلة لأن قائلها يريد النفوذ؟
وهل تصبح الفكرة صحيحة لأن صاحبها يرفع شعار الحرية؟
إن الحقائق لا تثبت بتحليل النيات، وإنما تثبت بالأدلة.
وقد كان القرآن نفسه يناقش الحجج والبراهين لا الدوافع النفسية فقط.
فالله تعالى لم يكتف بوصف المشركين، بل أقام عليهم الأدلة العقلية والنقلية.
ولهذا فإن الواجب عند مناقشة العلماء هو مناقشة أدلتهم.
أما اختزال التراث الفقهي والتفسيري والعقدي كله في كونه وسيلة للهيمنة الاجتماعية، فليس بحثًا علميًا، بل تفسير أيديولوجي للتاريخ.
ثم إن المؤسسات العلمية الإسلامية عبر القرون لم تكن سلطة واحدة تحتكر الرأي، بل كانت مدارس متعددة ومذاهب واتجاهات ومناظرات ومناقشات واسعة.
وهذا التنوع العلمي نفسه يكفي لإبطال الصورة التبسيطية التي قدمها الحوار.
سابعًا: تحريف مفهوم الكفر في قصة صاحب الجنتين
ومن أخطر ما طُرح في الحوار إعادة تفسير مفهوم الكفر في قصة صاحب الجنتين.
فقد زعم الباحث أن قوله تعالى:
﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الكهف: 37]
لا يراد به الكفر المعروف عند علماء العقيدة، وإنما يراد به مجرد التكذيب أو الجحود بالمعنى اللغوي.
بل أوحى كلامه بأن العلماء لم ينتبهوا أصلًا إلى هذه القضية.
والواقع أن هذا من أبعد ما يكون عن الحقيقة.
فقد تناول المفسرون هذه الآيات بالتفصيل منذ القرون الأولى.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
“أي: أجحدت الذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلًا”.(3)
ولم يقف السياق عند هذه الآية وحدها، بل جاءت بعدها أقوال صاحب الجنتين:
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾.
ثم جاء رد المؤمن عليه:
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾.
فالسياق كله يدور حول الإيمان بالله والبعث والشرك والتوحيد.
ولهذا لم يفهم أحد من المفسرين المعتبرين أن القضية مجرد اختلاف لغوي حول معنى كلمة “كفر”.
والمشكلة المنهجية هنا هي محاولة إلغاء المعاني الشرعية للمصطلحات وردها إلى جذورها اللغوية المجردة.
فكما أن الصلاة في الشريعة ليست مجرد الدعاء، والزكاة ليست مجرد النماء، والحج ليس مجرد القصد، فكذلك الكفر والشرك لهما معان شرعية مستقرة في خطاب القرآن والسنة.
ثامنًا: الزعم بأن الشرك هو ادعاء الثبات
ومن أعجب ما قيل في الحوار تفسير قوله تعالى:
﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾
بأن صاحبه كان يرد على ادعاء الثبات، وأن الثبات من صفات الخالق، وأن المجتمعات التي تدعي الثبات تقع في نوع من الشرك.
وهذا التفسير يصطدم بالقرآن كله تقريبًا.
فالقرآن لم يجعل الثبات على الحق مذمومًا، بل جعله من أعظم الفضائل.
قال تعالى:
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27].
وقال سبحانه:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112].
وقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30].
وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“الاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو دين الله الذي بعث به رسله”.(4)
وقال أيضًا:
“أعظم الكرامة لزوم الاستقامة”.(5)
فالثبات على الوحي والاستقامة على الحق من أعظم مقامات العبودية.
أما ادعاء العصمة أو الكمال المطلق فشيء آخر لا علاقة له بالثبات على المبادئ والقيم.
ومن هنا يتبين أن تحميل الآيات معنى أن التمسك بالثوابت لون من الشرك تحميل للنص ما لا يحتمله لغة ولا سياقًا ولا تفسيرًا.
تاسعًا: إساءة فهم حوار إبراهيم عليه السلام مع النمرود
ومن أغرب ما ورد في الحوار الربط بين قول النمرود:
﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: 258]
وبين سؤال إبراهيم عليه السلام بعد ذلك:
﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 260].
وكأن إبراهيم عليه السلام تأثر بحجة النمرود أو أصابه نوع من الشك بسببها.
وهذا الفهم يصطدم بصريح القرآن.
فالقرآن يقول في نهاية مناظرة النمرود:
﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾.
أي إن النمرود هو الذي انقطع بالحجة وعجز عن الجواب.
أما إبراهيم عليه السلام فقد قال لربه:
﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
وقد قال الإمام الطبري رحمه الله:
“لم يكن سؤاله ربه ذلك شكًا منه في قدرة الله على إحياء الموتى، ولكنه أحب أن يعلم ذلك عيانًا”.(6)
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله:
“أي أريد أن أترقى من علم اليقين إلى عين اليقين”.(7)
ولهذا أجمع المفسرون على أن سؤال إبراهيم عليه السلام كان سؤال زيادة يقين ومشاهدة، لا سؤال شك أو تردد.
ومن هنا فإن ربط هذه الآيات بمناظرة النمرود على النحو الذي ورد في الحوار ليس له أصل في كتب التفسير المعتمدة.
يتبع في الجزء الثالث:
بين قبول الآخر وإلغاء الحق والباطل.
الرسالات السماوية بين خدمة الإنسان وعبودية الله.
ثقافة الحياة وثقافة الموت.
الخاتمة العامة والتقييم الفكري للاتجاه المطروح في الحوار.
قائمة المراجع النهائية.
********
الحواشي
(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 19/5.
(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 35/366.
(3) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة الكهف، الآية (37).
(4) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 1/37.
(5) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 11/298.
(6) الطبري، جامع البيان، تفسير سورة البقرة، الآية (260).
(7) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة البقرة، الآية (260).