كما إخوانهم من المسلمين في ولايات هندية هي الأشد ضراوة على المسلمين، كأوتار براديش وأوتار آخاند، وفي تركستان الشرقية، الذين تتملكهم الحيرة في أن يستكينوا طلبًا للنجاة في ظل معادلة قوى طائشة باطشة، أو أن ينتفضوا في وجوه المستبدين، يتردد مسلمون من الروهينغيا في مخيمات اللاجئين في كوكس بازار ببنغلادش، وإخوانهم في أراكان المحتلة من قبل النظام العسكري في ميانمار، والتي أمست تعاني من خصمين يتبادلان قمع أبنائها وإذلالهم في القرى الروهينغية بولاية أراكان، في أن ينضم أبناؤهم إلى جيش إنقاذ أراكان روهينغيا (ARSA) ومنظمة تضامن الروهينغيا (RSO)، الجهتان التي تحمل السلاح دفاعًا عن مسلمي أراكان بمستوى قتالي ضعيف أو ينأوا بأنفسهم عن خوض معارك محكومة سلفًا بالهزيمة.
من قريب، في شهر أغسطس الماضي وحده، كان المسلمون في القرى الأراكانية يشكون بأسى عن تغول جيش تحرير أراكان البوذي الإجرامي، الذي بات يختار فتيات المسلمين لتجنيدهم، وإلا قتل الرجال، على شاكلة ما كان يفعل حزب العمال الكردستاني (PKK) (الأرمني القيادة والتوجيه)، وكانوا يشكون أيضًا من فرض الجيش البوذي المناوئ لسلطة النظام الميانماري العسكري – والذي يوجه تسعة أعشار سهامه للمسلمين، والعاشرة للنظام! – أوامره العبثية باستئذان كل روهينغي يقع تحت سلطتهم، يزور أقاربه في قرية أخرى مجاورة، وإلا تعرض للتهجير! وقبلها شكاوى متعددة من سرقة المحاصيل والأبقار وفرض الإتاوات على من ينجو من تعذيب جلاوزة الجيش.
هذا الهوان الذي يتعرض له كل من أبقتهم سلطة ميانمار على قيد الحياة بعد أن حرقت قرى إخوانهم وقتلت وشردت أكثر من مليون ونصف روهينغي خلال العقود الماضية، وألجأتهم – ولم تزل – إلى قوارب الموت، وهم يفرون من الموت إليه طمعًا في الوصول إلى مخيمات اللاجئين في بنغلاديش المجاورة التي لا تحسن استقبالهم هي الأخرى، لكن “بعض الشر أهون من بعض”، يجعل كل مسلم من الروهينغيا أو ممن يهتم لأمرهم من المسلمين يسأل: كيف يمكن الخلاص من كل هذا الهوان؟
وبعض الإجابات قد تبدو منطقية للوهلة الأولى؛ فمن قائل بالانحناء لعاصفة البطش حتى تتهيأ أرضية ملائمة لنيل بعض الحقوق، والاستجابة للحلول التي تحاول بنغلاديش تبنيها أثناء مفاوضاتها مع سلطة ميانمار أو السلطة الفعلية لجيش أراكان البوذي في الولاية شبه المستقلة، ومن قائل: لا حل إلا برفع السلاح، سواء أكان في وجه القوات الحكومية أو المتمردة، ومن قائل: لابد من الإصلاح الداخلي والاهتمام بالنشء وصب كل الجهود في اتجاه حفظ النفوس وما تبقى من أموال.
والواقع أن ترجيح كفة هذا الحل أو ذاك، أو العمل على المزج بينهم هو فرع عن فهم القضية بكافة أبعادها الإنسانية والسياسية والعسكرية، وفهمها رغم ما يحمله من صورة قاتمة إلا أنه يمكنه أن ينير الطريق لأولي العلم والأفهام لرسم المسار الصحيح الذي يتعين على مسلمي الروهينغيا أن يتخذوه في ظل الخيارات الضيقة المتبقية.
المشكلة الروهينغية في سطور:
بدأ الاضطهاد البوذي للمسلمين في ميانمار (كانت تسمى بورما حتى عام 1989)، عقب الغزو الياباني لميانمار عام 1942، واستمرت حتى بعد استقلال البلاد عام 1948. ورغم أن الدستور الجديد وقانون الجنسية لم يُجرّدوا الروهينغيا صراحةً من الجنسية، إلا أنهم استُبعدوا من قائمة الجماعات العرقية المعترف بها رسميًا. ونصّت بطاقات التسجيل الوطنية التي أصدرتها الحكومة العسكرية بعد عام 1962 على أن “حيازة هذه الشهادة لا تُعدّ دليلًا قاطعًا على الجنسية”.
وكانت أولى حلقات التهجير والمجازر الكبرى في العام 1977، حينها أطلقت ميانمار، عملية ملك التنين (ناغا مين) في ولاية أراكان (راخين حاليًا). واعتُبرت أقلية الروهينغيا العرقية “غير شرعية” بعد تجريدها من جنسيتها، مما أدى إلى بدء دوامة من التهجير القسري، والاعتقالات الجماعية والقتل والحرق والاضطهاد، ليلجأ أكثر من مائتي ألف على الأقل من الروهينغيا إلى بنغلاديش.
بعد عامين، عاد معظم هؤلاء إلى ديارهم قسرًا، بعد عام من الاتفاق بين ميانمار وبنغلاديش، حيث لم تتوفر ضمانات للعودة، واقتيد من يملكون أوراقًا ثبوتية إلى بلادهم عبر سياسة تجويع حكومية بنغالية، وتسفير قسري من مخيمات بنغلاديش، وقد لاحظ أحد موظفي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنه “بحلول ذلك الوقت، أصبحت سياسة حكومة بنغلاديش في الواقع تجويع اللاجئين لإجبارهم على المغادرة”، ويومئذ وصف أحد مسؤولي الأمم المتحدة المخضرمين مخيمات الروهينغيا بأنها “مصائد موت – أسوأ ما رأيت على الإطلاق”. وقد انصاعت ميانمار لتلك العودة بسبب إصرار بنغلاديش والغضب الذي عم العالم الإسلامي.
تكررت المأساة عام 1989، حيث تعرض الروهينغيا، للسخرة والتهجير القسري والاغتصاب والإعدام بمحاكمات صورية، والتعذيب. وفرّ نحو 250 ألفًا من الروهينغيا إلى بنغلاديش. وفي العام 1992 تحصل الهجرة العكسية القسرية مرة أخرى، بعد اتفاق بين بنغلاديش وميانمار؛ فـ”هؤلاء أناس بدائيون. في نهاية المطاف، سيذهبون حيثما يُطلب منهم”، مثلما كانت هذه كلمات أحد كبار موظفي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عام 1993، خلال اجتماع عُقد لمناقشة الحلول المحتملة لإعادة 250 ألف لاجئ من الروهينغيا إلى أراكان مرة أخرى دون ضمانات، وتُغلق المخيمات أمام الوافدين الجدد.
كانت حصيلة ضحايا المخيمات في المرة الأولى، أكثر من عشرة آلاف ضحية لسوء التغذية وقلة العناية الصحية، وفي الثانية أغلقت الخيام ولم يعد بالإمكان إلا مغادرتها، وفي بداية الألفين تأتي الفيضانات لتُجهز على أربعة أخماس المخيمات، وتتكرر العودة، لتأتي أكبر موجات القتل والحرق والتعذيب والاغتصاب التي قضى فيها عشرات الآلاف، إثر حملة 2017 الدامية المحرقة، لتبدأ أكبر موجة نزوح عرفها الروهينغيا، حيث يقيم ما بين 700 ألف إلى مليون ونصف في مخيم في كوكس بازار ببنغلاديش.
المأساة الحالية:
رغم قسوة الواقع التي ذكرناها آنفًا عما يفعله جيش أراكان؛ فإنه لا يقارن بما كان في أحداث 2017 وما قبلها، ولعل ذلك عائد إلى أن جيش أراكان البوذي لا يمكنه إدارة الولاية بمثل هذا العنف الذي كانت تنفذه سلطة العاصمة، نايبيداو، حين كانت في أوج عنفوانها، لكنه مع ذلك آخذ في زيادة وتيرة اضطهاده للمسلمين بشكل يسير بتدرج في اتجاه سياسة النظام العسكري الميانماري حيال مسلمي أراكان.
في مطلع عام 2024، بدأ جيش أراكان البوذي يتوغل في الولاية، والجيش الميانماري يتقهقر في ظل وجود جماعات متمردة في ولايات أخرى تستهلك طاقة الحكومة الميانمارية العسكرية، ما حدا بالحكومة إلى أن تسعى لتجنيد الروهينغيا وتتحالف مع بعض الحركات المسلحة الروهينغية الضعيفة التي كانت تقاتله من قبل لوقف زحف جيش أراكان البوذي، وسط معارضة من كثير من الروهينغيين الذين لم ينسوا جرائم العسكريين الحكوميين. مع ذلك، خارت قوى القوات الرسمية، واجتاح الجيش الأراكاني البوذي معظم جغرافيا ولاية أراكان (استولى على 14 بلدة من أصل 17 في الولاية)، وأصبحت ميليشياته هي المسيطرة على سائر المنطقة الحدودية بين ميانمار وبنغلاديش.
أبرز الحركات المسلحة الروهينغية: جيش إنقاذ أراكان روهينغيا (ARSA) ومنظمة تضامن الروهينغيا (RSO)، التي لم تكن حسنة السيرة في أوساط مخيمات اللاجئين الروهينغيا، وكانا يتقاتلان ضد بعضهما البعض لنيل نفوذ أكبر بين الروهينغيا، قد قررا الكف عن هذا القتال والتفرغ لقتال جيش أراكان البوذي، على ضعف قوتيهما معًا.
ورغم أن الحكومة البنغالية ترغب في تسكين الأوضاع في الولاية، وعودة اللاجئين، ورأت في جيش أراكان البوذي طرفًا يمكن التفاهم معه نظرًا لمحدودية قوته، وإمكانية الضغط عليه لحل مشكلة الروهينغيا، إلا أنها لم تتخذ أي خطوات حقيقية لإنفاذ هذا الضغط، وأولها تقوية الحركات الروهينغية البالغة نحو سبع حركات، أبرزها الحركتان المذكورتان، كما لم تقدم مشروعًا تكامليًا مع الولاية يشجع سلطة الولاية الجديدة على القبول بالتنوع في الولاية، وتحقيق المساواة بين البوذيين والمسلمين في أراكان.
والصين التي دعمت سلطة ميانمار أول الأمر، ثم لجمت جيش أراكان عن الوصول لبلدة كياوكفيو الاستراتيجية، حيث موّلت الصين ميناءً بحريًا عميقًا ومنطقة اقتصادية خاصة تضم العديد من الشركات الصينية. وينطلق خط أنابيب النفط والغاز الذي يربط بمقاطعة يونان الصينية من جزيرة ماداي قبالة كياوكفيو، حيث أقامت الصين مصفاة نفط. الصين، تدعم سلطة ميانمار للحد الذي يحفظ مصالحها، وتحذر من أن يكون اهتمام الولايات المتحدة بإنشاء ممر الإمداد من بنغلاديش إلى أراكان جزءًا من تصميم لتعزيز الجماعات القومية لهزيمة المجلس العسكري البورمي، وذلك لحرمان الصين من الوصول البري والبحري إلى خليج البنغال.
الخيارات الروهينغية:
وسط هذا وذاك، تمشي الجماعات المسلحة الضعيفة المدافعة عن الروهينغيا على جريدة مسننة، وتجد نفسها محشورة في غابة المصالح المتعارضة تلك، خصوصًا أنه لا الصين ولا المجلس العسكري في ميانمار ولا جيش أراكان، ترغب في وجود إسلامي قوي في الولاية، وكل الأطراف يستخدم الروهينغيا لجنود مكرهين في معركة لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولا حظ لهم بعدها بحق محفوظ أو وضع إنساني يُحترم حقوقهم.
وقد يجد الروهينغيا بين خيار الحياد والاستكانة والاستسلام طمعًا في تقليل الاضطهاد الممارس ضدهم، وخيار القتال بالسلاح في معركة غير متكافئة بالمرة، فلا بنغلاديش ولا ماليزيا ولا إندونيسيا لديهم أي استعداد حقيقي لدعم حركات مسلحة تقاتل حلفاء للصين أو تجدهم الصين أقرب إليها من الروهينغيا المسلمين بطبيعة الحال.
تجادل “مجموعة الأزمات” الأوروبية في بروكسيل في أن قيام حملة مسلحة من الحركات المسلحة ضد جيش أراكان المسيطر على معظم أرجاء أراكان قد يفضي إلى مجازر ضد الروهينغيا، وتقويض مباحثات السلام التي تضغط دكا من أجلها، وقد يشجع الصين على دعم جيش أراكان التي تتحفظ على دعمه، وقد يكون في ذلك حقنًا لدماء كثيرة، وقد تكون “مجموعة الأزمات” محقة في هذا الرأي، لكن هل صفحات التاريخ مثلما كشفت شواهد على ذلك؛ فهي أيضًا حفلت بأمثلة كثيرة تحمل عزًا في غير هذا الخيار.