ليست غزة، وإنما مينداناو، فهذا الدمار الذي يظهر بالصورة لم يكن سوى حلقة من حلقات عمليات تهجير وقتل وتدجين المسلمين في الجزيرة ذات الغالبية المسلمة التي قد صارت أقلية فيها نتيجة موجات من الهجرة المسلمة منها، والهجرة العكسية للنصارى إليها، تجسيدًا لسياسة التغيير الديموغرافي التي تتبعها معظم البلاد التي تحتل دولًا إسلامية بعد أن تضمها إليها وتفرض عليها مُسمى “الإقليم”.

الجزيرة التي تقع في جنوب الفلبين، والتي هي ثاني أكبر جزرها، ظلت معقلًا للمسلمين، وعنوانًا على شجاعتهم وتمسكهم بدينهم، رغم ما مر بالمسلمين خلال قرون من العسف والقهر في سائر أرجاء “جزر عذراء ماليزيا” – أو التي صارت الفلبين بعد احتلالها – كانت بدايتها مع سقوط غرناطة في الأندلس، وانطلاق سفن الغزاة الإسبان إلى آسيا مرورًا برأس الرجاء الصالح.

وقتها حمل الإسبان حقدهم المتلظي على المسلمين، من الأندلس غربًا حتى مشرق الأرض في الفلبين، فهناك كانت مدينة “أمان الله” التي صارت مانيلا، عاصمة الفلبين حالًا – بحسب المصادر الإسلامية أو ماي نيلا، موطن نبات نيلاد التي تشتهر به الجزر الفلبينية – وهناك فُرضت عليها أشد حملات التنصير والقتل والتهجير؛ حيث أصبح سكان الفلبين الأصليين، لاسيما جزر الجنوب الفلبيني “مغاربة.. مورو” أو “موروسكيين”، في أعين الغزاة لتُضفى على المجازر ومحاكم التفتيش وقتها “شرعية ملاحقة العرب في الأندلس”، رغم ابتعاد المسلمين في مينداناو والأندلس بعضهما عن بعض في الجغرافيا واللغة والأعراق.

استحضر الغزاة معهم كل مخزون الأحقاد معهم، حتى إنهم قد سمّوا مدينة في جزيرة مينداناو، معقل الإسلام بجنوب الفلبين باسم “إيزابيلا”، على اسم مجرمة الحرب التي أسقطت مع زوجها فيرناندو مدينة الإسلام الأخيرة في الأندلس، غرناطة.

وذاك ماضٍ لم يغيبه الحاضر، فمن يُرد أن يدرك ماهية الانتخابات التي قد جرت في بانجسامورو ذات الحكم الذاتي للمسلمين في غرب جزيرة ميندناو وجنوبها، فليعد بالزمان لخمسة قرون مضت حتى يعرف القصة من أولها، فالجزر التي كانت تتكون من عدة ممالك وسلطنات، نعمت بحكم الإسلام لقرون، مثل “سلطنة صولو” التي تأسست عام 1405م على يد الشريف أبي بكر، وكانت قوة بحرية وتجارية كبرى في جنوب الأرخبيل ولها نفوذ ممتد حتى أجزاء من جزيرة بورنيو، و”سلطنة مينداناو”، والتي تأسست في جنوب الفلبين وحافظت على استقلالها لقرون، وخاضت معارك عنيفة ضد المحاولات الإسبانية لاحتلالها. و”مملكة مانيلا”، فحتى العاصمة الحالية “مانيلا” كانت إمارة إسلامية محصنة تابعة لنفوذ سلطنة بروناي الإسلامية عند وصول الإسبان. وكان يحكمها حكام مسلمون أشهرهم “راجا سليمان” الذي قاوم الإسبان بضراوة عام 1570-1571م قبل أن تسقط إمارته ويحولها الإسبان إلى عاصمتهم.

انهزم المسلمون في الأندلس، فجابت سفن العدوان الإسبانية المشرق، وغزا السفاح ماجلان (المسمى مستكشفًا)، جزر المسلمين، مطلقًا عليها اسم جزر سان لازورو (أو القديس إليعازر) تقديسًا للقديس إليعاز الذي يحتفل الكاثوليك بوفاته في “أسبوع الشعانين” الذي وصلت قوات ماجلان في التوقيت نفسه للاحتفال، ثم أُطلق عليها فيما بعد اسم الفلبين، على اسم فيليب الثاني ولي عهد إسبانيا في العام 1565 حين احتلت شمال الفلبين وسواحل مينداناو جنوبًا، بعد مقاومة شرسة من المسلمين على مدى عشرين عامًا، ثم مقاومة تالية استمرت ثلاثمائة عام رغم المجازر وحملات التنصير القسرية المتوالية للسكان، وفيها أقرت إسبانيا مبدأ السيادة من جانب واحد لتجعل كل الأراضي التي تحتلها تحت ملكية التاج الإسباني، حتى بدأت عمليات حملات القمع والتهجير والتوطين النصراني الحديثة التي نجحت  في اختراق جزيرة مينداناو لأول مرة عبر موجات “استعمارية” أخرى، تلقتها من الإسبان، الولايات المتحدة الأمريكية التي انتصرت عليها في الحرب الأمريكية الإسبانية الشهيرة، وورثت منها الفلبين:

الأولى: عام 1898 مع استيلاء الأمريكيين على جزر الفلبين، ومع صدور نظام ملكية الأراضي في الجنوب المسلم، وطرد أهله الأصليين منه. وقد حرم الأمريكيون، المسلمين من أراضيهم، بشكل منهجي، وباشرت سياسة توطين للنصارى في مينداناو المسلمة. وبعد أن كانت نسبة المسلمين في الجزيرة عالية جدًا، صارت – بحسب المصادر الفلبينية – نحو 52% من سكان الجزيرة في العام 1903.

الثانية: بدأت في العام 1946، بعد عشر سنين من نظام الكومنولث الفلبيني (حكم أمريكي غير مباشر بواجهة فلبينية وسيادة منقوصة) ألغي هذا النظام، وحصلت الفلبين على “استقلالها”، بدأت الموجة الثانية من الهجرة النصرانية للجزيرة، وزهد أهلها فيها، فجنوب الجزيرة المسلم الذي لم يشهد توطينًا كما في شمالها قد عانى كثيرًا من التهميش، وإذ كان يعتمد المسلمون على النهر في تجارتهم وزراعتها، استنزف الثروات والموارد من الشمال الذي صار يقطنه النصارى يومًا بعد يوم في أكبر موجات الهجرة.

الثالثة: بدءًا من العام 1972، فرض نظام ماركوس الفلبيني الأحكام العرفية في مينداناو، اتبع الديكتاتور الفلبيني سياسات الأرض المحروقة في بعض المناطق، حيث أُحرقت قرى وبلدات ريفية كاملة في مقاطعات مثل (سولو، وكوتاهاتو، وزامبوانجا)، وتسببت المعارك في تدمير مئات المساجد والمدارس وتشريد مئات الآلاف من السكان، وحينها بلغت المعارك بين الجيش الفلبيني وجبهة تحرير مورو الوطنية (MNLF) ذروتها. وزاد من حدة التهجير ضيق الأحوال أكثر لدى المسلمين، فقد التهمت الشركات الفلبينية ومافيا قطع الأشجار مزيدًا من أراضي المسلمين، وانحشر المسلمون أكثر في مناطق بانجسامورو التي تمثل نحو ثلث مساحة مينداناو، ويتركز فيها المسلمون بأغلبية تزيد عن 90% من سكانها.

“جزيرة مينداناو المسلمة”، لم تزل تحمل هذا الاسم، حتى من قبل الرئيس الفلبيني السابق نفسه، رغم كل عمليات التغيير الديموغرافي التي طرأت عليها، ورغم تأكيد المصادر الفلبينية على أنها لم تعد ذات غالبية مسلمة، ذاك لأن أهلها ما تخلوا عن حقهم التاريخي هذا، وإصرارهم خلال أكثر من نصف قرن على أن تستقل كدولة مسلمة تحكم بالشريعة

وإجماع المصادر الفلبينية والغربية على أنها قد صارت ذات غالبية نصرانية، لم تزل تاريخيًا تعتبر معقلًا للمسلمين، بعد أن تقلص الوجود الإسلامي إلى ست محافظات فقط فيها من أصل 23 مقاطعة، يحظى فيها المسلمون بأغلبية كبيرة، وبقية المحافظات يوجد فيها مسلمون بنسب تختلف فيها المصادر الإسلامية والفلبينية والغربية. ويحكمها النصارى باعتبارهم – رسميًا وربما واقعيًا – أكثرية في الجزيرة بغالبية كبيرة، فهذه جذور هذا الجهاد الطويل، وهذا الاضطهاد الدموي المرير، وتلك مقدمات تلك الانتخابات التي تحدد مصير الإقليم أو تكاد..

وللحديث بقية..

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب