الحمد لله رب العالمين، القائل في مُحكَم التنزيل: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي عظَّم حُرمة الدماء، ونهى عن قتل غير المقاتلين، وعن ترويع الآمنين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإن رابطة علماء المسلمين تستنكر ما وقع من اعتداءات على المطارات والمنشآت المدنية في المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتها الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وما ورد من سقوط ضحايا ومصابين من المدنيين، وترويعٍ للمسافرين والآمنين، ومن بينهم معتمرون ومواطنون من بنغلاديش، وما ورد من وفاة أحد أهل العلم والدعوة وهو في طريقه لأداء العمرة.

وتؤكد الرابطة أن هذه الأفعال، متى ثبتت نسبتُها إلى مرتكبيها، تُعَدُّ من العدوان المُحرَّم شرعًا؛ لما تنطوي عليه من انتهاكٍ لحُرمة الدماء المعصومة وترويعٍ للآمنين.

وتؤكد الرابطة أن حُرمة الدماء المعصومة من أعظم حُرُمات الشريعة الإسلامية، وأن الحروب والنزاعات المسلحة لا ترفع هذه الحُرمة، ولا تُبيح الاعتداء على غير المقاتلين، ولا تجعل المطارات المدنية ومرافق الحياة العامة أهدافًا مباحةً للقتل والتدمير.

فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: 33]، وقال جلَّ شأنُه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء والصبيان، وهو أصلٌ مُحكَم في تحريم استهداف غير المقاتلين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يُرَوِّعَ مسلمًا» رواه أبو داود.

وإذا كانت الشريعة قد حرَّمت قتل غير المقاتلين في ميادين الحرب، فكيف باستهداف المطارات المدنية التي يرتادها المسافرون والمعتمرون والنساء والأطفال وسائر الآمنين؟ وكيف يُستباح دمُ مَن لم يحمل سلاحًا، ولم يشارك في قتال، وإنما خرج في سفرٍ مباح أو عبادةٍ مشروعة؟

وإنَّ مما يزيد هذه الاعتداءات فظاعةً أن تمتدَّ آثارُها إلى قاصدي بيت الله الحرام من المعتمرين، وإلى أهل العلم والدعوة، ممن خرجوا في طاعة الله، لا في قتالٍ ولا عدوان. وإن حُرمة دمائهم ثابتةٌ بأصل عصمة النفس، ويزداد الأمر ألمًا وجسامةً بما في التعرُّض لهم من ترويعٍ لقاصدي العبادة، وإخلالٍ بأمن الطرق والمرافق التي يحتاج إليها الحجاج والمعتمرون.

وتُشدِّد الرابطة على أن النزاع العسكري لا يُسوِّغ استباحة دماء المدنيين، وأن الانتقام من الخصوم لا يُبيح الاعتداء على الأبرياء، وأن ما حرَّمته الشريعة في السلم لا يصبح مباحًا في الحرب لمجرد تبدُّل الظروف والشعارات.

وإن تعمُّد استهداف المدنيين، أو شنَّ الهجمات العشوائية التي لا تُميِّز بينهم وبين المقاتلين، عدوانٌ مُحرَّم وإفسادٌ في الأرض، يناقض مقاصد الشريعة في حفظ النفوس والأموال والأمن.

هذا، وإن ما عاناه أهل اليمن من القتل والتشريد والنزوح وتخريب الديار والمرافق العامة خلال سنوات الحرب، وما وقع من اعتداءات على المدنيين خارج اليمن، وما يجري الآن من حصارٍ للمدن والقرى على يد هذه الميليشيات الحوثية، كلُّ ذلك مما يوجب بيان حكم الشريعة في دفع العدوان والصيال.

فقد شرع الإسلام دفع المعتدي وحماية النفوس المعصومة، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].

وعليه، فإن رابطة علماء المسلمين:

أولًا: تؤكد التحريم الشرعي القاطع لاستهداف المدنيين والمطارات والمنشآت المدنية، وتستنكر هذه الاعتداءات وما ينشأ عنها من قتل الأبرياء وترويع الآمنين.

ثانيًا: تُحذِّر الرابطة من الخطر الجسيم الذي يُشكِّله هذا الفكر الرافضي، والمدِّ العقدي والسياسي المنحرف، الذي يسعى إلى زعزعة أمن بلاد المسلمين واستقرارها، وبثِّ الفتن، وتقسيم المجتمعات، واستهداف هُويَّة الأمة وتاريخها.

ثالثًا: تُطالب جماعة الحوثي بالكفِّ الفوري عن هذه الهجمات، وتُحمِّل المسؤولية عنها كلَّ مَن ثبت أمرُه بها أو مشاركتُه فيها أو إعانتُه عليها.

رابعًا: تدعو العلماء والمؤسسات العلمية والدعوية إلى بيان حُرمة هذه الأفعال، والتحذير من تسويغها أو إلباسها لِباسَ الجهاد المشروع؛ فإن الجهاد في الإسلام منضبطٌ بأحكام الشرع، وليس بابًا لاستباحة الدماء المعصومة.

وتتقدَّم الرابطة بخالص العزاء والمواساة إلى أُسَر الضحايا، وإلى أهلنا في المملكة العربية السعودية وبنغلاديش وسائر البلدان التي فقدت أبناءها، وتسأل الله أن يرحم الموتى، ويشفي الجرحى، ويحفظ بلاد المسلمين من العدوان والفتن.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين
التاريخ: 2 جمادى الأولى 1448هـ
الموافق: 13 أكتوبر 2026م

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب