الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

أيُلقى المنديل الشيعي أم يُعاد استعماله؟

أيُلقى المنديل الشيعي أم يُعاد استعماله؟

فاجأت الهجمات النوعية الصهيونية على "حزب الله" ومن قبل مواقع استراتيجية للحوثيين، وغير بعيد الاغتيالات التي طالت قيادات إيرانية بارزة أو قريبة منها، الذين لا يرون في أي مناوشة أو احتكاك أو هجوم بين إيران وأذرعتها من جهتها، و"إسرائيل" والولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، سوى "مسرحية" تهدف لتجميل وجه هذا أو ذاك أو منح الشعوب شعوراً ما بوجود صراع حقيقي بين الطرفين. 

والحق أن كثيراً من تلك المناوشات كانت لتؤكد على هذا المعنى بهشاشتها ومظهريتها، لكن بعضاً منها لم يكن كذلك، بل كان تعبيراً عن تعارض جزئي في المشاريع والأهداف، أفضى إلى تقليم أظافر إيران وأذرعتها أو ممارسة ضغط منها على الأمريكيين و"الإسرائيليين" للحصول على مكسب ما.

والذي يُهم في إمعان نظرنا في تلك العلاقة هو العودة إلى معاني السياسة وأبجديتها الأولى؛ فعلاقات الدول لا تشبه أبداً علاقات البشر، من حيث الصداقة والعداء؛ فلقد أُرينا دولاً تتحارب بقوة، مبقية في الوقت نفسه على مصالح اقتصادية بينها كخطوط نفط أو غاز ونحوها تصل هذه بتلك، ويستفيد منها الطرفان معاً، بل يتزودان منها بوقود الحرب الطاحنة بينهما. هكذا تمضي السياسة، وكذا ينبغي أن تُفهم. 

قبل 41 عاماً، فجّر انتحاري شيعي نفسه في جنود المارينز الأمريكي مقر مشاة البحرية الأميركية في بيروت فقتل 241 جندياً أمريكياً، ثم أتبعه آخر بعد دقائق فقتل 58 جندياً فرنسياً في ثكنة دراكار الفرنسية بالعاصمة اللبنانية.. وصمتت الدولتان الكبريان يومئذ!

واليوم تتلقى إيران وأذرعتها صفعات مهينة وتلتحف بالصمت المطبق، أو تطلق صواريخ تشي بقلة حيلتها ومحدودية خياراتها؛ فما الذي تغير؟ 

أهو ازدياد تفاوت القدرات؟ أم المناخ؟ أم الدور؟ أم تغيير الخرائط وإطلاق المشاريع الجديدة؟

خاض المحللون في أن إيران قد حُشرت في الزاوية؛ فلم تعد قادرة على الرد، بل إنها مثلما ذهب البعض قد تخلت عن أحد أكبر أذرعتها، وهو "حزب الله" وتركته نهباً لثورة الغضب الصهيونية، مثلما رشح من داخل إيران نفسها، حيث نقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مسؤولين صهاينة ودبلوماسي غربي، قولهم، أن معلومات الاستخبارات "الإسرائيلية" والأميركية تظهر أن "حزب الله" طلب من إيران الانتقام بتنفيذ هجوم مع تصعيد الهجمات "الإسرائيلية" في الأيام الأخيرة، غير أن المسؤولين الإيرانيين لم يتفاعلوا إيجابياً بشأن الانضمام إلى الصراع مع "إسرائيل". والرئيس الإيراني، مسعود بزشکیان، قد أكد هذا المعنى بنفسه، خلال مؤتمر صحافي في نيويورك موجهاً حديثه لوسائل الإعلام الأميركية قائلاً: "دعونا نعمل معًا لنتجنب الحرب. الأمور التي يمكن حلها بالحوار لا يجب أن تُحل بالصواريخ والأسلحة. دعونا نساعد في تحقيق السلام والأمان في العالم. نحن مستعدون، ولا نريد الحرب".

هذه الرخاوة الإيرانية وبالتبعية من "حزب الله"، وسوريا، ونظام الحوثيين، جميعها تدلل على ضعف شديد أمام آلة الحرب الصهيوأمريكية، عبر عنه الرئيس الإيراني لشبكة CNN الأمريكية بقوله: "حزب الله وحده لا يستطيع أن يقف في وجه دولة مسلحة تسليحاً جيداً جداً، ولديها القدرة على الوصول إلى أنظمة أسلحة تتفوق بكثير على أي شيء آخر. الآن، إذا كانت هناك حاجة، يجب على الدول الإسلامية عقد اجتماع من أجل صياغة رد فعل على ما يحدث". بطبيعة الحال، هذا الخطاب لم يكن ليُسمع من إبراهيم رئيسي، الرئيس الإيراني الراحل الذي قُتل في حادث تحطم طائرة في مايو الماضي، لم تزل ملابساته غامضة، لكن تداعياته واضحة: دخلت إيران مرحلة الكمون الاضطراري في صراعها مع الكيان الصهيوني، خوفاً من مغبة دفع فواتير أعلى أو التزاماً بتنسيق مع الغرب قد يكون سبق هذه الأحداث. 

لا تتعامل "إسرائيل" مع "حزب الله" مثلما تتعامل مع حماس؛ فغايتها المعلنة ليست تدمير الحزب، وإنما انسحابه إلى شمال الليطاني، كما أنها لم تنبس ببنت شفة عن دوره السياسي في لبنان، شأنه شأن بقية أذرع إيران في المنطقة، سوريا، اليمن، العراق. لا تغيير في النظم الشيعية التي أتيح لإيران بناءها في مساحة شاسعة من العالم العربي، لكن تقليم أظافرها بات حقيقة يصعب المجادلة في نفيها.

في العام 2006 انهزم "حزب الله" في حربه مع الكيان الصهيوني، لكن هزيمته أمكن تسويقها على أنها نصر عند شيعة المنطقة، والمغفلين من السنة. هذه المرة يصعب أن يحصل هذا. تلقت إيران والحوثيون والحزب صفعات متوالية ومتنوعة ونوعية، وتلطخت سمعة كل هؤلاء، من دون أن يستطيعوا رداً مقبولاً، واغتيل قادتهم وضيوفهم دون أي انتقام حقيقي، ولم يعد ممكناً تسويق التشيع والانحياز لمعسكر الإيرانيين عبر هذه المهزلة. 

لطخت تل أبيب سمعة إيران تماماً، لكنها منحتها فرصة "التطبيع" على أرضية جديدة. قال السادات منهزماً: يمكنني هزيمة "إسرائيل"، لكن أعجز عن استكمال الحرب مع واشنطن! قال بزشکیان ما جوهره أشد ذلاً من ذلك: نحن أضعف من أن نقاتل "إسرائيل" وحدها بله أمريكا!

 

خامنئي لم يتجرع سم صدام كخميني، وإنما استعذب تضلعه من "إسرائيل"؛ فهو رغم المذلة ما زال يمسك بزمام أربع عواصم عربية، لا تنازعه فيها "إسرائيل"، فلربما كانت فزاعة "إيران" لدى الخليج قد انتهى عهدها، وأطلت مرحلة تتفرد فيها "إسرائيل" بالمنطقة بعد خيبة أمل قطاع من الشعوب بما يسمى بمحور المقاومة، وعموم روح الهزيمة لديها، وانتفاش المطبعين طرباً بخيارهم المهين، أو لربما كان الهدف هو محض تقليم أظافر مع رسم خريطة جديدة تتمدد فيها "إسرائيل" ويعلو نفيرها.. بأية حالٍ؛ فالوقت ما زال مبكراً لاستكناه مغزى ما يحصل. "إسرائيل" تمضي بمشروعها أو تتعثر.. وإيران تتوقف أو تستمر.. للمنطقة رأسان أو رأس واحد، كل ذلك لا يغير من حقيقة أن أهل الحق ما زالوا يتفرجون، خلواً من مشروع حقيقي لبناء الأمة الفتية، متعدد الأركان والمحاور.. والله المستعان.