
"إسرائيل" بعد عام دموي.. بين التقدم والاضطراب

"لن يحكم التاريخ على بنيامين نتنياهو باعتباره محارباً صليبياً صالحاً يقود الغرب في حرب مقدسة ضد الفاشية الإسلامية، كما يرى نفسه. بل سينظر إليه التاريخ باعتباره السياسي غير الكفء الذي قاد إسرائيل بشكل أعمى إلى السابع من أكتوبر وكل الكوارث التي أعقبت ذلك."، ألون بينكاس، هآرتس، 7 أكتوبر 24
هذه الرؤية التي يقدمها الكاتب اليساري، لا تشاطرها إياه جموع الغاصبين اليمينيين الصهاينة الذين غدوا يمثلون الأكثرية في الكيان الصهيوني، المنبهرين بخطاب نتنياهو الذي يشبه خطاب أوربان مشعل الحروب الصليبية.
"حرب القيامة"، هي الاسم الذي أراد نتنياهو أن يحل محل "السيوف الحديدية"، الذي ارتضاه نتنياهو لحملة الإبادة الإجرامية التي شنها على الشعب الغزاوي الفلسطيني. أهي سكرة ما اعتبره نتنياهو "انتصاراً" على المقاومة الغزاوية، وحلفائها الشيعة حين بدت الكفة تميل لصالحه في غزة ولبنان وحتى إيران، أم هو ما كان مكنوناً في ملفات التخطيط الاستراتيجي الصهيوني، فباح به منتشياً بما حققه مؤقتاً؟
"البطل الصهيوني" في حس أنصاره المتزايدين، شرع في التسويق لخطاب مختلف عما كان أسلافه يفعلون. يبشر به أنصاره الصهاينة والمتصهينين بغد مختلف، فقد لفت النظر أن نتنياهو إذ يحارب النظام الإيراني، يسعى لأن يستدر عاطفة الشعب الإيراني بعبارات قد صيغت بعناية، يقول لهم فيها: "عندما تتحرر إيران - وهذا اليوم سيأتي قريباً أكثر مما يتوقعه الناس - سيختلف كل شيء. ستعيش أمتانا القديمة، الشعب اليهودي والشعب الإيراني، في سلام أخيراً. ستعيش دولتا إسرائيل وإيران في سلام. وعندما يأتي ذلك اليوم، سينهار ويفلس نظام الإرهاب الذي بناه النظام الإيراني في خمس قارات، وستزدهر إيران بشكل غير مسبوق".
وإذ يحارب "حزب الله" يتوجه إلى اللبنانيين بخطاب يستحثهم على عزل الحزب، مظهراً تعاطفه مع اللبنانيين، يقول: " لدي رسالة للشعب اللبناني: إن حرب إسرائيل ليست معكم. إنها مع حزب الله (...) لقد استخدمكم حزب الله لفترة طويلة كدروع بشرية. لقد وضع صواريخ في غرف معيشتكم وصواريخ في مرآبكم. من فضلكم، ابتعدوا عن الأماكن التي قد تتعرض للأذى الآن".
وحيث يدغدغ مشاعر الإرهابيين الصهاينة، وتحديداً "المتدينين" منهم، أو اليمين القومي، يبشرهم بـ"هرمجدون"، محمساً إياهم بخطاب طوباوي، يُحلق بهم في سماء إقامة "إسرائيل الكبرى"، فيما يتسرب مئات الآلاف من الصهاينة إلى خارج فلسطين، ولو كان بصورة مؤقتة، جزعاً من الموت! ولسان حاله يقول: نعم سأواصل، سأكمل "الملحمة"!
لا يرى ألون بينكاس وأمثاله "النصر" الذي يحققه نتنياهو على الأرض، لكنهم يغوصون في العمق ليروا حقيقة أن هذا الكيان الصغير الذي يتقدم بحبل من الولايات المتحدة، كما وُصف من قبل بـ"حاملة طائرات أمريكية في خاصرة العرب"؛ فيزعجهم ما يترتب على هذه الحرب الصهيونية المجنونة من تداعيات على "إسرائيل": التماسك، الأمن، "الشرعية والسمعة الدولية" والبقاء.
بعد عام من العدوان، وبجردة حساب بسيطة لا تخطئ العين أن الفرق الصهيونية قد باتت تهيمن على أطلال غزة، عدا عمليات مقاومة متفرقة، توجع الجيش الصهيوني، لكن الأخير متمركز في مواقعه، متخذاً قراره الاستراتيجي بالقضاء على المقاومة أو إجهاض عملها المقاوم وتأخير "تهديداتها" لأعوام طويلة قادمات، لينعم فيها الغاصبون بالأمن.
تضررت المقاومة الفلسطينية كثيراً في غزة، وكذا أطاحت "إسرائيل" بقيادة ذات حضور طاغٍ لدى أتباع "حزب الله" وكثير من المتأثرين بخطاباته الرنانة، وتلقت إيران ضربات موجعة بقتل العديد من قادتها العسكريين في محيط فلسطين، بسوريا ولبنان وإيران ذاتها.. دُفعت فاتورة باهظة للحرب على جانب المحور الإيراني.
ويبدو الساسة الصهاينة في حالة نشوة وزهو إذ "يقاتلون" على سبع جبهات، غزة، والضفة، ولبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وأخيراً إيران، بيد أن "الإسرائيليين" رُغم تأييدهم لنتنياهو كأكثرية، خائفون، ولخوفهم ما يبرره.
فلربما استعادت الاستخبارات الصهيونية هيبتها المهدرة في 7 أكتوبر، باغتيال هنية ونصر الله، وقادة آخرين من المحور الإيراني، قد يكون ضمنهم أسماء ذات عيار ثقيل جداً، لكنها لم تمنح الصهاينة الأمن؛ فعمليات الطعن لا تتوقف في داخل الخط الأخضر. وربما الجيش الصهيوني قد حقق تقدماً يصعب إنكاره، لكن رتق خرق الجدار الأمني الصهيوني لا يُنظر إليه كحدث قريب؛ فالضفة توجع الصهاينة بعمليات من فصائل مختلفة، وغزة ما انفكت قادرة على مواصلة المقاومة ولو كانت بوتيرة تختلف عن بدء العدوان عليها، والموعد المتوقع لإعادة من يُسمون بـ"سكان الشمال" من المغتصبين الصهاينة (ما بين 60-100 ألف صهيوني نزحوا إلى أماكن أخرى بخلاف من غادروا خارج فلسطين) ما زال مجهولاً، والصواريخ لم تزل تسقط على أهداف بالكيان الصهيوني من لبنان وغيرها.
الجبهة الجنوبية (غزة)، الأكثر صموداً، رغم ضعفها وتزايد الضغوط الهائلة على المقاومة، لم يكن أكثر المتشائمين في الكيان يتوقع أن تظل الهجمات على الجيش الصهيوني في غزة بعد أطول حرب تخوضها "إسرائيل" في تاريخها، ولا أن تطلق من جوفها الصواريخ من بين الأطلال أو من عمق الأنفاق. المألوف ألا يُعلن النصر ما لم يعترف به "المنهزم" أو يتوقف عن مناوشة خصمه أو يكاد. لم يبق من غزة سوى أطلال، ومليوني منكوب، وخلفت جريمة الإبادة الجماعية حتى الآن نحو 150 ألفاً ما بين قتيل وجريح، شطر القطاع نصفين، أصبح الجميع محاصراً، ولا أحد يجادل في أن "إسرائيل" لم تكن لتفتح جبهة في الشمال مع "حزب الله" إلا حالما تطمئن إلى تفوقها في قطاع غزة.
(صواريخ مقادمة 90 تشق سماء تل أبيب، والقبة الحديدية تتصدى لها في ذكرى الطوفان)
مع هذا، شعر الجيش الصهيوني بالاضطراب، وهو يضطر إلى إعادة تمركز قواته.. فرقة كاملة غادرت من الضفة الغربية إلى القطاع لتعوض نقصاً فرضته معركة الشمال بعد نقل الفرقة "98" مشاة من قطاع غزة إلى الجبهة الشمالية. أنهك المقاومون الجيش الصهيوني كما لم يحصل له من قبل، آلاف الجنود الصهاينة سقطوا بين قتيل وجريح، عمليات فرار من الجيش، اضطرابات نفسية لا محدودة داخل الجيش وخارجه، مئات الآليات قد تضررت بفعل قذائف ربما لو كانت أكثر فعالية لدمرت الجيش الصهيوني تماماً، ألفا طن من المتفجرات ألقيت على غزة، تحول بعضها إلى مدد وذخيرة وفرت للمقاومة بعضاً مما فقدته خلال هذا العام.
دُمرت غزة، لكن بقاء إطلاق صواريخ M90 منها إلى تل أبيب، وتوالي الكمائن تلو الكمائن فيها، أشبه بأسطورة. دعونا نعترف سواء بسواء، من يقول إن 7 أكتوبر كان فتحاً مبيناً أو من يقول كان قراراً متهوراً دمر غزة وشرد أهلها وسفك دماءها.. دعونا نتفق أن ما نراه من صمود مئات أو آلاف من المقاتلين عاماً كاملاً تحت الأرض أو بين الأطلال، ينغصون على الصهاينة ما يرونه سيطرة كاملة على القطاع – بغض النظر عن تقويمنا للأداء السياسي للمقاومة ولقرار حماس في 7 أكتوبر - هو درب من دروب المعجزات.
الجبهة الشمالية (لبنان)، الأقل صموداً، لكنها الأكثر قدرات تسليحية ولوجيستية. يصنف "حزب الله" غربياً على أنه أقوى ميليشيا الآن في العالم. نعم، له حساباته الطائفية، لكن "إسرائيل" قد أخرجت أحشاء قيادته، وصعبت على "حمائمه" أو "حمائم إيران" مهمة الدعوة والاستجابة للهدوء. ربما يريد قادته وإيران التهدئة، لكن "إسرائيل" لم تمنحهم إياها، خصوصاً مع اغتيال نصر الله وأبرز قادة الحزب السياسيين والعسكريين، وعدد من قادة الحرس الثوري وربما رئيسهم.
لا أحد يشك في أن قدرات "إسرائيل" قد زادت كثيراً عما كانت عليه في حرب 2006م مع "حزب الله"، غير أن الطرف الآخر ازداد قوة أيضاً. كان زعيم الحزب حينها يرغي ويزبد مهدداً بـ"قصف حيفا وما بعد حيفا".. الآن قد صار معتاداً أن يقصف الحزب حيفا وما بعد حيفا، وتقصف إيران وحماس تل أبيب، وتصل صواريخ الحوثي كذلك. ليست الصواريخ موجعة، حتى لقد اعتاد عليها الصهاينة نوعاً ما، بيد أن قدرة الصهاينة الذين لا يرتدون البزة العسكرية الآن على تحمل تبعات قرارات نتنياهو قد غدت محل نظر.. يعتريهم قلق عميق، وتظهر الاستطلاعات ذلك، رغم ما يحفزهم إليه الحقد اليهودي لمواصلة تأييد نتنياهو ومشروعه الطموح.
كانت خطة غالانت تدور حول إشعال جبهة الشمال (لبنان) مبكراً، مع بداية اجتياح غزة، رفض نتنياهو ذلك. كانت حُجة الأول لنبدأ بالأقوى (حزب الله) ثم الأضعف (حماس)، وفق تقديره. انعكست الآية: وشرع الجيش الصهيوني المنهك من حرب طويلة الأمد في غزة، في محاولة التوغل في لبنان.. المهمة ليست مستحيلة لكنها صعبة بالتأكيد.
إذا لم يحصل تفاهم بين إيران و"إسرائيل" في وقت مبكر من المناوشات البرية في جنوب لبنان، أو في الصراع برمته؛ فإن "إسرائيل" قد تواجه حرب استنزاف طويلة في الجنوب اللبناني يصعب كثيراً اندفاع نتنياهو وغالانت في تنفيذ مشروعهما.
نعود إلى ما تقدم، لقد بدا جلياً أن لدى نتنياهو مشروعاً كبيراً لتأمين الكيان بإجهاض كل التهديدات التي تحيط بالكيان الصهيوني في أرض فلسطين المحتلة، وهذا أمر مختلف عما مضى من قبل، وعلى هذا الأساس يُفهم ما يُندفع إليه الجيش الصهيوني بخوضه حرباً صفرية في غزة، وحرب إجهاض طويلة الأمد للتهديدات الأخرى، التي ربما كان لبعضها دور قد انقضى، ولم تعد الحاجة إليه موجودة.
ما نأمله، أن تقع "إسرائيل" في شر أعمالها، وأن تصبح رهينة لحروب استنزاف تضطرها إلى التراجع في ارتكاب مجازرها، أو تساهم تلك الحروب الاستنزافية في ضعضعة قوة الكيان الصهيوني على المدى القريب أو المتوسط، ومن ثم تعجل من تراجعه وربما انهياره.