الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

اتفاق غزة.. ماذا ربح وخسر الطرفان؟

اتفاق غزة.. ماذا ربح وخسر الطرفان؟

إنها أطول معركة يخوضها اليهود في التاريخ برمته، وأعنف عدوان يستهدف الفلسطينيين، وإنها واحدة من أكبر الأساطير في صمود كتائب صغيرة أمام جيش نظامي قوي مدعوم من أقوى دول العالم، وواحدة من أبرع حروب الاستنزاف على مدى قرن من الزمان.

تجرع رئيس الحكومة "الإسرائيلية" السم، بقبول وفده المفاوض في الدوحة التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار، في مرحلته الأولى، انتظاراً لمفاوضات شاقة جديدة بعد شهر ونصف للخلوص إلى "هدوء مستدام" في قطاع غزة المحتل. 

تحملت كتائب القسام على مدى 15 شهراً عبء قرار سياسي لحركة حماس يثور حوله الجدل كثيراً بشأن إطلاق عملية طوفان الأقصى، ما بين مؤيد لها مبرراً أسبابها من جهة، ومعارض لها من جهة أخرى ما بين مؤيد للمقاومة مشفقٍ عليها على شعبها من هذا القرار، يروم حقن دماء أهل غزة وبقاء قوة المقاومة، أو شامتٍ بما آل إليه قرار المقاومة من معسكر التطبيع.

وكلا الصنفين، المؤيد والمشفق، كلاهما اتحدا حول قناعة واحدة، شاطرتهم إياها الحركة نفسها، وهي ضرورة أن تتوقف الحرب، ولو لم تحقق كل ما كانت تصبو إليه، ولو عادت عقارب الساعة إلى ما قبل فجر 7 أكتوبر 2023م، إذ تولدت أولويات بالغة الأهمية، غطت على أهداف الطوفان نفسها، وهي ضرورة أن يبقى أهل غزة فيها، وأن يحولوا دون تحقيق مخططات:

- التهجير القسري الذي سعت إليه حكومة نتنياهو بالفعل أول الأمر.

- احتلال غزة أو أجزاء منها أو تقسيمها. 

- القضاء على القدرة العسكرية لكتائب القسام، والفصائل المساندة لها، ومن ثم إنهاء حكم حماس لقطاع غزة. 

- استمرار نزيف الدم الهادر ووقوع المزيد من ضحايا الظروف الصحية والمعيشية القاسية. 

وتوارت تحت وقع الغارات التي لا تتوقف حاصدة أرواح 100 غزاوي ومخلفة نحو 220 جريحاً يومياً وفقاً لمعدلات الخسائر، في واحدة من أعلى الخسائر اليومية في ربع القرن الماضي. 

ولهذا، فإن ما رشح من معلومات حول الصفقة، وما خلصت إليه في عناوينه الرئيسة يفضي إلى القول بأن ما قد حصل في قطاع غزة خلال 468 يوماً، وصمود المقاومة وبسالتها العظيمة، هو ضرب من ضروب الخيال، وأشبه بمعجزة لم يكن لمتفائل بسهولة أن يتصورها. فمقاومة محاصرة تماماً، لا مدد لها بشرياً، لا في سلاح ولا غذاء ولا دواء ولا وقود، فيما أطنان الذخائر والمؤن والدعم الأمريكي خصوصاً والغربي عموماً لا يتوقف عن عدوتها "إسرائيل". فإذا ما قيست الأمور من هذه الزاوية العسكرية وحدها أمكننا أن ندرك حجم المعجزة، وبسالة المقاوم، وبراعة المفاوض. حيث إن كل الدلائل الأرضية كانت تشير إلى هزيمة المقاومة بشكل حاسم، بسبب الحصار وفرق القوة التدميرية والسلاح الجوي.. إلخ، لكن ما حصل كان معجزاً للأفهام، فلقد صمدت المقاومة حتى أبرمت اتفاقاً حفظ لها ولأهل غزة بعض المكتسبات التي لا يمكن التقليل منها. 

تُكتب هذه السطور، ولم يزل صوت القصف مزلزلاً؛ فتل أبيب لم يطب لها أن تبقي أيام أو سويعات قبل دخول سريان وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، والوقت مبكر لوضع جردة حساب للحرب، لاسيما أن بعض بنود الاتفاق لم تزل غامضة، وبعضها لم يُحسم بعد. مع ذلك، فالمتاح من المكاسب والخسائر للطرفين يمكن إجماله في سطور قصيرة، ريثما تضع الحرب أوزارها، وتستبين بنود الاتفاق: 

بالنسبة لحماس وأهل غزة؛ فحصيلة الحرب والاتفاق تمنحهما بعض المكاسب متمثلة فيما يلي: 

  1. وقف مخطط التهجير، وبالتالي إنهاء "دولة غزة المستقلة" تماماً. 

  2. تحرير الأهالي من الاحتلال. 

  3. حقن الدماء، وفسح المجال للمساعدات، والإعمار. 

  4. تحرير آلاف الأسرى الفلسطينيين على مراحل. 

  5. قتل طموح "إسرائيل" في إمكانية هزيمة المقاومة بعد شن أكبر حرب في تاريخ الكيان الغاصب، وإنفاق عشرات وربما مئات مليارات الدولارات لهذا الغرض. وقتل طموح الحليف الأبرز، الولايات المتحدة الأمريكية كذلك.

  6. الحفاظ على الهياكل الأساسية لبنية المقاومة البشرية، وإمكانية البناء عليها.

  7. استمرار إتاحية تصنيع الأسلحة والصواريخ والمفخخات وغيرها متى أتيحت الإمكانات لذلك وتوافرت المواد الخام، نظراً لعدم القضاء على البنية المعرفية لدى الحركة بشكل تام.

  8. الحفاظ على شبكة الأنفاق دون تعريضها للهدم أو الانكشاف. 

  9. الحفاظ على ما تبقى من ترسانة الأسلحة. 

  10. تدرب المقاتلين على مواجهة الحروب الثقيلة والممتدة، والعمل تحت ضغوط عالية، وفي أسوأ الظروف العسكرية واللوجيستية. 

إلى غير ذلك من المكاسب الأولية. 

رغم الخسائر الكبيرة إلا أن تعرض المقاومة لأقسى الاختبارات في تاريخها، عزز لدى راسمي سياستها وعناصرها شعوراً بإمكانية هزيمة "إسرائيل" مستقبلاً في معركة قادمة إذا أمكن تحييد سلاح الجو "الإسرائيلي"، ومضاعفة القدرة التدميرية لأسلحتها الأرضية المضادة للدروع.

في المقابل؛ فإن ثمة خسائر لا يمكن إنكارها أو التقليل منها، من أبرزها: 

  1. الخسائر البشرية الهائلة للحرب، وهي الأعلى في التاريخ الفلسطيني: نحو 170 ألفاً ما بين قتيل وجريح ومفقود. وهو ثمن باهظ جداً للحرب (2.7% من سكان غزة قضوا نحبهم، و7.2% جرحوا، منهم نسبة كبيرة أصيبت بإعاقات بدنية دائمة). وهي أرقام لابد أن توضع تحت طائلة الدراسة الدقيقة لراسمي السياسات مستقبلاً. 

  2. الخسائر المادية الضخمة، والحاجة إلى إعمار غزة بشكل شبه كامل، وما يترتب عليه من وقوع غزة تحت ضغوط ليست هينة من الداعمين، الذين يمكنهم فرض شروط معينة على المقاومة الفلسطينية. وفي حال الدعم الخجول من الدول العربية والإسلامية؛ فإن هذا العبء سيقع برمته على كاهل قادة غزة. 

  3. إلى جانب الخسائر المادية وإعادة الإعمار؛ فإن إيجاد اقتصاد نامٍ لغزة هو تحدٍ صعب هو الآخر، لاسيما أن أهل غزة قد فقدوا تقريباً كل مدخراتهم، وكثيراً من إمكاناتهم الاقتصادية، وكذلك؛ فإن دعم غزة اقتصادياً سيواجه تحديات كثيرة خصوصاً مع تغير خارطة الدعم العربية، وشح ما باتت "تجود" به الدول العربية بخلاف الماضي. 

  4. مثلما أدركت "إسرائيل" استحالة هزيمة القسام في الوقت الراهن؛ فإن الكتائب غدت تدرك تماماً معادلة الردع التي فرضتها تل أبيب، وستعيد التفكير كثيراً قبل توجيه ضربات موجعة للكيان الغاصب مستقبلاً لما قد يترتب عليه من ردة فعل إجرامية حد الإبادة الجماعية المتكاملة الأركان. 

  5. التحديات الأمنية التي قد تحاول "إسرائيل" وحلفاؤها فرضها على حكم غزة، ومحاولة ربط المساعدات الإنسانية بوجود نظام حكم عميل في غزة أو قوات مراقبة ونحو ذلك. 

انقطاع سبل الدعم العسكري الذي كانت تتلقاه الحركة عبر التهريب، والذي قد تعرض لضربات قوية جداً أثناء عدوان جيش الاحتلال. 

  1. تضعضع إمكانية الدعم الإيراني للحركة، وكذلك تلقي بعض الأطراف العربية المتعاطفة مع غزة تحذيرات صارمة من الولايات المتحدة و"إسرائيل" بضرورة الابتعاد تماماً عن دعم حركة حماس. 

  2. انكماش العمل التصنيعي المقاوم لفترة بسبب ضعف التمويل، وانصراف كل الجهود للعمل المدني والسياسي والدعوي، وتأخر العسكري بالضرورة نتيجة قلة الدعم، وخشية الداعمين من وطأة التهديدات الأمريكية، لاسيما مع وصول ترامب للبيت الأبيض، وكذلك التهديدات "الإسرائيلية" التي أطلقت يديها خلال الحرب لقصف واحتلال ما تشاء من أهداف ومواقع وأراضٍ خارج فلسطين المحتلة. 

إلى غير ذلك من الخسائر. 

أما على الجانب "الإسرائيلي"، فلدى "إسرائيل" مكاسبها المتمثلة فيما يلي: 

  1. ردع المقاومة، ومنعها من استهداف الكيان لسنوات على الأقل، بسبب الثمن الذي دفعته غزة من دمها واقتصادها ومستقبلها. 

  2. تحرير أسراها بثمن أقل مما طمحت إليه حركة حماس. 

  3. فرض نفسها كقوة عظمى إقليمية، بعد إزاحة إيران، كقوة منافسة في الإقليم، والتمهيد لمرحلة تقود فيها المنطقة العربية تحت لافتة التطبيع معها، واتفاقات الإبراهيمية التي يرعاها ترامب. 

أما خسائرها في المقابل، فمنها: 

  1. عدم تمكنها من تحقيق أي من أهداف الحرب المعلنة، فلا هي نجحت بتحرير أسراها عسكرياً، ولا هي دمرت البنية العسكرية لحماس، ولا منعتها من العودة للهيمنة على قطاع غزة، ولا هي امتنعت عن تحرير الأسرى الفلسطينيين ضمن صفقة منحت حماس شرف تحرير مئات الأسرى المحكومين بمؤبدات، وأحكام عالية، وآلاف غيرهم. 

  2. أخفقت في استغلال الفرصة التي ظنتها سانحة لطرد أهل غزة من أرضهم، كما أخفقت في تقسيم غزة، وفصل شمالها عن وسطها عن جنوبها. 

  3. لم تتمكن من تنفيذ "خطة الجنرالات"، واحتلال أجزاء من غزة أو إقامة حواجز عسكرية داخلها، ولا إقامة مغتصبات (مستوطنات) داخل غزة.

  4. أطلقت أسوأ دعاية لها في العالم، وأُشهرت كنظام احتلالي منفلت قاتل للأطفال والنساء ومدمر للمستشفيات، ومنفذ أكبر جرائم الإبادة الجماعية في القرن واحد والعشرين. وفي المقابل أطلقت أفضل دعاية للقضية الفلسطينية وضاعفت من حجم المتعاطفين معها حول العالم، لاسيما في الغرب، الحاضنة التقليدية لـ"إسرائيل". 

  5. تهلهل جيشها على وقع ضربات المقاومة الفلسطينية، ومني بخسائر فادحة، وكُسرت هيبته داخلياً، بحيث أضحى كثير من "الإسرائيليين" متشككين في قدرته على حماية الأراضي المحتلة. 

  6. لم تستطع تل أبيب محو جميع آثار عملية طوفان الأقصى (7 أكتوبر 2023م)، والتي أسهمت في إرعاب مغتصبي الأراضي "الإسرائيليين"، وحفزت على الهجرة العكسية، ثم أفرزت العملية كلها والتي انتهت بالاتفاق – أو كادت – على زعزعة شعور "الإسرائيليين" بالأمن، وأنعشت الإيمان بفكرة "زوال إسرائيل" بين مفكري وكتاب وباحثي وأفراد الكيان. 

  7. زعزعت الثقة العالمية بالاقتصاد "الإسرائيلي"، وساهمت في عزوف كثير من المستثمرين عن التعامل مع الكيان، سواء في فلسطين المحتلة أو عبر صفقات، وزهدت متعاملين مع الكيان في استمرار التعامل معه اقتصادياً، في التصدير والاستيراد وغيره. 

....

وهذا تقدير مبدئي، مبني على معطيات اللحظة التي تفترض صمود الاتفاق، كما أنه يؤسس على ما تسرب للإعلام من بنود الاتفاق فحسب؛ وإلا، فبعض الجوانب قد تكون غامضة، وقد تغير قليلاً مما يُستنتج، غير أنه في النهاية ستكون حسابات الربح والخسارة دائرة حول معظم ما تقدم.