الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

الأقليات المسلمة والانتخابات

الأقليات المسلمة والانتخابات

أي المناحي يتعين أن يتوخاها الناخب المسلم في بلاد يمثل فيها المسلمون أقلية؟ 

سؤال محير، يجتهد في الإجابة عنه الأفراد والكيانات في تلك البلاد، وأول عراقيل الإجابة يكمن في مدى التزام الأفراد أنفسهم، بما تجتهد فيه المؤسسات والهيئات والمجالس الممثلة لهم، وما إذا كان اجتهادات "الجماعة" هي ملزمة للأفراد، أو مقنعة لهم، خصوصاً حين يضعف الالتزام الديني في تلك البلاد لدى قطاعات من المسلمين؛ فتقع خياراتهم على ما تميل إليه أنفسهم، ربما لمصالح أو أهواء لا علاقة لها بمصالح المسلمين الكلية. 

ثم إنه، وعلى فرض أن الجميع صادر عن رأي واحد، وأنهم سيتحركون على قلب رجل واحد، فإن هذا الرجل الواحد يجد نفسه حائراً بين أربعة خيارات:

الأول: إيجاد حزب أو قوة سياسية تمثل المسلمين وحدهم، أو يقودها مسلمون، وتفسح مجال الانضمام إليها لكل باغٍ للعدالة والمحافظة. وهذا الخيار جيد، من حيث كونه يجمع كلمة المسلمين، ويجعل منهم كتلة تسعى بعض الأحزاب الأخرى لاسترضائها أو التحالف معها في حال تفتت الأصوات بين أحزاب مختلفة. لكن ما يعيبها أمران:

تجييش القوى اليمينية واليسارية الأخرى، ووضع المسلمين في مرمى الاستهداف الاستقطابي أكثر، وربما إثارة العنصرية ضدهم، وإيجاد أو تشجيع تكتل مقابل ضدهم.

أن هذا الخيار لا يصلح لكل انتخابات ولا قانون انتخابي، ولا لكل أقلية، إذ ليس بالضرورة تجميع أصوات المسلمين مفضٍ إلى نجاحهم بنسبة تماثل نسبتهم السكانية، لو كانوا غير منحازين في مناطق محددة لهم، مبعثرين في مناطق كثيرة، تتفاوت فيها نسبتهم السكانية، وبالتالي يمكن أن يحدث هدر لأصواتهم في مناطق تمثيلهم الضعيفة. 

الثاني: التكتل مع أقرب حزب إليهم، أو أقل القوى والائتلافات عداء للمسلمين، وهضماً لحقوقهم، وهذا جيد كذلك، لكن يعيبه عادة استخفاف المتحالفين بهم، لاعتبار أنهم إنما انحازوا جبراً لا اختياراً، وبالتالي؛ فأقل قدر من المناصب والتمثيل سيرضيهم أو يلائمهم، وعليه فإنهم سيقبلون بالفتات، ولن يكون لهم تأثير يكافئ حجمهم الحقيقي، ولن يقدم لهم هؤلاء تنازلات "تشريعية" أو سياسية، أو إدارية تخص تلك الأقلية. كما أنه سيمنح اليمين المتطرف زخماً أكبر لكي يفوز على التحالف الذي يضم مسلمين، لأن الأول يمثل الشعب الأصلي النقي، فيما يتسول الثاني من الأقليات الدينية التي ينبغي تحجيمها وكبح "إرهابها".

الثالث: التمثيل في كل حزب وقوة، وهذا سيء غالباً، ويقود إلى ذوبان الصوت الإسلامي، وذهاب ريح المسلمين. 

الرابع: المقاطعة، وإبراز الاحتجاج على كل برامج الأحزاب المناوئة للإسلام، وهذا قد يناسب في دول دون أخرى، حين يصبح التمثيل السياسي للمسلمين معرة وديكور أكثر منه محاولة لنيل بعض الحقوق، وهو في دول أخرى محض سلبية وتخلٍ عن الدور المنوط بقادة الأقلية لعبه في المضمار السياسي. 

....

وقد تحدث مزاوجة ما بين خيار، وآخر، مثلما هو الحال بين الأول والثاني، حيث يمكن للمسلمين خوض الانتخابات بقائمة منفردة في أماكن تكتلهم، والتحالف في المناطق التي يوجد فيها وجود ضعيف للمسلمين، مبعثراً.

تلك الخيارات الأربعة، هي التي وضعت خلال الشهور الماضية على طاولة زعماء المسلمين في الهند وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية تحديداً، مثلما توضع على طاولات أخرى في توقيتات أخرى. 

فأما الهند، فاختار المسلمون فيها كل الخيارات معاً، نظراً لضعف قدرتهم على التنسيق، والخروج برأي موحد قوي؛ فخاضت كتلة مسلمة الانتخابات بقائمة مسلمة منفردة، وعلى رأسها أسد الدين أويسي زعيم تكتل اتحاد عموم مسلمي الهند، وخاضت أكثرية مسلمة الانتخابات ضمن قائمة المؤتمر بزعامة راهول غاندي طمعاً في إسقاط رئيس الوزراء الإرهابي مودي، وفعل أدنى الضررين لدفع أشدهما، فاستغل المؤتمر حاجة المسلمين فرمى لهم فتات مقاعده، ثم إن حزب بهاراتيا جاناتا استغل انضمام المسلمين للمؤتمر أسوأ استغلال، لحشد معظم الهندوس الموتوريين لصفه، وندرة وجدت حظها الدنيوي مع الحزب المتطرف ذاته، لاسيما من الشيعة الذين رموا بثقلهم خلف بهاراتيا جاناتا، وقسم لم يجدوا جدوى من المشاركة فقاطعوا الانتخابات، فكانت النتيجة أن حصل المسلمون على أقل كثيراً من ربع قوتهم السكانية!

وأما بريطانيا؛ فزاوج المسلمون بين خوض الانتخابات كمستقلين، منحازين بعيداً عن حزبي المحافظين والعمال، رفضاً لسياستهما الخاصة بالمسلمين، خصوصاً حيال غزة، والمهاجرين. وبين الدخول إلى الانتخابات على قوائم حزب العمال، الذي يعتبرونه أقل ضرراً من المحافظين في الملفات التي تعني المسلمين في بريطانيا، وقلة قاطعت الانتخابات برمتها، لكن في الجملة؛ فإن ما حصده المسلمون من مقاعد، ومن حضور سياسي لا بأس به، خصوصاً عندما جعلوا من قضاياهم قضايا عامة لعموم بريطانيا. 

وأما فرنسا؛ فكان انحياز المسلمين في معظمه إلى التكتل اليساري، مصوتين بقوة لإسقاط كتلتي ماكرون واليمين المتطرف معاً، وقد حققوا نجاحاً لا بأس به في هذا الصدد، لكنهم حتى الآن لم يقووا على خيار الانفراد بوجود مستقل، رغم كونهم الأكبر نسبة للمسلمين في أوروبا (تراوح ما بين 8-12% من السكان بحسب تقديرات مختلفة).

وأما الولايات المتحدة الأمريكية؛ فكل الخيارات مفتوحة، لكن يبدو أن خيار المقاطعة يتنامى هذه المرة أكثر من أي مرة سبقت، لاسيما أن موضوع غزة حاضر في أذهان المسلمين، وليس ثمة رضا عن أي من موقفي ترامب وبايدن من القضية الفلسطينية وقضايا المسلمين. 

....

هذا، ولا يمكننا اختزال تأييد المسلمين لهذه القوة أو تلك في مدى قرب أو بعد القوة السياسية عن قضايا المسلمين وحدها، إذ إن عوامل كثيرة داخلية تبقى مؤثرة على الشعوب، ومنها الأقلية المسلمة، كمسائل الضمان الصحي والاجتماعي، والتضخم، وقوانين التقاعد، والضرائب، ونحوها، وكلما كان التدين ضعيفاً طغت تلك القضايا على المسلمين أكثر من تأثير الانتخابات على حقوقهم "الدينية"، وهذا مشاهد في تلك النماذج السالفة، وغيرها. 

يبقى السؤال: من بين الخيارات المطروحة، كيف تحدث المقاربة الأصلح للمسلمين؟ ومن يحسمها أو يتخذ قرارها؟ ومن يفكر لهؤلاء ويقدم لهم مشورته ونصائحه المجردة؟ أوليس في ذلك ما يستدعي إقامة ورشات عمل وندوات فكرية للبحث في الأصلح للمسلمين في كل معركة سياسية يخوضونها؟ 

بلى، بالتأكيد.. لكن مع ذلك ينبغي التفكير قبلاً فيما يعزز من مكانة المسلمين عموماً في كل مضمار، إذ تظل مسألة الانتخابات مجرد تعبير وشاهد على قوة المسلمين أو ضعفهم.. أما مكامن القوى، وقدرات التأثير في المحيط فتلك مسألة أخرى بحاجة لجهود مضنية.. والله المستعان.