
الأقليات.. قنبلة الغرب الموقوتة في سوريا

بمرور أي قارئ للإحصاءات الصادرة عن الدوائر والمراكز الغربية ذات الاعتبار الدولي، كمركز بيو الأمريكي، وتقرير الحالة الدينية الصادر عن الخارجية الأمريكية، وكتاب حقائق العالم، سيجد أن أرقامها عن الأقليات في سوريا شبه موحد، ودائر حول تقدير أعدادهم بنحو 24% من سكان سوريا، اعتماداً على عبارة فضفاضة تقول: "وتعتقد الخارجية الأمريكية أن نسبة المسلمين السنة تبلغ 76% من السكان" [انظر تقرير الحالة الدينية 2022م]، وعليه انبت كل التخرصات التالية التي لا تستند إلى أية حقيقة علمية أو إحصاء شامل لسكان الداخل والخارج في سوريا.
كنا قبل إسقاط نظام بشار بأيام نطالع إحدى تلك الإحصاءات الغربية التي خلصت إلى أنه نتيجة هجرة نصف سكان سوريا، ومعظم اللاجئين لنحو نصف التعداد السكاني (على غير الحقيقة)، فإن نسبة السنة قد أصبحت 51% من تعداد السكان!
كان التمهيد جارٍ لأن تصبح الأقلية أغلبية! وعلى شاكلة ما حصل في العراق من تقسيم السكان لسنة وشيعة وأكراد (ليواطئوا خطة خبيثة لاستبعاد المسلمين السنة عرباً وأكراداً من حكم البلاد كأكثرية)؛ فإن ساسة الغرب وإعلامه قد تغابوا عمداً ليخلطوا بين الأقلية العرقية والدينية؛ فظهرت خرائطهم (كما هو أعلاه) لتضم السنة العرب والأكراد؛ فلا هي ضمت الطوائف العربية للعرب، ولا هي جمعت السنة من العرب والأكراد والتركمان والشركس وغيرهم معاً!
ثم لما حصل التحرير حصل السيناريو نفسه بحذافيره، دون تغيير:
-
عندما سقطت الدولة العثمانية واحتل الفرنسيون والبريطانيون المنطقة منذ 1918م كانت ذريعة احتلالهم لبلاد المسلمين، لفرض "الوصاية والانتداب" هي "حماية الأقليات".
-
وعندما اهتز حكم بشار الأسد في العام 2012م، تحدث الإعلام الغربي كله عن الأقليات، وأثارت بي بي سي موضوع تخوف المجتمع الدولي من إمكانية نشوب حرب أهلية بعد سقوط النظام، وتخوف "الأقليات" من أن مستقبلهم سيكون محفوفاً بالمخاطر إذا سقط بشار! (وسقط بشار بعدها باثني عشر عاماً فطارت الأقليات فرحاً بسقوطه).
-
ثم لما انهار جيش بشار وميليشياته وشبيحته الآن، جاءت الوفود الأوروبية يُهرعون إلى قادة سوريا، منبهين إلى ضرورة مراعاة الأقليات والنساء (ولما خرق الشرع بالونتهم الفارغة عن النساء اقتصروا مؤقتاً على الأقليات).
القنبلة الموقوتة:
يتحدث كل وفد أممي أو أوروبي يزور دمشق، بمن فيهم المبعوث الدولي، الوفد الأوروبي، والبريطانيون، والفرنسيون، والإيطاليون، عن ضرورة ضمان حقوق الأقليات. وحينما تحدث الأوروبيون عن شكل النظام القادم قالوا: تشكيل حكومة "موسعة"، أو "شاملة"، أو تضم "كافة الأقليات"، ثم لما تحدثوا بخجل عن الانتخابات أشاروا إلى ضرورة أن تكون "حرة وعادلة".
ونستطيع أن نؤكد على أن "العدالة" هنا لا تعني سوى "المحاصصة الطائفية"، ونستطيع الجزم – بناء على كل المعطيات المتوافرة وسلوك هذه الدول "الاستعمارية" – بأن هذه الدول لا تريد تمثيلاً شعبياً حقيقياً لمن يحكم سوريا، وإنما نظام محاصصة هش على غرار نظام البوسنة والهرسك، ولبنان، أو طائفي كالعراق.. إلخ. وجميع تلك النظم قد قامت على تقديرات إحصائية جزافية خاطئة حتى إن أصحابها عدلوها بعد "خراب البصرة"؛ فمثلاً أرغم الغرب، المسلمين على القبول باتفاقية دايتون في البوسنة والهرسك على أساس وجود مجلس رئاسي مكون من ثلاث رؤساء، مسلم وكرواتي وصربي، يتناوبون على الرئاسة، وفوق رؤوسهم مندوب سامي غربي!
وكان مبررهم بظلم المسلمين أن نسب السكان هي (42% مسلمون، 37% صرب، 17% كروات، والبقية آخرون) ثم اكتشفوا من قريب أن نسبة المسلمين تجاوز النصف، وأنهم كانوا أحق بالحكم منفردين "ديمقراطياً" لكن دون جدوى لهذا "الاكتشاف" بعد إقرار الدستور!
مكمن المشكلة:
في أن الغرب لا يريد دولة إسلامية حقيقية، ولا ديمقراطية حقيقية، ويرغب في تشكيل حكومة تمثل فيها الأقليات حجر الزاوية، ولا تريد للجيش السابق أن ينحل تماماً، وإنما يُعاد تدويره، ويريد تعاوناً مستمراً مع جلاوزة النظام السابق في ملفات "الإرهاب" وغيرها، ويريد هيمنة على الجيش والاستخبارات والشرطة من خليط من الأقليات والموالين للغرب، يضع سوريا "تحت الانتداب الغربي"، وسيعتمد في ذلك وسائل كثيرة، منها:
-
تفريق وحدة الفصائل الثورية، ودق إسفين بينها، والعمل على تشجيع بعضها على الانفراد بالسلطة.
-
الضغط باتجاه عدم تحقيق القصاص في مجرمي النظام السابق، وتوسيع دائرة "العفو العام" والحرص على إبقائها فضفاضة، مع عدم الممانعة في تقديم قرابين من هؤلاء أمام كاميرات التلفزة لإيهام المظلومين أن حقوقهم عائدة، وعرقلة عمل وزارة العدل في هذا الصدد، ومنعها من ملاحقة كبار المسؤولين الأمنيين، والفاسدين الذين مكنوا النصيريين من الإثراء على حساب الأغلبية السنية.
-
التوكيد على نسب مبالغ بها للأقليات للبناء عليها في حشر خونة في كل وزارة سيادية أو جهاز أمني رفيع. والضغط من أجل منع وزارات التعليم والإعلام والعدل والمحليات من التمتع بالاستقلالية اللازمة لعملها.
-
منع الفصائل الثورية من بناء الجيش على أساس إسلامي أو على تولي المتدينين قيادته.
-
الإبقاء على قوات احتلال ولو كانت رمزية، أمريكية و"إسرائيلية"، وربما روسية في البلاد.
إلى غير ذلك، مما لا يتسع المقام لبسطه كله.
كيف يمكن مناهضة ذلك؟
إذا توافرت النوايا لتحقيق ذلك – وقد تكون متوافرة لكن الضغوط الممارسة على الحكم ستكون شديدة جداً – فإن هناك إجراءات يتعين اتخاذها لإحباط مخططات المتربصين، أبرزها:
أولاً: العمل السريع على بناء جيش من الفصائل الثورية على قاعدة المشاركة لا المغالبة، ومنح بعض القوى المرتبطة بغرفة الموك بالجنوب، وربما بعض بقايا الجيش من الرتب الدنيا ممن لم يتلوثوا بالدماء، مراتب دنيا في الجيش.
ثانياً: تفعيل دور شورى العلماء، لاسيما الحكماء من العلماء السوريين – وغير السوريين – بالخارج ممن عركتهم التجارب، وأحكموا فقه النوازل، وكذا قادة الفكر المسلمين، وعدم الاقتصار على شباب القضاة والمفتين السابقين في "المحرر"، ممن ربما كانوا صالحين لمرحلة الإقليم لا الدولة.
ثالثاً: توسيع دائرة مشاركة التكنوقراط في وزارات الاقتصاد والزراعة ونحوها، والعمل على تقديم أهل الكفاءة المسلمين على أهل الثقة ممن لا يملكون ناصية العلم في تلك المجالات ونحوها.
رابعاً: العمل على عدم مشاركة القوى الدولية في تشكيل الوزارة المؤقتة القادمة، والإسراع بتشكيلها دون ضجيج، وبشكل مفاجئ، وتوسيع المشاركة لكل فئات الشعب السوري، لاسيما في الوزارات الخاصة بالبيئة والعمل ونحوها.
خامساً: إصدار "إعلانات دستورية" مؤقتة من أجل وضع خطوط عريضة للحكم، تشرعن لإجراءاته الاستثنائية الثورية. (ستكون مسألة وضع الدستور أكثر الملفات التي سيتم الضغط بقوة شديدة جداً على الحكم من أجل جعل الدستور علمانياً، وسيكون على الحكام إن لم يتمكنوا من وضع دستور عادل أن يؤجلوا هذا الملف، والعمل وفقاً للإعلانات الدستورية المؤقتة التي تلغى بمجرد الاستفتاء على الدستور).
سادساً: تحديد الشكل المأمول للحكم، والعمل وفقاً له:
إسلامي خالص مع الاستفادة من طرق الحكم الإسلامية المعاصرة والسابقة، والتي أنجزت نظاماً شورياً يوفر شرطي الثقة والكفاءة، والانتخاب المقنن. وهذا السيناريو ينتظره تحدٍ هائل، ربما لا يقوى النظام الحالي على إنجازه في ظل عدم وجود جيش حقيقي والتكالب الدولي وقرب البلاد من فلسطين، وقلب العالم الإسلامي.
ديمقراطي خالص، وهذا يتطلب تهيئة المناخ لإقامة نظام ديمقراطي يتجنب التدخل الخارجي وفرض المحاصصة، ويستلزم ذلك ما يلي:
المبادرة فوراً في إجراء إحصاء شعبي شامل، يتضمن الدين والعرق، لإفشال خطة المحاصصة الخبيثة.
تولي موثوقين الإدارات المحلية، والسفارات بالخارج، لأن إقامة نظام ديمقراطي سيتطلب إشراف الوزارات في الخارج على أكبر عملية تصويت لأكبر كتلة لاجئة مهاجرة في العالم بالنسبة لسكان بلدها (معظمها من المسلمين).
وضع شروط للترشح تستبعد من تبوؤا مناصب في النظام السابق، سواء أكانت مدنية أم عسكرية، وكذلك الفاسدين من القريبين من النظام.
أخيراً، تجدر الإشارة إلى أن نسبة أهل السنة الواقعية في سوريا، طبقاً لمصادر إسلامية عديدة، تبلغ نحو 87% من تعداد سكان سوريا، وهذا يجعل سنة سوريا، يكافئون مسيحيي فرنسا نسبة، حيث تساوي نسبة الأقلية غير المسلمة في سوريا تقريباً، نسبة الأقلية المسلمة في فرنسا (وفقاً لتقرير صادر عن المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED) في إبريل 2023م؛ فإن 10% من سكان فرنسا هم من المسلمين، ويقدر مركز بيو الأمريكي النسبة بنحو 14% من سكان فرنسا).
المفارقة أن فرنسا التي لا يفرض نظامها محاصصة تضمن مشاركة مسلميها في الحكم، تريد فرضها في سوريا، ويتحدث رئيسها ماكرون الذي يلاحق المحجبات في المدارس – كغيره من حكام أوروبا – يومياً عن "ضمان حقوق الأقليات" في سوريا! فإذا كان للمسلمين حق في أن يصوتوا في أوروبا، فلتترك الأقليات تفعل الشيء نفسه في سوريا.