
البرهان و"التيار الإسلامي".. لحظة الصدام المؤجلة

من تحذير بعض القوى العلمانية من انقلاب وشيك لـ"الإسلاميين" على نظام عبد الفتاح البرهان، بسبب "تغلغلهم داخل الجيش"، و"تعاظم دورهم في الحرب"، إلى إرهاصات الصدام بين طرفي التحالف الظرفي، تتباين الرؤى حول مستقبل التوافق القائم بين مؤسسة الجيش برئاسة البرهان بما تمثله قيادتها من توجه مختلف عن توجه وأفكار نظام البشير، وبين الوجود المؤثر داخل الجيش من الضباط والجنود المنتمين إلى "التيار الإسلامي العام"، الذي يضم "الحركة الإسلامية"، وواجهتها السياسية الأبرز، حزب المؤتمر الوطني، وجناحها العسكري، وفصيله الأبرز، لواء البراء بن مالك.
وكلما اقترب الجيش وحلفاؤه من "الإسلاميين" من تحقيق نصر كبير على ميليشيات الدعم السريع، زاد التوتر بين الحليفين الكبيرين، ودقت طبول الحرب السياسية بينهما؛ فعندما تضع الحرب أوزارها ستُقبل الاستحقاقات السياسية، من تشكيل حكومة في العاصمة (بعد تحريرها المرتقب)، وإقرار لدستور ناظم، وانتخابات موعودة من العسكر، لتفرض وجودها على الساحة السياسية السودانية.
ولا ينكر أحد أن نفوذ "الإسلاميين" في الجيش، وكذلك ما يمثله لواء البراء وغيره من قوى المستنفرين قد تعاظم مع رميهم بثقلهم خلف قيادة البرهان في المعركة مع حميدتي، ما قلب المعادلة من هزيمة كانت حالّة بمعسكر البرهان، إلى انتصار في غير ما صعيد، خصوصاً في العاصمة، ومواقعها الاستراتيجية الحساسة التي تسلمها حميدتي بسهولة من قبل اندلاع الحرب في 15 إبريل 2023 بسبب نزق القرارات العسكرية قبل ذلك، ومن أبرزها السماح لميليشيات الدعم السريع بتجنيد عشرات آلاف الجنود، والتمركز بأهم المواقع العسكرية بالعاصمة والمطارات وغيرها ما سهل عملية الانقلاب التي حاول حميدتي القيام بها يومئذ، والتي يتحمل مسؤوليتها الفريق عبد الفتاح البرهان، ولم يزل السودانيون يعانون الأمرين بسبب هذه الأخطاء الكارثية.
وهذا النفوذ الصاعد قد أزعج البرهان كثيراً؛ فعاد القهقري مباشرة ليقوم بعملية تعويم سياسي، وغسيل سمعة لفريق من تنسيقية "تقدم"، الواجهة السياسية العلمانية المتطرفة لميليشيات حميدتي، فتح لهم البرهان صدره ومنحهم فرصة ذهبية للتخلي عن حميدتي ومن ثم العودة إلى الحياة السياسية، ربما ليتترس بهم في معركته السياسية مع "الحركة الإسلامية"، أكبر فصيل في "التيار الإسلامي العام" بزعامة علي كرتي.
هاجم البرهان مؤخراً "المؤتمر الوطني" المنحل (حزب البشير)، محذراً إياه من الطموح في العودة إلى حكم السودان "على أشلاء السودانيين"، ورد المؤتمر محملاً البرهان نتائج كل هذه الحرب الكارثية، وواعداً بأنه سيصل للحكم بإرادة الجماهير في انتخابات حرة. كما رد المصباح أبو زيد قائد لواء البراء بن مالك على تحذير البرهان بأن "أي شخص يقاتل تحت راية سياسية يجب عليه أن يتخلى عن السلاح"، مشيراً إلى البرهان، بأن قواته (البراء)، "تخوض المعارك دفاعاً عن الدين والوطن والمواطن، مشيراً إلى أنهم لا يتطلعون إلى أي شكر أو تقييم من أي جهة كانت"، ومضيفاً: " نحن لا نقاتل من أجل منصب أو كرسي بل من أجل تراب هذا البلد".
هذا السجال بين الطرفين، والذي فجره البرهان نفسه، يشي بأن الرجل يريد بوضوح أن يضع حداً لطموحات "الإسلاميين" وينفرد بالسلطة دونهم، مؤثراً التدثر بغطاء مدني "علماني" لا شعبية له، ليسهل السيطرة عليه من جهة، ومن جهة أخرى لإرضاء حلفائه العرب والغربيين، ونيل صمت "إسرائيل" التي يزداد نفوذها في المنطقة كلما ضعفت الحكومات العربية وتورطت في أخطاء أو جرائم. فيما يردد الطرف الآخر ("تقدم"، وميليشيات حميدتي) أن ما يمور من صراع مكتوم بين البرهان و"الإسلاميين" لا يعدو أن يكون "مسرحية" غرضها التشويش على إقامة حكومة يزمع البرهان تشكيلها يقودها كرتي أو غيره!
و"التيار الإسلامي" لم يزل محملاً بأوزار من إرث الحكم السابق، ولم يستطع فكاكاً منها حتى الآن عبر تجديد دمائه ورموزه، وطرحه مشروعاً جديداً على شاكلة ما قام به أردوغان أوائل القرن الحالي واضعاً إطاراً جديداً لحزب أستاذه أربكان الذي قدم نموذجاً محافظاً صعب على الدولة العميقة التركية حينها هضمه.
المحيط الإقليمي والفضاء الدولي لا يحبذ وجود محافظين في السلطة السودانية مجدداً، ولهذا يستقوي البرهان بذلك، متسلحاً بشعبية متزايدة بسبب الانتصارات الأخيرة التي وظفها للتسويق لنفسه، عبر جولات في خطوط الجبهة الأمامية غدت أشبه بجولات انتخابية منها إلى أن تكون تحفيزاً متعيناً لقائد عسكري لجنوده المرابطين والزاحفين.
بعض "الإسلاميين"، ومنهم غير طامحين في السلطة، كأعضاء جماعة أنصار السنة، لم يزل لديهم أمل في تحقيق الإصلاح عبر النصائح، فأصدروا بيانهم المشكور لرفض تعديل الوثيقة الدستورية المعيبة التي وقعها البرهان في العام 2019 مع حلفائه حينها من أشد غلاة العلمانيين تشدداً، داعين فيه إلى أن يحل دستور 2005 بدلاً منها نظراً لـ"إغفالها المتعمّد للنص على ممسكات التوازن الأساسية للأمة وثوابتها من ذكر دين الدولة ومصادر التشريع"، مطالبين بـ"ضرورة التنصيص على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن اللغة الرسمية هي اللغة العربية، وأن مصدر التشريع الأساس هو الشريعة الإسلامية، في أي مرجعية دستورية للفترة المقبلة". وهذا موقف جيد ومثمن.
وبعضهم، لديهم طموح بالتغيير عبر المشاركة السياسية، وهؤلاء لم يقطعوا الأمل بعد أيضاً في إيجاد مساحة للتفاهم مع البرهان ونظامه، لاسيما بعد تحقيقهم انتصارات واضحة في المعركة العسكرية جنباً إلى جنب مع الجيش، الذي لا يخلو هو الآخر من قادة وكوادر "إسلامية"، ولهذا؛ فهم يعارضون تصريحات وتحركات البرهان الاستباقية الأخيرة من دون أن يقطعوا حبل التفاهم معه.
وبعضهم لا أمل لديهم في البرهان، على النحو الذي أوضحه الداعية البارز د. عبد الحي يوسف، والذي قال ذلك في حديث تسرب إلى الإعلام قبل أكثر من شهرين، وهو ما يشاطره إياه الرأي قطاع من "الإسلاميين".
وفي مقابل ذلك، فإن البرهان إما أنه يحاول مناورة "الإسلاميين" بهدف تقليل نفوذهم المتنامي، أو أنه يريد قطع الطريق عليهم تماماً، والاستئثار وحده بالسلطة، بعد تحالفه مع عناصر من المعارضة المتغربة، ويبدو أن كثيرين يرون أن البرهان يحاول فعل ذلك الآن، مدللين بأنه ماضٍ بتشكيل حكومة تكنوقراطية "علمانية"، وتعديل الوثيقة بدلاً من إلغائها، إذ إنه قد يرى بأن هذا الطريق هو الأقصر لحكم السودان وطمأنة حكام العالم "الكبار"!