الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

العنصرية بتركيا.. جذور وذهول

العنصرية بتركيا.. جذور وذهول

لم تبدأ العنصرية بأحداث قيصري المؤلمة، ولن تنتهي عندها ما دامت جذورها الخبيثة غضة، وسقاؤها وفيراً.

فجأة، ودون سابق إنذار هُرعت سيارات مجهولة تحمل أوباشاً ومجرمين، بعضهم له سوابق في النهب، والسرقة، لكن المفارقة أن بعضهم له سوابق إجرامية تتعلق بالتحرش، جاؤوا إلى قيصري من خارجها غاضبين، يحرقون سيارات السوريين ومحالهم ويهددون بيوتهم وآمنيهم. والسبب الذي أغضب متحرشين هو التحرش! 

غلاة الطورانية، وأدواتها على السواء كانوا على أهبة الاستعداد، أولاً بتلقف مقطع لما قيل إنه تحرش فتى بقاصرة، قيل إن الأول سوري، والثانية تركية، ثم تبين أنها سورية، ومن قريباته، وأنه قد لا يكون سليم العقل تماماً. المقطع انتشر بسرعة كبيرة، فالذباب الإلكتروني أدى مهمته على الوجه الأقبح، والغوغاء زادوه انتشاراً، وفي الجو المسمم هذا كانت جرافة جاهزة للفتك بسيارات البسطاء من السوريين في قيصري، بينما كانت الأقلام المسمومة على أهبة الاستعداد لعملية التسميم تلك. 

في بداية العشرية السوداء في جزائر 1991م كان أحد كبار جنرالات الجيش، أثناء التحضير للانقلاب، وفي إحدى أقبية المخابرات الجزائرية، يطلقها بوضوح: "لابد من تعفين الوضع الأمني".. هل تدرك أنقرة جيداً أن هذا ما يحدث بالفعل؟!

في أروقة حزب العدالة والتنمية ثمة من يدرك ويحذر، ويبدي قلقه، لكن التيار جارف في الواقع، والجذور ممتدة تاريخياً إلى أكثر من قرن، في ذلك الوقت أدركت الدول التي كانت تتأهب لوراثة أملاك "الرجل المريض" أن الوحدة بين العرب والأتراك على أسس دينية مفضية إلى ضخ الدم النقي من جديد في عروق الدولة العثمانية.. بل من قبل؛ فالذين قاوموا الامتداد العثماني في الجنوب العربي، وحاولوا إضعافه، وشجعوا محمد علي على إضعاف الدولة العثمانية، هم أنفسهم من أوقفوه حينما كاد أن يجتاح الأناضول ويحقق وحدة أخرى بطريقته الخاصة، لأن الوحدة تلك بأي شكل كانت ولم تزل خطاً أحمر!

على الدرب سار الاتحاد والترقي الذي فجّر الشعور القومي في الأتراك، نما بسرعة ثم توارى قليلاً تحت الرماد لعقود، ثم عاد لا مع تدفق اللاجئين السوريين إلى سوريا، قبل أكثر من عشر سنوات، وإنما ساعة أمكن للقوميين التغذي على حالة اقتصادية تركية متراجعة لم يتسبب فيها السوريون يقيناً، وإنما قادت إليها عوامل خارجية غربية، وداخلية اقتصادية متأرجحة سببها الهروب إلى الأمام في النظام الرأسمالي المدمِّر. 

لم تكن أنقرة المسؤولة الأولى عن تراجع الثورة السورية، ومن ثم انسداد أفقها، وذوبان التعاطف الذي كنّته قطاعات كبيرة من الشعب التركي، التي شنّف خطاب رئيس الوزراء التركي – آنذاك – أردوغان آذانها عن "المهاجرين والأنصار"، بل يتصدر القائمة آخرون أفسدوا أكثر بكثير مما أصلحوا، إذ تقف في المقدمة دول عربية أمسكت بلجام فصائل ثورية، ثم قادتها إلى حتوف الهزيمة النكراء، ثم عادت الآن لتضغط على الرئيس التركي، وفي يدها أوراق اقتصادية يحسبها الظمآن التركي ماءً، من أجل "تطبيع" العلاقات مع مجرم الحرب الدولي، بشار الأسد. هكذا قيل رسمياً في تركيا ما يؤكد أن جهوداً عربية للوساطة تقوم الآن لتقريب وجهات النظر بين الرئيس التركي، وسفاح دمشق. 

الجذور قديمة، وهي قد توغلت في تفكير قطاعات كبيرة من المجتمع التركي حتى غدت مسيطرة بدرجة كبيرة عليها الآن؛ فمن دون إخفاء للرؤوس في الرمال، يقف التيار القومي بكل تنوعاته في صدارة القوى السياسية، مستبقاً حزب الشعب الجمهوري المناوئ للعرب بإرث بغيض يكنه للعرب لقلقه من انتشار الالتزام بالإسلام نفسه، واضطلاعاً بدوره في عزل تركيا عن بعدها الإسلامي الجنوبي، وتبغيض أبرز شعوب جيرانها، لاسيما سوريا التي تشاركها أكبر حدود فاصلة بين تركيا وغيرها من الجيران، وتكريساً لقطيعة مع شعب جار، لا يمكن لمخلص، مسلم أكان أو وطنياً أو حتى قومياً أن يتجاهله هكذا، مطلقاً الرصاص على قدمه، إلا إذا كان وراء الحملة ما وراءها، وهو كذلك. 

الهدف الأكبر مفهوم، وهو منع أي وحدة إسلامية في المنطقة وغير المنطقة، وإذا كانت القومية الطورانية تتسع لتبلغ ما يزيد عن 220 مليون تركي يمتدون من شرق وغرب تركي، من كشغر حتى أنطاليا، من عمق الصين إلى أطراف أوروبا وحدود اليونان، وإذا كان العرب هم كذلك ينتشرون في فضاء فسيح يحوي بين جنباته ما يزيد عن 480 مليون عربي، وهما قوميتان تمثلان نحو 9% من سكان العالم؛ فإن زرع الشقاق بينهما هو أثمن ما يحصله أعداء الإسلام. 

ثم تتعدد الأهداف: إسقاط أردوغان، تعويم الأسد، تغريب تركيا وربطها بالدول غير الإسلامية، ولهذا؛ فإن مجموعات العمل كانت على خط المضمار؛ فانطلقت كل في حارتها فور بث المقطع المشين: مجموعات التأجيج العرقي الدعائية، وهي بثت عشرات المقاطع المعولبة الجاهزة منذ سنين على وسائل التواصل الاجتماعي، ومعظمها مضلل، كشف عن معظمها مركز مكافحة التضليل التركي. 

ومجموعات ترتكب الجرائم في الميدان، والتي تبين للمحققين بعد القبض على 855 من مثيري الشغب حتى كتابة هذه السطور، ثم الإبقاء على 13 فقط قيد الاعتقال، أنهم منخرطون في 5 مجموعات على واتس آب، يتلقون تعليمات مستأجرينهم، ويتداولون أرقام سيارات السوريين، وعناوينهم، حتى قبل انتشار المقطع! وأن أكثر من 300 شخص منهم لديهم سوابق تتمثل في تهريب المهاجرين، الاعتداء، المخدرات، النهب، السرقة، الإضرار بالممتلكات، التحرش الجنسي، الاحتيال، تزوير الأموال، التهديد، الإهانة، الاختطاف، وغيرها، ومعظمهم زملاء زنازين واحدة من قبل!

وأحزاب، جاهزة على الفور، كما حزب الشعب الجمهوري، الذي نشر قائمة من 10 بنود يدين فيها سياسة أردوغان تجاه سوريا، ويحفز، بل يشرع في التحضير للقاء سفاح دمشق، من أجل حل المشكلة السورية! وضمان عودة "الضيوف" قسراً إلى مسالخ النظام السوري. وكما حزب الجيد الذي تورط بعض أعضائه في الجريمة. 

ثم حادثة مؤسفة تقع في عفرين السورية حيث قُتل سوريون على يد الجيش التركي لأسباب لم يتم تبين تفاصيلها الدقيقة بعد. 

وكذلك دولة عميقة، سربت بيانات السوريين في تركيا قصد تسهيل الطريق لاستهدافهم من المجموعات العنصرية المنفلتة، الآخذة في التصعيد تنفيذاً لمهمة "تسميم الوضع الأمني" لإطاحة أردوغان ووأد الوشائج الإسلامية بين المسلمين على جانبي حدود تركيا مع العرب. 

وقد تخادم مع هؤلاء، ملثمون جاهزون هم أيضاً في أجزاء سوريا "المحررة" عمدوا إلى تدمير مؤسسات تركية سورية، وحرق العلم التركي وإهانته في مناطق لا يُقدم لها يد العون إلا من خلال الحدود التركية، وهؤلاء وأولئك على الجانبين تقف خلفهم أقلية نصيرية سورية، وتركية تكافح من أجل تفريق الشعبين، وبث الفتنة بينهما. 

قامت الشرطة والاستخبارات التركية بجهود مهمة في سبيل إخماد الفتنة، لكن رغم براعتها في توقيف كثير من الجناة؛ فإن الحل الأمني ليس كافياً بالمرة، فالسياسة التركية تقف في حالة الدفاع الآن في كل محفل تقوم فيه المعارضة بالمبادرة، وهذا يضعف موقفها كثيراً بل يؤذن بذهابها كلية بعد سنين - بل ربما شهور - قليلة. ذاك أن خافض الحرارة قد يفيد مريض السرطان مؤقتاً، لكنه لا يساعده أبداً على التعافي، ودون ما يُرى وسائل كثيرة كانت لتوقف العنصرية عند حدها، لولا هذا الذهول العجيب عن مواطن الخلل، وهي كثيرة.

إن عقدين من الزمان لم يكونا كافيين لإصلاح حقيقي في الثقافة والتربية والتعليم والتوعية والبناء الإنساني المسلم؛ فكثير من المناهج التعليمية لم تزل تغذي العنصرية، والمؤسسات الدينية – على نشاطاتها ومحاولاتها المضنية – لم تفلح في إيجاد حالة وعي حقيقية، وفي تربية نشأ يلفظ هذه الدعاوى الجاهلية التي قال عنها سيد البشر: "دعوها فإنها منتنة". إن بث روح الإخاء الديني الحقيقية كانت لتقي هذا المجتمع من الانجراف خلف غوغاء القومية الرعناء. وإن إقامة اقتصاد إسلامي موازٍ حقيقي، كان ليحمي تركيا من التردي النقدي والمالي خلف نظام ربوي متغول، وانتحار مالي عنوانه "الفائدة" الضخمة المفضية إلى الخراب والكساد. 

ثم إن دور جالية كبيرة من العرب، من السكان الأصليين والمتجنسين والمقيمين الوافدين واللاجئين، كانت لتحقق كابحاً لهذه العنصرية إن هي أحسنت تجمعها ونجحت في إيجاد جماعة ضغط حقيقية تحسب لها الحكومة والمعارضة ألف حساب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، لكن على مدى عقد كامل لم تحقق الجهود الكثيرة معشار ما كان يُرتجى منها. هذا علاوة على سلوكيات سيئة من بعض أفراد الجالية أمكن للمغرضين تضخيمها والتغذي عليها، لاسيما أن سياسة التهجير القسري التي اتبعتها الحكومة قد أغضبت قطاعات من السوريين على جانبي الحدود، فمنحت الأوباش وقوداً لتأجيج الفتن والنجاح في نشر الكراهية. ولقد كان من أبرز الأهداف المرحلية التي رنا إليها المتطرفون القوميون في تركيا، والطائفيون السوريون، أن تصور الكاميرات حرق العلم الذي "يقدسه" الأتراك في معظمهم؛ فيضعوا بذلك ملحاً على الجرح التركي. 

 

يقف الغاضبون مصطفين في المواجهة، وفي المنتصف يقف الشيطان فرحاً، ومن خلفه، بشار وأوزيل وأوزداغ، وآخرون، يشعلون النار ويؤججون لهيبها؛ فمن يطفئها ويئد فتنتها؟!