الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

القمة العربية وخطتها وما يكمن في التفاصيل

القمة العربية وخطتها وما يكمن في التفاصيل

اطلعت واشنطن بوست الأمريكية ووكالة رويترز للأنباء على الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة، والتي اعتمدتها القمة العربية الأخيرة التي انعقدت في مصر 4 رمضان/مارس الحالي، لكنها لم تنشر للرأي العام، وربما لم يطلع عليها بعض المعنيين كحركة حماس – فيما يبدو – والتي أجابت عن أسئلة قناة العربية والحدث، بأنها لا تعلق على تسريبات.  

وإذا كانت الخطة لم تزل مبهمة؛ فإن بيان القمة العربية قد وضع بعض ملامح الرؤية العربية أمام الرأي العام؛ ففي البيان كلام إنشائي جيد عن حقوق الشعب الفلسطيني، وتصميم بادٍ على الوقوف أمام خطة التهجير (التي اعترف نتنياهو نفسه بأنها ربما قد لا تكون واقعية)، وتأكيد على ضرورة قيام دولة فلسطينية (جرى التأكيد عربياً غير مرة سابقاً بأنها ستكون منزوعة السلاح). وفي المقابل؛ فإن في البيان ما يزعج كثيراً مؤيدي المقاومة الفلسطينية، ومن ذلك: 

أولاً: أن القمة تجنبت في كل بيانها المطول التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في "المقاومة" لـ"تحرير أرضه"، مكتفية بتعبيرات فضفاضة على شاكلة "صمود الشعب الفلسطيني" و"حقه في تقرير مصيره". 

ثانياً: أن البيان وإن خلا من التصريح بنزع سلاح المقاومة؛ فإنه أشار إلى ذلك بوضوح في أكثر من موضع، حين تحدث عن "تدريب الشرطة الفلسطينية لتتولى الأمن في قطاع غزة" والحديث عن الحل وفق تصور " ملف الأمن هو مسؤولية فلسطينية خالصة، ويتعين أن يدار من قبل المؤسسات الفلسطينية الشرعية وحدها وفقاً لمبدأ القانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد، وبدعم كامل من المجتمع الدولي."، والذي لا يتحقق إلا بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية، ويسمح في المقابل بـ"الدعم الكامل" من "المجتمع الدولي"، لشرطة الاحتلال المقنعة بلباس فلسطيني. 

ثالثاً: تبنى البيان التعبير "الإسرائيلي" عن "الرهائن والمحتجزين"، متجنباً التعبير الحقيقي عن عملية أسر لمسلحين وجنود احتياط من الجيش "الإسرائيلي" حصلت في 7 أكتوبر 2023. وهي وإن كانت مسألة تبدو لأول وهلة، شكلية نوعاً ما إلا أنها تنم عن ارتعاش يد تملكت صائغي البيان في أكثر من تعبير. مع افتراض حسن الظن، وفي أسوئه يُلحظ أن هذا التعبير يقوي وجهة النظر "الإسرائيلية"، التي تصنف ما حصل في "طوفان الأقصى" على أنه عمل إرهابي، ولهذا؛ فإن البيان حيث ينص على "التأكيد على رفض (الموقعين) الدائم لجميع أشكال العنف والتطرف والإرهاب التي تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار وتتنافى مع القيم والمبادئ الإنسانية والقوانين الدولية."؛ فإنه يحيل أصابع الاتهام باتجاه المقاومة، حتى لو بالتشارك مع "إسرائيل".

رابعاً: تحدث البيان عن مجرد "دراسة" لكل جرائم "إسرائيل" في الشهور الماضية من أجل معرفة ما إذا كانت تمثل "جرائم حرب" أم لا، وبالتالي اتخاذ إجراءات قانونية حيال ذلك (من بعد خراب غزة)!

ومن مفارقات البيان، أن المؤتمرين إذ قبلوا من تونس والعراق التحفظ على الجزء المتعلق بحدود 4 يونيو 67 لإقامة دولة فلسطينية، معتبرين أن الدولة الفلسطينية – ضمناً – هي من البحر إلى النهر؛ فإنهم لا يقبلون ذلك من حركة حماس، التي هي في قلب فلسطين وتعاني ويلات الاحتلال شأنها شأن الشعب الفلسطيني المظلوم. ويدفعونها دفعاً للاعتراف بـ"إسرائيل" كأحد شروط إعمار غزة، هذا عدا عن نزع السلاح.

ظاهر القول أن واشنطن وتل أبيب، لم ترضيا بهذا "الحل العربي"؛ فالمتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي براين هيوز رأى أن الخطة العربية لإعمار القطاع "تتجاهل واقع كونه مدمرا، ولا تعالج حقيقة مفادها أن غزة غير صالحة للسكن حاليا"، مؤكدا أن الرئيس دونالد ترامب متمسك برؤيته لإعادة بناء "غزة خالية من (حركة المقاومة الإسلامية) حماس". كما وصفت وزارة الخارجية "الإسرائيلية" -في بيان- الخطة العربية بأنها "مغرقة في وجهات نظر عفا عليها الزمن" ورفضت الاعتماد على السلطة الفلسطينية وبقاء حماس في السلطة. غير أن باطنه أن الكيانين مرتاحان لهذا الضغط العربي من أجل نزع سلاح المقاومة ولو كان بشكل متدرج؛ فنزع سلاح حماس يعني انتهاءها، ولهذا ترفضه الحركة بشدة، وتضغط الدول العربية لتحقيقه جزئياً إن لم يكن كلياً، وفق صيغة توافقية أو متدرجة مع الحركة لا تصادم المقاومة وأنصارها بشكل حاد. إذ ترغب بعملية إحلال وتجديد في غزة بإضعاف سلاح المقاومة وتقوية سلاح السلطة لتحقيق توازن منتهاه، تحقيق تفوق لـ"سلاح الشرعية" ثم نزعه في الأخير! 

يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه "الشيطان يكمن في التفاصيل"، والخطة تبدو في تسريباتها عامة، لم توضح مصير سلاح المقاومة، وهو أخطر قضية في صعيد "المقاومة" وفي ضمان التزام "إسرائيل" بأي بند، ولم تتحدث عن شروط الداعمين أيضاً ولا ماهيتهم، ولا عدد أفراد الشرطة الفلسطينية المقترحة ولا أنواع أجهزتها الأمنية، وما إذا كانت على شاكلة الأمن الوقائي الموالي لـ"إسرائيل" تماماً في الضفة الغربية أم لا.. والكثير من التساؤلات الأخرى المشروعة.. وأولها بالطبع عن "التفاصيل".