
المؤثرات السياسية على واقع مسلمي الهند جذور المشكلة

ما حصده المسلمون اليوم من استضعاف ومذلة في الهند، هو عين ما زرعه قادة الأجداد منذ قرون، تناوشت فيها الأمراض الجسد الإسلامي؛ فأوهنته تماماً، وأسلمته لمصير مشابه لمصير بهادر شاه الثاني، آخر حكام المغول في الهند، التي سقطت في العام 1857م إثر ثورة الهند الفاشلة على البريطانيين، والذي قدّم له البريطانيون ثلاثة أطباق على مائدته عليها رؤوس ابنيه وحفيده.
كما في كثير من بلاد العالم الإسلامي، عمد كثير من القادة قبل الانهيار والهزيمة إلى كل جواهر التأصيل السياسي في القرآن الكريم؛ فنحوها، واتخذوا سبيلاً أخرى قادتهم إلى مصائر مفجعة: يأمرهم القرآن بالعدل؛ فينشروا الظلم في الأرجاء. بالوحدة؛ فيتناحرون، ويفشلون ويذهب ريحهم. بموالاة المؤمنين ومعاداة الكفار؛ فيقلبوا الآية. باتخاذ البطانة الصالحة؛ فيتخذون بطانة من دونهم، لا يألونهم خبالاً. بإعداد العدة فيتراخون حتى يسلموا قيادهم لأعدائهم. يأمرهم القرآن بإقامة نظامهم الاقتصادي المستقل المتنامي، الذي يحارب الفقر، ولا يجاوز الحد إسرافاً وطغياناً، الجامع بين الإنفاق الحلال والادخار، والعمل الدؤوب، والتوازن الطبقي؛ فيجاوزون ذلك كله.
وما الهند عن ذلك ببعيد؛ فلقد سبق الاحتلال البريطاني المتدرج للهند كل هذا وزيادة، فأما الحكم؛ فكان مطلقاً تماماً، يقول سير جون شور: "في عهد المغول كانت شخصية الإمبراطور هي كل شيء، فإن كان قائدًا ماهرًا وإداريًّا قديرًا ومصلحًا نافعًا وعادلًا منصفًا؛ صلحت الرعية. أما إن كان على غير هذه الصفات؛ فسدت شئون الرعية وأداة الحكم وفشا الظلم والرشوة وقامت الفتن وعمت الفوضى كما كان الأمر في آخر عهد المغول". فبالفعل كان الأمر كذلك، لم يفد الحكام من جهابذة العلم الشرعي، فأزاحوهم عن التأثير في عالم السياسة الهندية إلا لماماً؛ فضعف دور العلماء خصوصاً، وأهل الحل والعقد عموماً في ترشيد الحاكم وتصويبه إلا في حالات قليلة معدودة، فلقد كان حكام المغول مطلقي السلطة والتحكم في بلادهم ورعاياهم، إن ضلوا حد الضلال البيّن، كجلال الدين أكبر الذي حكم معظم الهند الكبرى، باستثناء الجنوب، بين العامين 1556م و 1605م، واخترع للهنود "الدين الإلهي" المختلط، بين الإسلام وغيره، وأمر باعتناقه! فما عارضه إلا القليل، أو رشدوا – نسبياً – كالسلطان أورنك زيب، الذي أوعز لعلماء الحنفية إصدار فتاوى عالمكير (الفتاوى الهندية)، أبطل في مناطق حكمه بدعاً وخرافات كثيرة، وأظهر السنة، وحارب الرافضة والهندوس، وأقام دولة عادلة وحكم البلاد لمدة خمسين عاماً، بين العامين 1658م و 1707م، (بدرجة ما تتميز عن سابقيه ولاحقيه من المغول). وقد كان معظم حكام المغول ظالمين، وانتشرت في بلادهم الخرافات، والفساد، وتلبسوا بالكبائر العظام.
ومن بعد أورنك زيب، تداول السلطة حكام ضعاف؛ فتقسمت البلاد، وضعفت الجيوش، وانهار الاقتصاد، وانتشر الظلم، وهانت العقيدة، واتخذ الحكام زوجات هندوسيات (كمثل آخر حاكم)، وقادة منهم، وتولى الحكم في ولايات كثيرة حكام من الرافضة، وقُربوا حتى صاروا سلاطين، وأصاب الحكام الغفلة فسمحوا لشركات برتغالية وفرنسية وبريطانية أن تنشأ وتتوسع وتستحوذ وتنشئ الحاميات العسكرية، مقابل لعاعة من الدنيا يطمع بها الأمراء؛ فبدأ البرتغاليون منذ العام 1498م بـ160 جندياً بقيادة فاسكو دي جاما يغزون بلداً يبلغ سكانه مئات الملايين، فالبريطانيون في عام 1600م إلى أن طرد البريطانيون منافسيهم البرتغاليين والفرنسيين الذين جاءوا من بعدهم بنصف قرن، ثم ما لبث البريطانيون أن سيطروا على البلاد كلها بعد قرن ونصف حتى صيروا الأباطرة والحكام ألعوبة، إلى أن كانت النهاية بعد مائة عام من ذلك بنفي بهادر شاه الثاني إلى ميانمار منتصف القرن تاسع العشر، مثلما تقدم.
ولكي تتضح حالة المسلمين يومئذ من الوهن والضعف، مثلما يسجلها التاريخ الحديث؛ فإن الانجليز قدموا عام 1600م بعد بمائة عام كاملة من إرسالهم جواسيسهم إلى الهند، وتحديداً عام 1510 تقريباً، إثر انهيار قوة المسلمين بالغرب وسقوط الأندلس وانفتاح الطرق البحرية إلى الهند عبر رأس الرجاء بعد أن كان المماليك يحتكرون تجارة الهند، وخسران المسلمين إلى الأبد طريق الهند بعد الهزيمة النكراء للأسطول المملوكي في معركة ديو (1509م).
هزيمة المسلمين المماليك أغرت الأوروبيين، وهشاشة حكم الطوائف في الهند، وغرقهم في النزاعات البينية، وضعف التسليح المغولي، وغياب العلماء عن الصدارة، وجهل المسلمين المريع الذي سمح لاحقاً بأن تكون مناطقهم في البنغال (بنغلاديش الحالية وولاية البنغال الهندية الغربية)، والسند (باكستان)، هي معاقل البريطانيين، وفي الأولى كان أكبر جيوش البريطانيين الثلاثة، والتي قادها 39 ألفاً يسحبون وراءهم 311 ألفاً من المسلمين والسيخ والهندوس لقتال بني جلدتهم، ثم للمشاركة في الحروب الخارجية لاحقاً!
كادت عقيدة الولاء والبراء أن تغيب، وفشا الظلم، وأوثرت المناصب على تجهيز الجيوش وتحديثها، واستعين بالمشركين والرافضة، ورضي المسلمون بهذا الواقع المرير، وانقادوا للعدو إلا قليلاً، منهم علماء أجلاء،
أمثال سيد أحمد شهيد، وامداد الله التهانوي، ومحمد قاسم النانوتوي، ورشيد أحمد الكنكوهي، وشيخ الهند العلامة محمود حسن صاحب الرسائل الحريرية التي كان يحرض فيها أصحابه، ومن ثم المسلمين على الجهاد ضد الإنجليز، والذي حاول استنهاض العثمانيين لمساندة الثورة بالهند فوشى به "الشريف حسين" بمكة، والشيخ البارز حسين أحمد المدني، وغيرهم؛ فاحتلت دولة بجيش دولة تبلغ معشار سكانها المسلمين، أو ثلث المعشار بجميع أديانها ونحلها.
على الجانب الآخر، كان الانجليز منظمين جداً، واعين بما يصنعون، تسللوا بالتجارة الهادئة حتى أفقروا البلاد، وأمسكوا بخطام الأمراء وحكام الولايات الذين غدوا يتسولون منهم رواتبهم، ثم جندوا وتحصنوا، وفرقوا بين الحكام ودسوا الفتن بين المسلمين والهندوس ليقتل بعضهم بعضاً، وبين الطبقات، وانتظروا قطاف الثمرة الناضجة فسقطت بين أيديهم.
(وللحديث بقية بمشيئة الله تعالى)