الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

المؤثرات السياسية على واقع مسلمي الهند (3) التفكيك والتنحية

المؤثرات السياسية على واقع مسلمي الهند (3) التفكيك والتنحية

ملخص ما سبق: 

’’ في الحلقتين السابقين، استعرضنا جذور المشكلة الحالية للمسلمين في الهند، وأن ما نشهده اليوم من مذلة واستضعاف هو نتاج عدد من الأسباب الداخلية والخارجية؛ فما سرى على المسلمين في الماضي بالهند هو عين ما هو حاصل لكل شعب من شعوب المسلمين، ترك حكامه العدل، واتخذوا بطانة السوء، واهتزت لديهم عقيدة الولاء والبراء، وتنكبوا المنهج الإسلامي الاقتصادي المستقل الذي يوفر للمسلمين عزة وكرامة، ويعينهم على أن يكونوا دوماً أقوياء. وقد كانت الفترة التي سبقت الاحتلال البريطاني للهند تجسيداً لكل هذا من ضعف، وإسراف، وطغيان وانفراد مقيت بالحكم، وطبقية اجتماعية، وانقسامات جهوية ودينية وقومية، وشيوع ضلالات عقدية وخرافات وبدع، وتنحية للعلماء الصادقين، وإهمال للتعليم على كافة الأصعدة، حتى غزا فاسكو ديغاما الهند بـ160 جندياً فقط، ثم بعد قرن ونيف، كان الجيش البريطاني لا يزيد عن 39 ألفاً يسحبون وراءهم 311 ألفاً من المسلمين والسيخ والهندوس لقتال بني جلدتهم!

وقد كان البريطانيون مستعدين جداً للغزو والاحتلال، استبقوه ببعثات استخبارية، ثم عمدوا من بعد إلى تقسيم الهنود سياسياً وقومياً ودينياً ليسهل ابتلاعهم، وأشعلوا بينهم العداوة، وشرعوا في تهجير المسلمين، والتلاعب بالديموغرافيا، وانتصب للإسلام علماء ورجال، كأمثال الشيوخ سيد أحمد شهيد، وامداد الله التهانوي، ومحمد قاسم النانوتوي، ورشيد أحمد الكنكوهي، ومحمود حسن وحسين أحمد المدني، وغيرهم، غير أن المؤامرة كانت كبيرة، والموجة كانت عالية.. وأصبح المخطط جاهزاً للتنفيذ؛ فكانت مثل هذه الخطوات التي سنستعرضها في تلك الحلقة ‘‘

مع التقسيم كانت المذابح التي سقط معظم قتلاها من المسلمين، لاسيما في البنغال والبنجاب، وفيها تقطعت أواصر المسلمين، وتركوا أيتاماً، كأقلية ضعيفة في الهند، وأُسلمت باكستان (باكستان وبنغلاديش) لنظامين عسكريين موالين لبريطانيا بعد ربع قرن تقريباً من الوحدة الزائفة بينهما. وقد كان من سيئات التقسيم ما يلي: 

اعتساف التقسيم ليضعف شوكة المسلمين، فلا هو تماهى مع التاريخ الذي تشكلت فيه ممالك مسلمة في الشمال أكثر منها في الجنوب؛ فتقسمت البلاد على هذا النحو، ولا هو منح المسلمين دولة موحدة قوية مثلما فعل للهندوس. 

تسبب التقسيم في إفقار البنغال بعد أن كانت بلاد البنغال من أغنى مناطق الهند، ما جعلها بوابة الاحتلال البريطانية الأولى، ومقرها الأساسي؛ ففصلت الصناعة في الشرق في البنغال (شرق) عن التصدير والتجارة في الغرب (البنجاب). 

نتج عن التقسيم دولة شرقية (بنغلاديش) فقيرة بعد أن كانت غنية من قبل، وأحيطت بالدولة الهندية من حدودها الثلاثة، ما جعل النفوذ الهندي فيها كبيراً (وقد ثبت مؤخراً هذا النفوذ بجلاء مع رحيل ديكتاتورة بنغلاديش، حسينة واجد، إليها، ثم إغراق بنغلاديش بفتح السدود الهندية باتجاهها فجأة، علاوة على الكثير من الدلائل والبراهين على ذلك النفوذ). 

لمحاصرة بنغلاديش، اعتبرت المناطق الشرقية لها مناطق هندية رغم أن كلا من المسلمين والهندوس لم يكن أحدهما يمثل أغلبية مطلقة، فاعتبر كل وثني قبلي وكل سيخي وكل "مسيحي" هو هندوسي بالضرورة، وبالتالي حوصرت بنغلاديش شرقاً بآسام الهندية، وغرباً ببنغال الهندية. وكذا تكرر في بعض الولايات الأخرى كذلك بهذه الطريقة المعتسفة. 

حرمت باكستان من امتدادها البنجابي، كما حرمت من ضم جامو وكشمير، وبالتالي أضعفت الدولة الوليدة كذلك عمداً.  

ادعى بعض الجنود والصحفيين البريطانيين الذين شهدوا معسكرات الموت النازية أن وحشية التقسيم كانت أسوأ ، فوفقاً للتقديرات الغربية؛ فقد قُتل نحو مليون هندي (معظمهم من المسلمين)، وهُجر نحو 15 مليوناً آخرين إبان التقسيم (وهذه أرقام تبدو خجولة نوعاً ما بالنظر إلى الأرقام المحلية). 

....

مهدت لندن لتقسيم الهند، ومهدت معها لتحويل الدفة من المسلمين للهندوس، ونجحت في أن تحشر المسلمين في دولة مجزأة بينها مئات الكيلومترات، مرشحة للانقسام، وقد حصل في العام 1971م (حينها وقف العلماء الربانيون أيضاً ضد تقسيم باكستان لدولتين؛ فاتهموا بالخيانة العظمى وأعدموا على يد حسينة واجد)، بينما حصل الهندوس على دولة فتية واعدة موحدة وممتدة الأطراف. 

(وللحديث بقية بمشيئة الله تعالى)