الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

المسائل الصعبة في سوريا الجديدة

المسائل الصعبة في سوريا الجديدة

تواجه الإدارة الجديدة في سوريا مسائل صعبة كثيرة، تضعها أمام استحقاقات استراتيجية بالغة الدقة، وقرارات مصيرية عليها اتخاذها في الوقت المناسب، ومزاوجة ما بين الراديكالية والبراغماتية في التعامل مع القوى المتعددة المؤثرة في سوريا، والتي بدا أنها وإن تظاهرت بأنها تتعامل مع "مفاجأة" تولي "إسلاميين" السلطة في سوريا، إلا أنها كانت – على أقل تقدير – تتحسب لما يمكن أن يحصل في هذا البلد المهم جداً، وتضع له سيناريوهاته، وربما "تتوقع" ما قد حصل بالفعل، ولهذا صارت المسائل التالية أكثر صعوبة: 

المسألة "الإسرائيلية": 

لم تكن تل أبيب تلهو في سوريا حينما استبقت عملية الإطاحة ببشار، بسلسلة من الضربات النوعية لأهداف في سوريا، لعل ما كان أبرزها تدمير وحدة النخبة في الجيش "الإسرائيلي" في سبتمبر الماضي لمنشأة سورية يمكنها إنتاج ما يصل إلى 300 صاروخ أرض- أرض دقيقة، سنوياً، والضربة النووية على طرطوس بعد نحو أسبوع فقط على سقوط بشار الأسد، لتدمير ترسانة صواريخ سكود لدى سوريا، وربما تدمير أسلحة نوعية أخرى. وإثر السقوط مباشرة، نفذت القوات الجوية والبحرية "الإسرائيلية" هجمات كثيفة على مواقع عسكرية سورية، فدمرت – بحسب بيانات العدو – 90% من قدرات جيش بشار الأسد ودفاعاته وقواته الجوية والبحرية وآلياته. وجعلت من بعد ذلك سوريا مجردة من معظم ترسانتها العسكرية، واستبقت فقط بعض الآليات الخاصة بالنظام الجديد، الذي وجد نفسه قد خسر معظم غنائمه العسكرية، وعاد إلى حجمه العسكري، كقوة عسكرية محدودة القوة، أشبه بميليشيات يمكن وضعها تحت الضغوط الدولية، و"الإسرائيلية" كذلك. 

وليت الأمر اقتصر على مجرد توجيه ضربات موجعة للقوة الصاعدة فحسب، وإنما أصبح من غير المستبعد مضي تل أبيب قدماً في مشروعها المفترض لممر داود، الذي يصل ما بين الجولان المحتل، وشرق وجنوب سوريا، وحتى الحدود السورية العراقية. وهناك تخوفات من وضع المشروع قيد التنفيذ، نظراً لوجود مواقف كردية/درزية/درعاوية مقلقة. 

المسألة الأمريكية: 

مردت واشنطن على مخادعة أنقرة فيما يخص الملف الكردي مراراً، وها هي – كما يظهر – تحاول أن تفعل الشيء نفسه؛ فقد أعلن الرئيس الأمريكي القادم ترامب غير مرة أنه سيسحب قواته من سوريا ضمن انسحاب شامل للقوات الأمريكية في مناطق الصراع، لكن لا توجد مؤشرات حقيقية عن هذا الانسحاب، بل ما يتردد بشكل غير رسمي عن تعزيز القوات الأمريكية، والتصريحات الأمريكية التي تدين الهجمات التركية المحدودة على مواقع قسد العسكرية ليس مطمئناً أبداً، فدائماً ما كانت الولايات المتحدة تكبح رغبة أنقرة في إزالة تهديد قسد عن حدودها، ولو كان عبر منطقة ضيقة عازلة. 

المسألة الأوروبية: 

رغم أن الاتحاد الأوروبي يرتبط بشكل وثيق بالقرار الأمريكي، ويتوقع أن يزداد ارتباطاً وربما تبعية له بعد وصول ترامب للبيت الأبيض هذا الشهر، إلا أن تقبل الاتحاد للسلطة السورية الجديدة مهم لفتح أبواب كثيرة مغلقة أمام دمشق، منها الاعتراف الدولي بإدارة الشرع، والعمل على رفع العقوبات المفروضة على الشعب السوري باسم قانون قيصر، وتعزيز التعاون الاقتصادي بين دمشق وبروكسل. وهذه المغاليق لن تُفتح على ما يظهر من تصريحات الأوروبيين، خصوصاً تصريحات وزيري خارجية ألمانية وفرنسا كممثلين عن الاتحاد الأوروبي، إلا بشروط مجحفة تخرق السيادة السورية تماماً، ومن أبرزها وضع دستور علماني (فرنسي)، عرضت فرنسا "المساعدة" في وضعه! وفتح المجال للمنظمات الحقوقية للعمل في سوريا ودعمها، والعمل على تعديل المناهج الدراسية وفقاً للمقترحات الألمانية. والأكثر من ذلك شمولاً: "عدم السماح بتشكيل هياكل إسلامية في سوريا"، مثلما ورد على لسان الوزيرة الألمانية! وضمان التمثيل الشامل لكل الأقليات في الحكم، ورفض ما هو إسلامي، تقول الوزيرة الألمانية: "أننا ندرك الخلفية الأيديولوجية لهيئة تحرير الشام، وما فعلته في الماضي؛ لكننا نرى ونسمع أيضاً رغبتها في الاعتدال والتفاهم مع الجهات الفاعلة المهمة الأخرى، بدء المحادثات مع قوات سوريا الديمقراطية إشارةٌ مهمة في هذا الاتجاه".

 

المسألة العربية: 

وهي وإن بدت إيجابية بعض الشيء فيما يتعلق بمسائل التطبيع مع الإدارة الجديدة، والإعمار، وغيرها؛ فإن للعرب أيضاً شروطهم، ومن بينها "التعاون في مجال مكافحة الإرهاب"، وتسليم المقاتلين العرب في صفوف الهيئة إلى دولهم، والمساهمة في تشكيل الأجهزة الأمنية وتدريب ضباط الجيش، لضمان "انسجام" عقيدة الجيش والأجهزة الأمنية مع نظرائه لدى الأشقاء العرب. والضغط من أجل إشراك "وحدات حماية الشعب" الكردية في الجيش السوري، والتي كانت تتلقى دعماً من بعض الدول العربية منذ ثماني سنوات. 

المسألة الكردية: 

تعد المسألة الكردية من أكثر المسائل تعقيداً، لأنها مرتبطة بالاحتلال والاحتضان الأمريكي والأوروبي للانفصاليين الماركسيين في شرق وشمال سوريا، والذين يقودهم تحديداً عناصر من حزب العمال الكردستاني (PKK)، وتنضوي تحت إمرته كيانات إرهابية أخرى، لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، ووحدات حماية الشعب (YPG)، وهذا الكيانات تتمتع بحماية أمريكية كبيرة، وتمد بأسلحة متطورة، استطاعت خلال الشهر الماضي إسقاط 3 طائرات بيرقدار التركية (على حسب ما صرحت به قوات سوريا الديمقراطية التي تعمل كمظلة للكيانات السورية)، وتمثل تحدياً بالغ الخطورة للإدارة الجديدة، التي شرعت بالتفاوض معها عسكرياً مؤخراً. وهذه المسألة لا يبدو أن ثمة حلاً لها سوى المواجهة المسلحة الشاملة، ولكن ربما كان من الأفضل التريث في اتخاذ ذلك القرار لحين إقامة جيش سوري قوي، أو الاعتماد بشكل كبير على القوات التركية إذا ما توافرت لها الإرادة لفعل ذلك متحدية القرار الأمريكي بالإبقاء على دور قسد الاحتلالي الوظيفي. وغير ذلك فسيادة سوريا على المحك، إذا بقيت قسد، أو احتمال تفجير الملفات كلها في وجه الإدارة الجديدة في حال اتخذت قراراً منفرداً ضد قسد. 

وقد يبدو تصريح أردوغان عن "دفن الإرهابيين مع أسلحتهم في شرق سوريا" إن اتخذوا قرارهم بعدم تسليم سلاحهم، إيجابياً كثيراً ومطمئناً للبعض، لكن آخرين قد لا يرون أن تنفيذ ما هدد به أردوغان أمراً سهلاً، لاسيما أن إدارة الشرع غير معترف بها دولياً حتى الآن، ولا يمكنها أن تعقد اتفاقاً استراتيجياً للدفاع المشترك مع أنقرة يمكن الأخيرة من خوض معركة كبيرة مع الماركسيين اللينيين في شمال شرق سوريا. 

المسألة الدرزية: 

مثلما كانت "إسرائيل" تستشعر قرب زوال نظام بشار الأسد، مثلما تقدم، فإن زعماء الدروز كانوا يستشرفون أو يعلمون أن أيام بشار الأسد معدودة، ولهذا جاءت "ثورتهم" متأخرة و"مشبوهة" في حقيقة الأمر، وظهر في نهاية المشهد زعيمهم وشيخهم، حكمت الهجري، مفجراً ثورة درزية سلمية، لُجم الأسد عن قمعها، وقد لاحت للدروز فرصة للادعاء بأنهم "شركاء في الثورة"، وبالتالي، وجد الهجري مساحة دولية وإقليمية منحته جرأة منع أرتال الإدارة العسكرية من دخول السويداء معقل الدروز في سوريا. 

لا يخفى ما للدروز في فلسطين من وجود واضح في الجيش "الإسرائيلي"، وما لبعضهم من علاقات وثيقة مع الكيان الغاصب، على خلاف بعض الوطنيين منهم في سوريا (على قلتهم)، كما لا يخفى أن وجود "إدارة حكم ذاتي" أو فيدرالية تسمح للسويداء بوضع خاص في سوريا، هو مما يخدم بقوة المشروع الصهيوني في المنطقة. 

جرأة الهجري في منع أرتال الإدارة العسكرية من دخول السويداء لفرض الأمن ونزع السلاح من أيدي مسلحيه الذين لم يستخدموه بالمناسبة ضد نظام بشار الأسد، ومطالبته بدستور "مدني" أي علماني، وإلا سيحتفظ الدروز بسلاحهم وربما زادوه وطوروه، لم تأتِ من فراغ؛ فهو أكثر من يعلم أن الفصائل السورية (السنية) قادرة على تجريده من السلاح لو لم يكن يستقوي بالخارج ويدرك أن شروطه هي نفسها شروط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعرب و"إسرائيل". 

المسألة النصيرية: 

رغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها كتائب الإدارة العسكرية في ملاحقة كبار مجرمي النظام السابق، إلا أن ما قد أعلن عنه حتى الآن، لا يوحي بأن فلول الجيش والاستخبارات السورية السابقة قد تلقت ضربات مميتة، هذا عدا عن فروع التشبيح المتنوعة في مجالات الاقتصاد والإعلام والسياسة والثقافة وغيرها. 

ويفتأ مرشد الثورة الإيرانية يهدد بتفجير ثورة في وجه قادة سوريا، ومعلوم أن فضاء إرهابه القادم يعشعش في جبال الساحل، بكل ما يملكه هؤلاء من خبرات في الإجرام (كان النظام السوري مسؤولاً عن معظم تفجيرات السيارات المفخخة في لبنان على مدى عقود، ولديه خبرة واسعة في هذا المجال)، وكر هؤلاء على قوات الإدارة العسكرية وارد جداً، والأدهى هو احتمال إيجاد بؤرة عسكرية في الجبال، يؤوب إليها كل الحاقدين على السلطة الجديدة، ممن أدركوا أن مصالحهم قد انتهت أو كادت تنتهي. 

المسألة الأقلوية والدستور: 

هي سيف مسلط على الإدارة السورية الجديدة، فاشتراطات الغرب والداخل العلماني والطائفي تدور كلها حول محاصصة في الحكم لا تفي لكل أقلية بحجمها "الحقيقي"، لكن المقصود أن تتمثل الأقليات بأوزان ثقيلة، ومؤثرة في مفاصل الدولة ومحاور تأثيرها. 

وإليها كذلك، قضية الدستور، حيث يصر العالم على أن يكون الدستور بحسب ما يرضاه "الكبار" وليس الشعب السوري، وكما قالت الوزيرة الألمانية؛ فهم لن يدعموا "هياكل إسلامية"، والكلمة واضحة، فالإدارة السورية (هيكل أو كيان) غير معترف به، وما دام "إسلامياً" فهو غير مقبول؛ فهذا الربط واضح فيما يتعلق بكتابة الدستور العلماني، الذي تقدم باريس باقتراح "المساعدة القانونية" في وضعه (بما لديها من إرث "استعماري" في سوريا، وبما لديها من خبرة في إحلال قوانينها في العالم الإسلامي محل الشريعة الإسلامية). 

....

خلاصة القول أن مجمل هذه المسائل، هي تحديات كبيرة أمام السلطة الجديدة، ولا يمكن أن يكون ثمة احتمال في عدم التعاطي معها بحزم وحكمة: حزم يدفع إلى حلها بشكل جذري، وحكمة تدرك أن لكل حادث حديث، وأن بعضاً منها لا يمكن حله دفعة واحدة. إنما الشرط الوحيد للفلاح والخروج من هذا المأزق، هو توفر الإرادة للتعامل مع تلك المسائل بتقدير عالٍ للإمكانات الحقيقية للسلطة دون انتقاص أو مبالغة.. والله المستعان.