الجمعة ، 6 شوّال ، 1446
section banner

"طوفان الأقصى" الفريقان الأحمر والأزرق

"طوفان الأقصى" الفريقان الأحمر والأزرق

لنبدأ من حيث انتهينا قبل حلقتين من هذه السلسلة، وعند بداية الهدنة الأولى، أنه "ليس من الحصافة أن يندفع المتعاطفون مع القضية ظانين أن المعركة قد انتهت، وأن النصر قد تحقق، فيما يتحضر العدو لجولة، أكد مرات أنها ستكون أكثر شراسة وقسوة. فبمقاييس الصراع، نحن لم نصل بعد إلى نقطة النهاية لهذه المرحلة؛ فقادة "إسرائيل" يدركون جيداً أن إنهاءهم الحرب الآن سيكون بمثابة دق مسمار أخير في نعش "إسرائيل".

إن الولايات المتحدة وأوروبا لن يسمحا كذلك لحماس أن تقطف ثمرة نصر وتمثل أيقونة لكل الرافضين للهيمنة الغربية على العالم.. محال أن يرضوا بذلك الآن ولا بعد الآن إلا حالما يصلون إلى نقطة لا يمكن تجاوزها في الحرب والعدوان وممارسة الضغوط الموجعة على الطرف الآخر، ولا يُرى في الأفق أنهم قد وصلوها بالفعل حتى الآن". 

منذ البداية كان مفهوماً بعضاً من المحددات لفهم المسألة، ثم تبينت ملامح أخرى لاحقة مع استئناف القتال بعد الهدن الظرفية: 

"إسرائيل" قد تلقت ضربة موجعة، مست: أولاً: مفهوم الدولة المستقرة" لديها. ثانياً: دورها الوظيفي في المنطقة بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا. وهنا لابد من الالتفات إلى أن عملية 7 أكتوبر رغم براعتها العسكرية، إلا أنها سياسياً قد أسندت ظهر "إسرائيل" للحائط، وقلصت الخيارات أمامها، ودفعتها نحو حل جذري، يمكن أن يتجادل المحللون حول ما إذا كان مقرراً سلفاً قبلها أم لا.

اليمين الصهيوني الحاكم هو الأشد تطرفاً وراديكالية، ورئيسه نتنياهو مهدد بمحاكمة داخلية، وبالتالي ففكرة التراجع ليست واردة بسهولة إلا تحت ضغط هائل، لاسيما أن الجيش الصهيوني هو في داخل غزة، شمالاً ووسطاً وجنوباً للمرة الأولى منذ نحو عشرين عاماً، وهذا بحد ذاته مكسب – رغم كل الخسائر – يسيل لعاب كل متشوف إلى رؤية غزة منكسرة، ومستباحة في بعض ضواحي مدنها، تجوبها الدبابات "الإسرائيلية"، ساعية لكسر شوكتها المقاومة من جهة، ومن أخرى تفكيك حاضنتها التربوية العظيمة التي أنتجت هذه القدرة الشعبية الفريدة على الصمود والتمسك بعقيدتها وأرضها.  

الضغط الهائل الممكن أن يحرف "إسرائيل" والولايات المتحدة عن مسارهما في التهجير الكلي أو الجزئي، أو تدمير حماس، أو إقامة نظام يرث حماس من دون تدميرها كلياً، هو ذاك الممكن عبر طريقين: أولاً: الخسائر البشرية الفادحة في صفوف جيشه بما يهدد تماسكه. ثانياً: الضغط الخارجي بسبب فداحة الجرائم المرتكبة في القطاع، حيث لا يمكن أن يلتحف الغرب بالصمت حيالها حتى النهاية، وهو يتلمس آثارها الضارة عليه، وعلى الكيان الصهيوني ذاته. 

حماس من جهتها، قد تلقت ضربة هائلة هي أيضاً، ليس بالضرورة في قدراتها العسكرية، وإنما في حاضنتها الشعبية، التي ارتكبت "إسرائيل" بحقها أبشع المجازر، وأحيلت مدنها وقراها إلى ما يشبه الأطلال، وهي بحاجة للشروع في لملمة ما حصل وآثاره الكارثية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، هي محشورة في زاوية الإرادة الدولية في إنهاء حكمها لغزة أو لتقليص قدراتها التي يمكنها أن تهدد الكيان الصهيوني مرة أخرى ضمن سياق لا تقبل واشنطن ولندن وتل أبيب بالتنازل فيه عن أهدافها الانتقامية والإجهاضية لقدرات حماس القتالية. 

وحماس، لم تعد حقيقة تبسط يديها على سائر التراب الغزاوي، ورغم النكاية التي تلحقها بالعدو كلما غدا أو راح في طرقاتها إلا أنها لم تعد ذلك الصندوق الاجتماعي المغلق الذي لا تطمع "إسرائيل" في مجرد كسر أقفاله. وهذا مؤلم بحد ذاته لأصحاب فكرة "دولة غزة" التي حافظت على استقلالها لعقدين من الزمن قبل أن يبدأ "طوفان الأقصى". 

في الطريق، لا يبدو أن الحرب ستستمر إلى ما لا نهاية، فثمة ضغوط على الطرفين تدفعهما إلى البحث عن حل، أو مخرج لتلك المعضلة؛ فلا "إسرائيل" تتحمل الخسائر العسكرية إلى ما لا نهاية، ولا حماس قادرة على تحمل آلام غزة إلى ما لا نهاية. ومعلوم أن تل أبيب قد وضعت أهدافاً متناقضة للحرب، تجعل من المستحيل تحقيقها معاً؛ فهي باختصار تطلب "تسليم أسراها إليها في الوقت ذاته التي تتوعد فيه آسريهم بالقتل بعد تسليمهم"! وبالتالي؛ فقد بددت خيارات عدوها، وأسندت هي الأخرى ظهره إلى الحائط، في ظرف تبقى فيه عاجزة عن تحقيق انتصار ساحق عليه، وبالتالي؛ فقد آلت الأمور إلى الانسداد السياسي، وأمست فيه "إسرائيل" عالقة في غزة، على نحو جعل عديد من الخبراء والباحثين الصهاينة نسباً أو انتماءً يقلبون وجهات النظر بغية الخروج بحل لا يحفظ لـ"إسرائيل" ماء وجهها، كما يقال، بل ليحقق لها مكاسب جمة عند هذا الحد الذي بلغه الصراع.

ومن بين أولئك، الذين قلّبوا الأفكار حول الحل، الكاتب الصهيوني الأمريكي البارز توماس فريدمان، والذي كتب تحليلاً قيماً في "نيويورك تايمز" أول ديسمبر الحالي، بعنوان: "الجدل الذي تحتاجه إسرائيل حول الحرب"، بدا فيه أقرب إلى نصح القيادة الصهيونية بالانسحاب من القطاع بشروط ملمة لحماس، واستهله بالقول: "آمل أن تفكر القيادة السياسية العسكرية الإسرائيلية في القول المأثور المنسوب غالباً إلى الحكيم كونفوشيوس: "قبل أن تشرع في رحلة الانتقام، احفر قبرين "أحدهما لعدوك والآخر لنفسك"."، مستذكراً الحالة المتهورة التي كانت عليها القيادة الأمريكية في أعقاب 11 سبتمبر، حين أقدمت على خوض حربين لو عاد بها الزمان لما خاضتهما على حد رأيه. اقترح فريدمان أن تستمع "إسرائيل" إلى "فريق أحمر" من الخبراء والاستخباريين والمخططين الاستراتيجيين يفكرون في الاتجاه الآخر الذي تسلكه السياسة الصهيونية اليوم في مسعى للبحث عن مخرج رابح للكيان الصهيوني، واقترح في الوقت نفسه أن يقوم "فريق أزرق" مقابل بنقد ما يقوم به "الفريق الأحمر".

وقد بدا فريدمان مائلاً إلى حل يقضي بانسحاب القوات "الإسرائيلية" من القطاع في مقابل تسلم "إسرائيل" أسراها كلهم دون أي مقابل سوى الانسحاب، وترك السنوار ورفاقه يواجهون الأهالي ونتائج كارثة العدوان وحدهم في حال رفضهم هذا المقترح، أو الأهالي أيضاً في حال قبلوا بتلك الصفقة الإذعانية، مع الاحتفاظ بإمكانية ملاحقة قادة حماس لاحقاً. وغني عن الإشارة أن فريدمان لا يتحدث من تلقاء نفسه، وليس بدعاً في الوقت ذاته من الخبراء الذين ينصحون الصهاينة بالتوقف عن المضي إلى المجهول في تلك المعركة الصعبة. 

ولعل بعضنا يرى في هذا الرأي ونظائره من الأصوات الكابحة للتهور الصهيوني في ارتكاب المزيد من المجازر، والسير في طريق يُظن أنه مفضٍ إلى تحقيق نصر كاسح على المقاومة، تأكيداً على بأس المقاومة وبسالتها ورباطة جأش قادته.. وهو كذلك بالفعل، لكن من جهة أخرى، ثمة آلاماً هائلة في صفوف المسلمين في غزة، ودماء معصومة كثيرة سفكت في هذا الطوفان، قد آن وقت حقنها. وإن ما يقدمه فريدمان من ضرورة وجود فريقين تشاوريين يقدمان النصح للقيادة الصهيونية إقداماً أو إحجاماً، هو ليس وسيلة ناجحة الآن في العمل على إيجاد مخرج فحسب، بل هذا هو عينه ما درج عليه فقهاؤنا منذ قرون متطاولة، وهو تراث أجدادنا في نقد الآراء وتقليب وجهات النظر في الملمات والنوازل. 

ولهذا، فليس من الصواب أن يتبارى مفكرونا وقادة رأينا في استعراض الجوانب الإيجابية وحدها فيما نراه من معارك ومآسٍ، بل يتعين عليهم أن يقدموا عصارة أفكارهم لاستخراج حل واقعي مُرضٍ من بين ركام غزة، إذ لا يبدو في الأفق أن المقاومة قد أنضجت حلاً سياسياً يمكن أن يصلح كورقة يجري حولها التفاوض حتى الآن. صحيح أن القيادي البارز في حماس إسماعيل هنية قد تحدث مسبقاً عن "حل الدولتين" في معرض تبيان شروط المقاومة الأربعة لوقف الحرب، إلا أنه يبقى حلاً غير واقعي الآن، أو في أقل تقدير لا يمكن أن تقبل الأطراف الأخرى بوجود حماس ضمن هذا الحل، فيما يكرر اليمين الصهيوني مراراً أنه لا يقبل بدور للسلطة الفلسطينية الموالية للكيان الصهيوني نفسه في حكم غزة!

وصحيح أيضاً، أن حماس اشترطت منذ البداية الإفراج عن مروان البرغوثي، قائد كتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح، السابق، والقيادي البارز في فتح بوجه عام، من أجل أن تغير في تركيبة القيادة الفتحاوية بما يسمح لها بالتنسيق والعمل معها، والقبول بتقديم بعض التنازلات لها ضمن حل سياسي، غير أن هذا الحل أيضاً تقاومه "إسرائيل" والسلطة وبعض الدول العربية، خليجية وغير خليجية بقوة شديدة.

إن تشجيع المجاهدين والمقاومين، والاستنكاف عن توجيه الانتقادات الحادة لهم وقت المعركة أمر محمود جداً، بل هو مندوب إليه بلا شك؛ فلا وقت للإرجاف أو التشكيك أو الفت في عضد القابضين على الجمر، وهم يسكبون دمهم إرواءً لعقيدتهم واستقلالهم وحريتهم.

لكن..

 

إن دور المفكرين والخبراء الاستراتيجيين في العالم الإسلامي لا يقتصر على التصفيق والتشجيع؛ فدونهم عمل لا يقل أهمية ولا خطورة عمن يحمل فوق كتفه "الياسين" ليذيق بني صهيون وبال أمرهم. لقد آن أن يتنادى هؤلاء لتقديم النصح والمشورة لقادة المقاومة من أجل التنقيب عن مخرج واقعي يوقف النزيف، ويحافظ على مكتسبات تحققت أو سبقت. إن حقن دماء أكثر من مليوني مسلم، وإبقاءهم ضمن حيز من الحرية والاستقرار والاستقلال مسؤولية عظمى، لا تقع على المقاومة وحدها، حتى لو كانت اتخذت قراراتها منفردة فيما سبق، وإنما هي مسؤولية جماعية لابد أن يتنادى لتحملها كل ذي لب وفكر. إن مساندة الغرب لـ"إسرائيل" لا تقتصر على الدعم العسكري والاقتصادي؛ فالعالم الغربي كله يفكر لـ"إسرائيل"، فكيف لا يفكر العالم الإسلامي للمقاومة؟!