
"طوفان الأقصى" انعطافات فكرية محتملة في العالم

حدث بحجم "طوفان الأقصى"، له أبعاده وتشعباته وتأثيراته، من شأنه أن ينجم عنه آثار، ويأخذ بمسارات فكرية نحو انعطافات تغير من طرائق تفكير قطاعات من المسلمين وغير المسلمين، أو بالأدنى تؤثر في تلك الطرائق.
وإذ لم ينته الطوفان بعد، ولم تتضح نتائجه العسكرية والسياسية؛ فإن جانباً من هذه الانعطافات سيظل رهيناً بتلك النتائج، متأثراً برجاحة كفة هذا الطرف أو ذاك من الصراع؛ فكما عنون ابن خلدون في مقدمته "الفصل الثالث والعشرون: في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"؛ فأيضاً؛ فإن الشعوب المراقبة للصراعات تتأثر أحياناً بتجارب المنتصرين، فإن كانوا من ملتها ربما انجذبوا لأسلوبهم ومنهجهم، وإن لم يكونوا فربما أصيب منهم كثيرون بهزيمة نفسية تحملهم على الانفضاض عن تجربة المنهزمين، ولهذا فبعض من التأثيرات الفكرية ستكون رهينة بنتيجة الصراع المشتعل الآن في غزة.
وثمة جانب آخر ربما لمسنا بعض إرهاصات نتائجه بالفعل اليوم رغم عدم حسم الصراع بعد، ولعل من المفيد إطلاق العنان للتفكير فيه لرصد ظاهرة قد لا تتكرر بسهولة في حياتنا القصيرة.
نبدأ مع هذا التغير الطارئ على جموع من الشباب في العالم الإسلامي خصوصاً، والعالم برمته عموماً، يتقاطرون على نافذة تيك توك، وغيرها من النوافذ يصارحون أنفسهم علناً بأنهم تلقوا خديعة هائلة فيما يخص الهيمنة الصهيونية على جزء كبير من الاقتصاد العالمي، وتأثير اليهود الطاغي على الساسة في الغرب، وتحكمهم في مفاصل اجتماعية كثيرة: الإعلام والتعليم.. إلخ، فصبية وشباب في العالم الإسلامي حينما انخرطوا في حملات المقاطعة المتباينة النجاح في بلد عن آخر (لكنها في الجملة كانت من أقول الحملات على الإطلاق)، فوجئوا بأن معظم ما يتناولونه من حلويات ووجبات سريعة وما يجوبونه من مراكز تسوق عالمية إنما هي ضالعة أو قريبة من الكيان الصهيوني أو من الدول الداعمة له، ونجم عن ذلك وعي بخطورة المال الصهيوني وتأثيره العالمي. في الغرب، والشرق، لاحظ غير المسلمين حجم هذا النفوذ، المؤثر في صلب سياسة دولهم، التي بدت جميعها متواطئة مع الكيان الصهيوني، خاضعة لنفوذ المال اليهودي الضخم في العالم.
إلى ذلك، أدرك كثيرون تهافت الديمقراطية الغربية، والخدعة الكبرى التي وقعوا فيها حين ظنوا أن حكامهم يقودون بلادهم بإرادة شعبية، ولهذا فشت عبارات في مظاهرات غربية، ومن ناشطين بارزين (مشاهير من يوتيوبرز وتوكتوكرز ونشطاء اجتماعيين)، تتحدث عن أن غزة قد حررتهم من أوهام الديمقراطية الغربية، بل من "حضارة الغرب" ومناهج تفكيره وتعليمه. كما أبرزت لهم أن "حرية الرأي والتعبير" يمكن في لحظة مصادرتها باسم "معاداة السامية"، والتي ألحقوا بها مؤخراً "معاداة الصهيونية" في الولايات المتحدة وبريطانيا؛ فأمست قيداً مريراً على مجرد معارضة "إسرائيل" وسياستها الإجرامية المتوحشة.
هذان المتغيران الفكريان قد لا يُرى أثرهما بشكل سريع على المزاج الشعبي في العالم، وقد يبدو مفعولهما بعد فترة، لكن ما يغلب على الظن أن أحداث غزة قد كانت كاشفة لقطاع من الناس في هذا السياق، وكانت حافزاً فعالاً لتسريع التفاعل الفكري فيما يخص مدى صلاحية وقدرة الديمقراطية على الاستمرار كأسلوب سياسي للحكم، وما يخص اليقين بوقوع المجتمعات أسيرة للهيمنة الصهيونية، وأن غشاء ظل يكف أبصار الكثيرين عن تلك الحقيقة، حتى جاء "طوفان الأقصى" وكشفه عن أعينهم.
بعد أن أخفقت العديد من تجارب "الجماعات الإسلامية" في العالم، فشلاً، وتشرذماً، وانشقاقات، واختراقات، وتعصباً، وجموداً؛ فإن فكرة العمل الإسلامي تحت ظل "جماعة" قد أفل نجمها في معظم الأوساط المتدينة، وانتشر نمط "التدين الفردي" كبديل عن الجماعي، أو بالأحرى قد انحسر، قد بدا لدى البعض "سرمدياً"! لكن الآن يظهر أن شيئاً ما قد غيره "طوفان الأقصى" في الفكر الجمعي للمتدينين.
في ديسمبر 2014م عنونت مجلة إيكونوميست تقريراً لها عن جماعة الإخوان المسلمين، بـ "الإسلام السياسي لم يعد هو الحل"، أفاضت فيه بالحديث عن إخفاق ما سمته بالإسلام السياسي وانتهاء دوره، بيد أن المفارقة كانت في أن المجلة ذاتها قد عادت في ديسمبر أيضاً لكن في العام 2023م لتقول: "السؤال الآن هو ما إذا كان هجوم حماس في 7 أكتوبر قادراً على عكس اتجاه هذه الثورة (تقصد الثورة ضد شمولية الإسلام نفسه) من خلال تأجيج جذوة الإسلام السياسي. وممكن أن تؤدي الحماسة المناهضة لإسرائيل والغرب إلى إثارة جماهيرها من جديد. وتضيف: "كي نفهم لماذا ستكون مثل هذه النتيجة ضارة، فكر في مدى تحول مواقف المسلمين تجاه الدين في السنوات التي سبقت هجمات 7 أكتوبر. تغيرت الممارسة الدينية من التعبئة السياسية من أجل الخلاص المجتمعي، كما يتبناها الإسلاميون، إلى سعي أكثر شخصية إلى الروحانية. والنتيجة هي أنه بالنسبة للعديد من المسلمين، أصبح الإسلام غير مُسيس بشكل متزايد". وبعد أن لاحظت أنه قد "زاد التسامح الديني على نطاق واسع بين البلدان الإسلامية، على مدى العقد الماضي"، عادت فتساءلت: "كيف سيتطور الإسلام السياسي رداً على الحرب في غزة؟ من الممكن أن يظهر جيل جديد من المتطرفين. فالمشاكل الاقتصادية، وسوء الإدارة، والاستبداد الخبيث، توفر أرضاً خصبة لهذه العودة."، وتنقل عن أحمد أبو دوه، المحلل المصري في تشاتام هاوس، إن" حرب غزة يمكن أن تكون قبلة الحياة للإخوان المسلمين".
والواقع أن إيكونوميست لم تبعد كثيراً عما يمكن استقراؤه حقاً مما يُرى، غير أن الفارق أن نتيجة الحرب ستكون عنصر حسم في تحفيز عودة الجماعات من عدمها، فإذا كان النصر حليف حماس في طور الممكن الآن بالطبع؛ فإن تلك الفكرة ستزدهر وتجد رواجاً، ولكنها هذه المرة قد تكون مختلفة عن النماذج التي منيت بفشل ذريع في تجاربها ومساعيها للتغيير.
إلى ذلك؛ فإن أي نجاح ستحققه حماس في معركتها الحالية، والذي سيعد كذلك، إذا تمكنت بالبقاء متماسكة قوية بعد الحرب، حاضرة بشكل ما في غزة؛ فإنه سيضاف لدى كثير من المتدينين في خانة نموذج طالبان، حيث النموذج التغييري الذي يمتلك عدة أجنحة سياسية واجتماعية، وآخر له قدرة على الردع وحماية الأجنحة الأخرى ومكتسباتها. سيقال: إن الجماعة الإسلامية القادرة على البقاء هي تلك التي تملك قدرة على الردع، وأن سواها عجزت عن البقاء مهما تميزت فكرياً أو تربوياً أو خدمياً أو سياسياً. ليس هذا فحسب، بل ربما ساهم نجاح كهذا – إذا حصل – في التقريب بين الجماعتين، ونموذجيهما، وربما التعاون بينهما لاحقاً، وقد لاحظت مجلة اندبندنت بنسختها الفارسية مشهداً رمزياً لأحد حراس وزير الدفاع الأفغاني الملا يعقوب، وهو يغطي وجهه بكوفية فلسطينية حمراء "على طريقة مقاتلي حماس لا يمكن أن يكون من قبيل الصدفة، لأنه من بين الحراس الذين تخرجوا من مدرسة طالبان العسكرية، لم يستخدم هذا النوع من الغطاء سوى شخص واحد. وبالتالي فإن ما حصل هو عمل متعمد وبقرار من قيادة وزارة الدفاع في حركة طالبان، للتعبير عن التعاطف مع حركة حماس". هذا "الإعجاب الرسمي الأفغاني" له ما بعده عند بعض المراقبين الغربيين. وقد يكون ذلك صحيحاً إن أبلت حماس بلاء حسناً وظفرت بمكاسب في حربها الحالية.
لاحظ معنيون بمتابعة أحوال الجاليات المسلمة في الغرب، لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية، أن ترفع قيادات إسلامية في أمريكا وبعض الدول الغربية عن الخلافات البينية نظراً لبشاعة الجرم الصهيوني والمشاهد المؤلمة، قد ساهم لوحدة غير مسبوقة في تنظيم تظاهرات واشنطن ونيويورك وتكساس وميتشغن وشيكاغو وغيرها، استطاعت التأثير على مجمل الرأي العام الأمريكي للحد الذي آكل من شعبية الرئيس الأمريكي بايدن، ووضع الشعب الأمريكي برمته في صف معارض للدعم الأمريكي لـ"إسرائيل"، مطالب بوقف إطلاق النار فوراً.. العالم كله رأى المذابح، لكن المظاهرات المليونية قد خلفت شعوراً متزايداً بأن ثمة إجماع شعبي على مطالب المتظاهرين، ولم يكن أمام جموع الشعب الأمريكي الغارقة دوماً في مشاكلها الداخلية من سبيل سوى الالتفات إلى الحافز الدافع لتظاهر كل هؤلاء. إن ما أحرزه المسلمون بتظاهراتهم، وشجاعتهم في نفض كل الخوف من مغبات الرصد والمتابعة والاضطهاد قد غذى شعوراً بقوة الاتحاد وضرورته للإبقاء عليهم أقوياء مؤثرين.. هذه الرسالة لاشك أنها وصلت لبعض القادة والنشطاء في الغرب، لاشك أن بعضاً منهم قد يستمسك ببقائها جذعة. وتلك مسألة ينبغي البناء عليها، ولعلها تحدث حراكاً فكرياً ينبني عليه مزيد من التنسيق والعمل الدؤوب الموحد لنقل مسلمي الغرب إلى دوائر التأثير والفعالية، ويبعدهم عن دوائر الانكماش والتشرذم.
الذين صنعوا أو حتى شجعوا "داعش"، من أجهزة الاستخبارات الغربية، وجعلوها ترتكب بعض الجرائم في عواصم أوروبية بغية التمهيد لسلسلة من القوانين العنصرية ضد المسلمين، وفي تأليب الرأي العام الغربي على الجاليات المسلمة، ودفع بعض الفئات الشعبية لاسيما من الشباب إلى الانخراط في صفوف اليمين المتطرف والتصويت لأحزابه في الانتخابات النيابية والرئاسية، سيهالهم التعاطف الكبير – نسبياً – الذي شعرت به فئات من الغربيين، لاسيما من اليسار، للقضية الفلسطينية، ومن ثَم تولد شعور بالتسامح مع المسلمين، وأحياناً الرغبة في التعرف إلى دينهم. وإن الانزعاج الشديد من أن ينهدم بعضٌ مما تم بناؤه من تبغيض الغربيين في المسلمين، سيدفعهم إلى التفكير مجدداً في ضرورة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.. أي أن عودة داعش في أوروبا قد تكون واردة جداً، وأن سلسلة من المجازر وعمليات القتل غير المبررة قد تكون قادمة في الطريق.
لقد اتهمت شركة لافارج الفرنسية – بإيعاز من الاستخبارات الفرنسية – بتقديم الملايين لداعش قبل سنوات. واليوم، أليس لافتاً أن تعود شارلي إيبدو في هذا التوقيت بالذات لنشر صور تسيء للأنبياء، وتحاول جاهدة استفزاز مشاعر المسلمين، حرفاً عن غزة من جهة، وتأليباً لـ"الذئاب المنفردة" بالعودة للنشاط!
رجع صدى "طوفان الأقصى" سيكون متعدد الطبقات، مسموع في جنبات مختلفة من عالم الأفكار، وسيترك آثاراً يصعب حصرها الآن داخل العالم الإسلامي، خصوصاً العربي، والكيان الصهيوني ذاته، الذي سيعاد التفكير داخله كثيراً إفادة من دروس تلك الملحمة، إقداماً أو إحجاماً في السياسة، وفي فكرة الهجرة العكسية، وبين يهود الخارج، وفي الغرب الذي سيكثر فيه النقاش حول الإسلام، والعدالة، والديمقراطية، والصهيونية، والسامية.. إلى غير ذلك.. والقادم حافل، والله المستعان.