
"طوفان الأقصى" محطة الهدنة من زاوية المقاومة

يعاني الطرفان، المقاوم والصهيوني، من صراع الرغبات الذاتية لكل منهما، ما بين الرغبة في إنهاء الحرب، واستمرارها، وما بين الحفاظ على مكتسبات جزئية أو المضي قدماً في السير نحو حرب وجودية، أو على الأقل تحقيق نصر.
مصير مجهول، حائر ما بين سياسة أمريكية معلنة نافذة على "إسرائيل" تقضي بعدم السماح باحتلال مستمر لغزة كلي أو جزئي، وعدم السماح بتهجير أهلها كلياً، ولا الاستمرار في ارتكاب المجازر الرهيبة في غزة لإضرارها بسمعة النظام الأمريكي نفسه، وفقدان بايدن وفريقه شعبيتهما بين الشباب الأمريكي، ولكن أيضاً لا للعودة لما كان قبل 7 أكتوبر في غزة (أي إزالة نفوذ حماس من القطاع)، وصمود أسطوري للمقاومة والشعب الغزاوي البطل، يضغطان على الكيان الصهيوني الذي يقف حائراً هو الآخر ما بين رغبة في الاستمرار، لتحقيق عدة أهداف، منها:
- عدم التفريط من المكتسبات المتحققة حتى الآن على الأرض، بالنجاح في التوغل والسيطرة النسبية على أجزاء من الشمال والوسط الغزاوي، وفصل الشمال على الجنوب.
- العمل على مواصلة ما بدأته، رغم فداحة خسائرها للوصول إلى هدف أسمى يتمثل في تهجير الفلسطينيين من غزة، وتدمير حماس، أو إقامة نظام يشبه "جيش لحد" في الجنوب اللبناني، أو وريثه الوظيفي (حزب الله)، في الشمال الغزاوي.
- منع تكرار فضيحته العسكرية في 7 أكتوبر، والتي أفضت إلى انهيار البنية الأمنية للكيان التي تقوم عليها ما تُسمى بالدولة اليهودية، وضامنة لتماسكها واستمرارها.
- الحفاظ على الدور الوظيفي للكيان الصهيوني كحامٍ للمصالح الغربية في المنطقة، وخنجراً في خاصرة المنطقة تحول دون التئامها، وقائداً لدول المنطقة تحت مظلة "التطبيع".
- ضمان تماسك الحكومة اليمينية الصهيونية، والحؤول دون انفراط "عقد" الائتلاف الحاكم ومحاكمة بعض قادته، وأبرزهم نتنياهو كأبرز الأسماء المرشحة للإطاحة بها.
كل ذلك في مقابل خسائر جسيمة جداً في القوات الصهيونية المهاجمة، وفي الاقتصاد "الإسرائيلي"، وضرراً بالغاً بسمعة "إسرائيل" الدولية، رسمياً وشعبياً، بما تم بيانه في التقرير السابق.
في المقابل، ترى المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية أنها قد نجحت في إفشال خطة تهجير قسرية من غزة، كانت معدة لتطبيقها في أي فرصة سانحة، وقد ظهرت إرهاصاتها في الإعداد القوي "إسرائيلياً"، وعربياً لفكرة التهجير، ثم في سيل هادر من التصريحات "الإسرائيلية" والأمريكية الدافعة باتجاه التهجير، والزخم الإعلامي المصاحب لها في كثير من الوسائل الإعلامية الصهيونية في الداخل الفلسطيني والغرب.
وإذا أردنا أن نجمل دلالات الهدنة في جانب المقاومة، فسنجد أن أبرزها:
بل أشدها على الإطلاق هو إحباط الجزء المتعلق بالتهجير وتبادل الأراضي في "صفقة القرن"، وإذا كانت الفكرة لم تزل في المخيال الصهيوني؛ فإنها تجابه بممانعة قوية من كتائب القسام وشقيقاتها، ومن صمود أهالي غزة، الذين أصابوا طغمة تل أبيب بيأس شديد من أن يتقبل الغزاويين فكرة التهجير، لا، بل إن بعضاً من كبار محللي وسائل الإعلام العبرية قد وصفوا تلك الهدنة بالاستسلام، وليس مجرد إجراء صفقة، رغم كل ما يردده بل يعتزمه نتنياهو وغالانت من تأكيدهما على مواصلة الحرب بعد الهدن لاستئصال حماس، وحتى مع إجراءاتهما القاضية بعدم مد الشمال الغزاوي بالوقود، ومنع أهله من الرجوع إليه، يقول ياساكا بينا في "إسرائيل اليوم" اليمينية: "بعد 47 يوما يتمّ إبلاغنا بالصفقة القادمة. تنكشف التفاصيل ومعها الترشيح. هذه ليست صفقة، هذا استسلام. هنا مرة أخرى تعتزم دولة إسرائيل أن تمنح قتلتها وقاتليها جائزة النصر بينما تُذلّ على الأرض". ويسخر يوسي يهوشع في يديعوت أحرونوت (وسط) من "الذين يتفاوضون على الصفقة ويزعمون أن "هناك حلولا بديلة". والحقيقة بسيطة: لا يوجد أيّ حلّ آخر".
إنه حين ثبت المقاومون وسطروا الملاحم في شمال غزة ووسطها؛ فإن الغزاويين قد أذهلوا العالم كله، وأحبطوا قادة "إسرائيل" بسلوكهم الفريد، فالمرحلون من مرجل النار بشمال غزة إلى جنوبها قد حاولوا استغلال الهدن للعودة إلى أطلالهم في الشمال، والعالقون في مصر قد حزموا حقائبهم وقفلوا راجعين إلى غزة! إن هذا سلوك أسطوري يكاد سنا برقه يذهب بأبصار واضعي السياسة الصهيونية.
إن واحدة من أبرز الدلالات الخاصة بالمقاومة، أن عرضها لتلك الهدن، ومن ثم قبول تفاصيلها، ولو لم تكن مرضية في بعض تفاصيلها، قد ضاعفت من قدرة الأهالي في غزة على الصمود، ومنحتهم فرصة جيدة لالتقاط الأنفاس، لجهة تضمن الصفقة لبنود تقضي بالسماح بوصول قدر معقول من المساعدات يساهم في إطالة مدة الصمود، في وقت كانت غزة على وشك فقدان جميع مقومات الحياة. إن الأبطال الذين كثفوا هجماتهم في الأيام الأخيرة قبل الهدنة الأولى، وحولوا شمال غزة إلى مستودع لخردة الدبابات "الإسرائيلية"، دمروا خلالها عشرات من الآليات العسكرية كل يوم، وقتلوا المئات من الجنود الصهاينة وفقاً لشهادات شبه متطابقة من الطرفين، أحدها رسمية من القسام، والأخرى من خلال عدة تسريبات من داخل المعسكر الصهيوأمريكي نفسه، قد جعلوا من الهدنة أملاً يراود نتنياهو وأركان جيشه العدواني.
ثم هي قد سمحت بفرصة أكبر لكتائب القسام وأجنحة الفصائل الأخرى، لتنظيم صفوفها والتقاط الأنفاس، وإعادة ترميم ما تدمر من بنيتها المقاومة في المرحلة الأولى العنيفة، يقول يوسي يهوشع في صحيفة يديعوت أحرونوت: "في الأيام الأربعة المتفق عليها، سيتمّ كبح الزخم الهجومي للجيش الإسرائيلي، مما سيسمح للسنوار باستخلاص الدروس والشروع في سلسلة من التحسينات. وفي هذه الأثناء، سيتمّ الاتفاق على وقف نشاط الطائرات بدون طيار لعدة ساعات يوما، ما سيشكل خطرا على القوات"، ويقول الجنرال الأمريكي المتقاعد جيمس "سبايدر" ماركس، لـ"CNN": "التأثير الأساسي هو أن الجيش الإسرائيلي يفقد معلومات استخباراتية عن الأهداف. يبدأ الأمر بالضمور، وتبدأ المعلومات الاستخبارية التي جمعوها على مدار أيام في غزة في الانهيار من حولهم، في المقابل فإن حماس خلال فترة التوقف، ستقوم بإعادة التمركز، وستبذل كل ما في وسعها لتعزيز أمنها؛ فأنت في غزة ومكشوف، لديك حماس في كل مكان، وما زالت نشطة في نظام شبكة الأنفاق ولم يتم الاستيلاء عليها بالكامل من قبل الإسرائيليين بأي حال من الأحوال. وبالتالي فإن هؤلاء الجنود الإسرائيليين هم أهداف. هذا هو التحدي، ومع الهدنة سيتعين على الإسرائيليين في تلك المرحلة الانتقال إلى وضع دفاعي. إن التوقف المؤقت ليس مصطلحا عسكريا (..) فإما أن تهاجم أو أن تدافع. سيتعين عليهم (جيش الاحتلال) البدء في الدفاع، وهو ما يغيّر المهمة المحدّدة بالكامل. ستصبح هذه مهمة يصعب كثيرا على القادة العسكريين تنفيذها". ويشاطره ناحوم برنياع الرأي في تحليل له في يديعوت أحرونوت، حين قال: أنه "لا يجب أن يكون هناك أيّ سوء فهم: الخيارات سيئة؛ القرارات صعبة. الصيغة المبنية على الدفعات، وقف النار وبعده مزيد من وقف النار ومزيد من وقف النار تصعّب عملية برية متواصلة، ناجعة، وتشوّش الخطط. وهي تخلق إحباطا في أوساط القوات بسبب المراوحة في المكان، وتخلق ضغطا في الميدان وفي الجبهة الداخلية لتسريح قوات الاحتياط".
إنه وبرغم كل آلام الميدان ومجازر المدن؛ فإن حماس لم تضاعف من شعبيتها الداخلية فحسب، وإنما قد فرضت نفسها رقماً سياسياً يصعب تجاوزه، وقد صار أعداؤها في فلسطين (الإسرائيليون)، والأمريكيون، وبالتبعية الأوروبيون الموالون للكيان الصهيوني، ينظرون إلى الحركة كند، ولجناحها السياسي كجيش قتالي يصعب تجاوزه أو الاستخفاف بقدراته، والخبراء العسكريون قد غدوا ينظرون بإكبار للقدرة العالية لمقاتليه على القتال والتكتيك والمناورة، والنجاح في إدارة حرب غير متوازية وغير متكافئة باقتدار، يقول أرئيل كهانا في صحيفة إسرائيل اليوم اليمينية الموالية لنتنياهو: "هناك شيء واحد مؤكّد يجب على جميع الجالسين في غرف المناقشة (من رئيس الوزراء وأعضاء مجلس الوزراء الحربي، إلى آخر قادة الجيش الإسرائيلي وضباط المخابرات) أن يتدربوا عليه، وهو التحرر من الوهم.. وبسرعة من وهمين اثنين:
أولا: حماس لا "تستجدي" أي شيء؛ فالسنوار يلعب معنا كما يريد وحسب اعتباراته.
ثانيا: نحن اليهود، فشلنا في فهم وفك رموز هذه الحركة (وربما منظمات أخرى أيضا). القواعد، والثقافة، والعقلية، والأولويات، والطموحات – كل شيء مختلف تماما عن الرأس الغربي الإسرائيلي، ما يجعل كبار محللينا يخطئون". ويقول مراسل القناة 12 للشؤون الفلسطينية: "من تعجل في نعي حماس عليه النظر إلى هذا اليوم (الجمعة الماضية) ليفهم أن هذا ليس هو الواقع، فبعد 49 يوم من القتال؛ أثبتت الحركة بأنها ما زالت قوية، وأنها ما تزال تسيطر على قطاع غزة. لقد نجحت كتائب القسام في تطبيق وقف إطلاق النار على تلك الخلايا التي اعتقدنا أنها انفصلت عن القيادة. الإفراج عن الأسرى تم كأي عملية عسكرية. لقد نجحوا في توصيل المختطفين إلى المستشفى في خانيونس. تم الإفراج عن المحتجزين في الوقت المحدد؛ ما يدل على أن حماس تسيطر على حراسهم، وأن هناك اتصالات كاملة بينهم. إن حماس ما زالت قوية على الرغم من العملية الهائلة في القطاع، والحركة تسيطر وتدير الأمور على المستوى القيادي والإداري". أما الرئيس الأمريكي السابق ترامب فقد تساءل متحسراً، ولامزاً منافسه بايدن في الانتخابات القادمة من قناة، في تغريدة له: "هل لاحظ أحد أن حماس أعادت أشخاصا من دول أخرى، لكنها لم تعيد حتى الآن رهينة أميركيا واحدا؟" وأجاب بنفسه: "هناك سبب واحد فقط لذلك، وهو عدم احترام بلدنا أو قيادتنا. هذه فترة حزينة ومظلمة للغاية في أمريكا! إن حماس تريد الآن صفقة أفضل للرهائن، وهذا لن ينتهي بشكل جيد!"
الشعبية الهائلة التي اكتسبتها حركة المقاومة الإسلامية في عدة نواحٍ، أيقونتها الإعلامية/أبي عبيدة، وقائدها بالقطاع/السنوار، وقائد كتائبها/الضيف، مقاتلوها وكماتها الأبطال، إعلامها العسكري، قتالها الشرس، مناوراتها السياسية، عمليتها المذهلة في 7 أكتوبر بكل تفاصيلها الاستخبارية والتكتيكية والحربية، أخلاقها الدمثة الآسرة لاسيما في معاملة الأسرى، وإكرامهم لآدميتهم، نظافة حربهم والتزامهم آدابها.. هذه الشعبية انساحت في البلاد الإسلامية، وتمددت خارجها للحد الذي صار جد مزعج للصهاينة وحلفائهم الغربيين والعرب؛ فتلك جماهيرية تترجم إلى قوة دافعة، وأفكار تتحرك موجاتها لتصل إلى شطآن بعيدة، يقول جون ميرشايمر؛ أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، وهو شريك ستيفن والت في "دراسة هارفارد" الشهيرة التي نشرت في 2007 بعنوان "اللوبي الاسرائيلي والسياسة الخارجية الامريكية" في مقطع مرئي: "لقد زادت شعبية الفلسطينيين في غزة في العالم من 65% في مقابل 35% لـ"الإسرائيليين" في الأسبوع الثاني من أكتوبر إلى 95% فيما يليه من أسابيع". وبغض النظر عن هذا التقدير الذي ربما بالغ في تقدير التعاطف الشعبي العالمي الذي لم يزل جزء منها واقع تحت تأثير الميديا الصهيونية، إلا أنه لا يبتعد عن الحقيقة تماماً. إن تغييراً كهذا يحسب لحماس، وجناحها العسكري، وغيره من الأجنحة العسكرية الموازية للفصائل، وللشعب الغزاوي البطل الذي أفرز كل هذه الواجهات النضرة، وإذا قيل إنه يحسب لها؛ فإنه سوف لن يقتصر غالباً على مجرد التعاطف، وهو مطلوب بحد ذاته، ليعبر كثيراً منه إلى التفاعل بدرجات متفاوتة. وقد يمثل نُقلة فكرية لقطاعات متنوعة في الحوض الإسلامي وخارجه.
عطفاً على النقطة السابقة؛ فإن ما اكتسبته الحركة يجعل مهمة دمغها بالإرهاب عالمياً متعذرة، ليس على صعيد أرباب السياسة المتعنتين في الغرب لاسيما الولايات المتحدة، الذين ستعرقلهم تلك الصورة الحمساوية بالضرورة، وإنما سيجعل مهمة إقناع الشعوب بإرهاب حماس صعبة إن لم تكن متعذرة في أحيان كثيرة.
وإذا كان ذلك لجهة تلك الشعبية التي تأسست على قواعد عسكرية وأخلاقية (إنسانية)، تجعل من مهمة تشبيه حماس بداعش مستحيلة، كون الأخيرة ذبحت، ولم تربت على أكتاف الأسرى، وشوهت، ولم تظهر بجبهة حربية ناصعة، مثلما فعلت القسام؛ فإن لها دلالاتها السياسية القاسية على الصهاينة والأمريكيين على حد سواء.. إن هؤلاء وأولئك يتفاوضون يومياً مع تنظيم يدمغونه بالإرهاب، ويستجدونه للإفراج عن أسراهم، وهم يتوعدون بتدميره بالكلية.. إن نظامي تل أبيب وواشنطن لم يوفرا جهداً في الاعتراف الضمني بحماس كسلطة فعلية في غزة، وهم يبشرون العالم بطحنها ونثر رمادها فوق أطلال غزة.. إنهم يعترفون بـ"تنظيم إرهابي" كجهة سياسية تستأهل التفاوض معها، ولو كان أثناء الحرب معها. ولهذا يستنكر المحلل الصهيوني المتطرف ناحوم برنياع في صحيفة يديعوت أحرونوت هذا السلوك المزدوج للمفاوضين الصهاينة، فيقول: "هذه ليست صفقة، فالصفقة هي كلمة نكراء حين يدور الحديث عن منظمة إرهاب. هذا ابتزاز، هذا اضطرار".
داخلياً؛ فإن حماس باتت تكتسي عباءة سياسية فضفاضة في سائر الجغرافيا الفلسطينية لاسيما في الضفة الغربية والقدس، التي تفيد القراءات "الإسرائيلية"، والمشاهدات الحية، أن شعبية السلطة الفلسطينية قد صارت ضئيلة للغاية في الضفة الغربية، وأن أي انتخابات لو تمت في الضفة فستكتسحها حماس، وتطيح بآخر ما تبقى من النفوذ الفتحاوي فيها.
الأمر نفسه يلاحظ في الأردن، الذي لوحظت الزيادة الهائلة في شعبية الحركة فيه في أعقاب 7 أكتوبر، ولم يزل تلمس آثارها حتى الآن، لاسيما مع الدعوة التي أطلقها أبو عبيدة للتظاهر في الأردن فلبتها الجماهير على الفور هناك. وتلك شعبية لا تخفى على القصر الأردني الذي هبت دبلوماسيته لتحذر في موقف صارم جداً بأن أي تهجير من قطاع غزة أو الضفة الغربية ستعتبره عمّان بمثابة "إعلان حرب". هذا الموقف سُمع صداه جيداً في واشنطن التي تشاطر القصر الرؤية عينها فيما يتعلق بخطورة التهجير على مصالحها رغم فائدته في المديين القصير والمتوسط للكيان الصهيوني، وخطورته على المدى البعيد على الكيان الغاصب أيضاً. وهو ما حمل واشنطن على التحذير من تهجير سيفضى إلى سريان "عدوى القسام" إلى محيط سكاني أكثر كثافة، وجغرافية أوسع.
لا ريب في أن دلالات كثيرة لإبرام الهدنة تبدو في معظمها إيجابية لدى الجانب المقاوم، لكن كثير من التنازلات التي قدمتها حماس في مقابل إنجاز تلك الصفقة، التي لا ترتقي إلى سقف طموحات الآملين في تحقيق إنجازات أكبر من ذلك بكثير، كتلك التي حصلت في صفقة جلعاد شاليط قبل 12 عاماً – كثير من تلك التنازلات توحي بأن حماس تعي أنها هي أيضاً تعاني بشدة، وكذلك الأهالي في غزة، وأنها أضحت بحاجة إلى "معركة تحرير" ليس خارج القطاع كما كانت تأمل، وإنما داخله، حيث تتمركز دبابات وقوات صهيونية. صحيح أنها تتلقى ضربات شديدة الإيلام من المقاومة البطلة، لكنها مع ذلك ما زالت موجودة على الأرض في غزة، وصارت في موضع متقدم عما كانت عليه قبل 7 أكتوبر.. هذا تحدٍ قاسٍ للمقاومة، قد تراه ثمناً لمعركة طويلة ومتشعبة، وفي قلبها الأقصى وليس غزة وحدها، وهي تدفع الناقدين بأن للنصر آلامه كما للهزيمة أيضاً، وللفوز مراحله التي قد يحدث فيها تراجعات، لكنها تؤسس لمرحلة جديدة. والمؤيدون يقولون إنه لو لم تكن المقاومة ناجحة لما قرأنا ما قرأناه أعلاه من محللي وخبراء "إسرائيل" أنفسهم.. وسيستمر الجدل بين هؤلاء وأولئك حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.