
نفق سوريا ومعركة حلب

بينما كان الفلاحون البسطاء يستعدون لمتابعة زراعاتهم في قرية الطلحية شرقي إدلب، بسوريا، إذا بقذائف "حزب الله" تنهال بالقرب منهم، لتستنسخ صورة مشابهة في إحدى الأحياء المكتظة بالسكان في بلدة باجة بمنطقة حجر شمالي الضالع، باليمن، حيث نجا "بأعجوبة" أطفال كانوا يلعبون من "قصف عنيف" نفذته ميليشيا "الحوثي" ضدهم، على حد وصف المركز الإعلامي لمحور الضالع العسكري؛ امتداداً لتصعيد حوثي متواصل كذلك منذ 7 أيام على مواقع المقاومة الشعبية في جبل "حوامرة" ومنطقة أشجور بمديرية ماوية
مزية "محور إسناد غزة" الكبرى أنه لا ينسى حربه مع "اليزيديين" – بحسب تعبير خامنئي – في خضم معاركه مع الصهاينة! وكيف لا، وهو قتل من الأولين أضعافاً مضاعفة لما قتله من الآخرين.
بأي حالٍ؛ وبعيداً عمّا ينغص على الحالمين سكرة الإسناد، ثمة ما هو جديد قد طرأ بالفعل استدعى من الحزب والحوثيين التذكير بوجودهما وقوتهما في تلك الجبهتين مع أهالي وقوى سنية؛ فليس الحقد وحده هو المحرك هذه المرة، فهناك حسابات باتت مقلقة للطرفين، ولدى الحزب أكثر، حيث تعرض لضربات قوية جداً من "إسرائيل" خشى معها محور الطغيان الطائفي في سوريا من أن يفقد الحرس الثوري الإيراني و"حزب الله" بعض مواقعهما في ريفي إدلب وحلب.
ترددت أنباء هذا الأسبوع، يزداد صوتها شيوعاً يوماً بعد يوم عن احتمال شن "غرفة عمليات الفتح المبين" السورية حملة لـ"تحرير حلب"، على الفور بدأ النظام السوري، وحلفاؤه على الأرض (الحرس الثوري و"حزب الله") في إطلاق قذائف مدفعية باتجاه ريف حلب، ومحيط إدلب، وحلقت طائرات روسية لإجراء مسح طبوغرافي لمناطق تمركز قوات "هيئة تحرير الشام" و"الجبهة الوطنية" القريبتين من أنقرة، ومن ثم بدأت تطلق عشرات الغارات التي تستهدف مواقع مدنية وعسكرية، على ما يبدو للتحذير من جهة، ولتذكير الضامن التركي أن روسيا لن تسمح باستغلال "فراغ" تسببت به الضربات "الإسرائيلية" للحزب في أن تستعيد الفصائل السورية ولو بعض مواقعها التي احتلتها الشيعة، خرقاً لاتفاق أستانا، فضلاً عن التطلع لتحرير عاصمة الشمال، حلب.
برز اللاعب الروسي بقوة، وبغارات هي الأعنف منذ 3 أشهر، ليعوض نقص الإيراني، الذي يتخبط في نقل بعض ميليشياته العراقية إلى سوريا، وجزء من حزبه من لبنان إلى جبهة الجولان، ومن إدلب إلى حدود لبنان. ينقل القوات باتجاه المحرقة، وقادة الحزب باتجاه دمشق للنجاة من القصف، ليسد الفراغ الذي أعقب مقتل أكثر من 50 قياديًا منه، إضافة إلى إصابة أكثر من 4000 من قيادات المجموعات.
هذا الفراغ، الذي استدعى تمركز جزء من قوة الرضوان للحزب في سوريا، بعد تضرر القوة في لبنان، أزعج محور روسيا/إيران/نظام بشار؛ فتحرك اللاعب "الحر" اليوم/روسيا ليوجه رسائله إلى الطامعين في ملء الفراغ.
"إسرائيل" تضرب وترقب، فلا غرو أنها راضية تماماً عن ضربات موسكو، لأن آخر ما تتمناه في المنطقة أن يتعرض نظام بشار لهزة عنيفة أثناء تقليم أظافر حلفائه. يتوعد نتنياهو بأنها "سيحرر إيران"، وأنه سيدمر بنية "حزب الله"، وسيضرب إيران، لكنه مع ذلك ممتن لكل هؤلاء، وهم يقاتلون على "الجبهة اليزيدية" على حد تعبير خامنئي؛ فثمة خطوط حمراء لابد أن يعرفها الجميع: لا إسقاط لنظام بشار النصيري، ولا إبعاد للحوثي الإمامي الجارودي عن القوات العسكرية والاستخبارية في اليمن، ولا تجريد كاملاً لسلاح "حزب الله" الإمامي الجعفري، ما دام من الممكن أن تستفيد قوى سنية من هذا الفراغ.
تسري الأقاويل في ربوع إدلب، وريفها، وريف حلب، أن "غرفة الفتح المبين"، إذ أعلنت جهوزيتها لأي طارئ، ربما اندفعت لتحرير مدينة حلب، كما يُشاع، لكن دون حلم كهذا خرط القتاد؛ فالداعم التركي يتحدث طويلاً وكثيراً عن خطورة تقسيم سوريا، إذا ما انفرط عقد نظامها تحت وقعات عنيفة يتوقعها من "إسرائيل"، وفق تقديرات استخبارية تركية تتردد مراراً على وجه التحذير، لكنه يدرك أن مساحة تحركه محدودة جداً، وأن دخوله على خط الدعم الحقيقي للفصائل السورية، بتوفير مضادات أرضية وصواريخ متطورة ونحو ذلك، سيضعه في أتون معركة إقليمية لا يمكن التنبؤ بنهاياتها.
ما برح السوريون في المناطق المحررة، وغير المحررة، يحلمون بعودة حلب إليهم، كقوة استراتيجية وازنة، تعيد لـ"الثورة السورية" حيويتها وقدرتها، وتسمح لها ببناء مشروع تحرري شامل، ولعل الأنباء التي ترددت في الآونة الأخيرة عن قرب "معركة تحرير حلب" بعثت في اللاجئين في المخيمات الأمل، لكن نفق سوريا لم يُرَ نوره بعد؛ فاللاعبون الرئيسون حريصون على إبقاء الوضع على ما هو عليه، وحتى اللاعب التركي الحذِر من امتداد نيران "الحرب الإقليمية" إلى حديقته السورية الخلفية لا يقوى على اتخاد موقف راديكالي يجلب إليه المصاعب؛ فيكتفي بالتحذير والعمل الدبلوماسي النشط.
أما الفصائل؛ فلربما يحدوها الأمل، كما يحدو كل مسلم، أن تتحرر حلب والشمال السوري ابتداءً، غير أنه من دون غطاء جوي أو مضادات أرضية فاعلة؛ فإن دخول معركة كهذه ينكشف فيها الأهالي للقصف، من دون أي ملاجئ أو حماية، ويُصطاد فيها المهاجمون بالمسيرات والمقاتلات، هو أشبه بعملية "انتحارية".