الاستنتاج الذي ينبغي الوصول إليه في الأزمة المالية المتفجرة مؤخرًا، هو أن الشقوق الواسعة في الحياة السياسية المالية التي خلفت أزمات بنيوية عميقة لم يعد يجديها رتق ولا رقع، وعليه، فالقراءة القاصرة على المحلية لا تنتج فهمًا لصراعات يلج فيها الشرق والغرب والشمال والجنوب.
يُقرأ الهجوم المباغت الذي قامت به “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، و”جبهة تحرير أزواد” (وهي تحالف تشكل عام 2024من “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، و”جماعة إمغاد وحلفائها للدفاع الذاتي”، و”المجلس الأعلى لوحدة أزواد”، و”حركة أزواد العربية”) على أكثر من ست مدن وبلدات ومقار عسكرية تابعة لنظام العقيد عاصمي غويتا في سياق محلي، كحركة مد أزوادية (وطنية ودينية) في صراع ممتد، تغذى على عوامل تتعلق بالهوية والتمييز القومي واللغوي.
وأبسط الطرق إلى فهم أبعاد الهجوم الكاسح الذين شنه تحالف من جبهة تحرير “أزواد” وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، في مالي، ضد القوات المسلحة المالية والفيلق الروسي الحليف للحكومة المالية، هو أن الجبهة والجماعة تريدان هزيمة القوات الحكومية، لكي تتمكن الحركة من إقامة دولة للأزواد، والثانية من إقامة دولة لا تحدها مالي. لكن أبسط الطرق لا توصل إلى العمق الجيوسياسي الكامن خلف أكمة هذا الصراع العسكري، فالهجوم الذي شنه الفصيلان، وتمكنا فيه من السيطرة بشكل كامل أو جزئي أو مؤقت على ست مدن وبلدات في الشمال والوسط المالي، وقطفا رأس اليد اليمنى لقائد الانقلاب، وزير دفاعه ساديو كامارا، منسق التحالف مع الروس، وعدو فرنسا الأول في مالي، وسط اختفاء تام لرئيس مخابرات الدولة الجنرال موديبو كوني، وأحد أقوى رجال المجلس العسكري، وتردد أنباء عن مقتله هو الآخر، بعد أنباء أكدتها صحيفتا “لو موند” و”لوفيغارو” عن تعرضه لإصابة خطيرة خلال الهجوم الذي استهدف المقرات القيادية في كاتي.
خلفية الصراع وقصته:
ففي خلفية الصراع، هناك ميل واضح للنظام العسكري الانقلابي الحاكم في بامكو (العاصمة)، للروس، فبعد الانقلابين اللذين قادهما عاصمي غويتا في عامي 2020، 2021 حلت مرتزقة فاغنر الروس محل جنود الحامية الفرنسية، وتبدل الولاء من باريس إلى موسكو، وفقدت فرنسا “مستعمرة” ضمن ثلاث “مستعمرات” تحولت باتجاه الشرق، وهي النيجر وبوركينا فاسو إضافة إلى مالي. وهو ما لا تبدو أن فرنسا قادرة على هضمه حتى الآن، لاسيما مع تواصل تراجعها الاقتصادي المتأثر بفقدانها لنفوذها الذي كان يُدر عليها مالًا تنتهبه من تلك البلدان التي كانت تبدل حكامها متى أرادت.
تبدأ القصة مبكرًا، منذ “استقلال مالي” الشكلي أدخلت منطقة الأزواد قسرًا ضمن حدود مالي، ولم تكن تابعة لها ولا لغيرها من قبل، بل ظلت على مدار التاريخ منطقة قبلية مستقلة يحكمها أمراؤها، وكعادة “الاستعمار” فقد دق إسفين الصراع بين الشمال الأزوادي (الطوارق الأمازيغ الرحل)، والجنوب والوسط (الأفارقة المقيمين: قبائل البمبارا، وقوميات الماندينكا، السونينكي، السينوفو، والبوبو)، حيث تركزت السلطة في يد الفئة الأخيرة، ما أشعر الطوارق بالتهميش والنزع نحو الاستقلال، لاسيما مع سياسات اقتصادية خاطئة استأثرت بالثروة والحكم، وأرادت استغلال موارد الشمال الذي يُعتقد أنه يحوي اليورانيوم والذهب وغيرهما.
وفي مناخ التهميش هذا، وضعف السلطة في الشمال، نشأت عدة حركات استقلالية (أو انفصالية بحسب جهة التصنيف)، آلت في الأخير إلى “جبهة تحرير الأزواد”، وهي حركة ضمت تحالفًا علمانيًا في الأساس، وتسعى إلى تأسيس دولة مستقلة في حدودهم الجغرافية شمال مالي، أو على الأقل الحصول على حكم ذاتي موسع، أي على مساحة تضم حاليا مدنًا عديدة من بينها تمبكتو وكيدال وغاو وتساليت. وأمكن لجماعات “جهادية” النشاط في هذا الإقليم، والسعي نحو إقامة دولة إسلامية ممتدة لا تعترف بحدود “الاستعمار”، وتطورت عبر عدة تحالفات إلى أن التأمت ضمن “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” القريبة من تنظيم القاعدة.
تقارب حذر:
وكلا النقيضين التقيا من أجل تحقيق هدف مرحلي واحد، وقد كانا قد التقيا من قبل منذ اثنتي عشرة سنة، لكنهما الآن يلتقيان مع تقارب نسبي في الأيديولوجيا، فكلاهما اقترب قليلًا من الآخر، منذ عام تقريبًا، وتحديدًا بعد أن التقى وفد من “هيئة علماء أزواد”، قيادات من الجبهة، في مارس العام الماضي، وأظهرت الأخيرة موافقتها المبدئية على تطبيق الشريعة ورفض العلمانية، مشددة في الوقت نفسه على طلبها لجماعة النصرة، التخلي عن البيعة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، بحسب منصة “أفريكان بيرسبشنز” المهتمة بشؤون شمال أفريقيا والساحل، وهو شرط لم يُستَجب له.
ولربما زاد هذا التقارب أكثر، لاسيما لمن يقرأ البيان الأخير لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، والذي وصف مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير أزواد (إحدى أكبر فصائل الجبهة) بـ”إخواننا”، وتعاطى بلغة براغماتية مع المحتلين الروس، ما أثار ذاكرة تعامل “هيئة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقًا) في سوريا مع الاحتلال الروسي، واحتمالات تبني بعض قيادات الجماعة المالية لخطاب سياسي براغماتي كالذي سار عليه الفصيل السوري قبل عام ونصف، خصوصًا أن التنظيم القريب من “القاعدة” قد خرجت بعض قياداته من رحم الحركة الأزوادية؛ فقائده هو إياد أغ غالي، قيادي تاريخي، شغل منصب مستشار رئيس دولة، ودبلوماسي سابق، قبل أن يتأثر بجماعة التبليغ ثم فكر القاعدة، وهو – كما يتردد – يرقب تجربة الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي تحول من قيادي لجماعة قريبة من القاعدة إلى رئيس يتمتع بعلاقات واسعة مع قادة العالم، ولا غرابة في أن تفكر جماعته في أن تتعاطى السياسة بشكل مختلف، وهي قد مارست شيئًا من ذلك في الأحداث نفسها، حين سمحت لقوة من “الفيلق الإفريقي” الروسي بالخروج الآمن من كيدال التي كسحت الجماعة معوقات الطريق العسكرية للجبهة من أجل استعادتها مرة أخرى. وهذا “التفاهم السياسي” يثير شهية الباحثين عن خيط لتغير في سلوك الجماعة، مشابه للتغير الذي حصل للجبهة التي اختارت الجماعة لها رفيقة سلاح، وحليفة سياسة.
ولهذا لن يعجب البعض من أن يصمد هذا التحالف، حتى تحقيق استقلال أزواد، أو يمتد هذا التحالف حتى إزاحة نظام غويتا من السلطة في باماكو، استنادًا إلى لغة تفاهم بادية بين الجانبين.
وكما بدأنا؛ فتفجير الصراع الآن بهذا المستوى ليس نتاج حالة “صحوة” انتابت الحليفين، ولا استغلالًا للحظة ضعف للنظام وحدها، بل إن البعدين الإقليمي والدولي أعمق من ذلك، وتأثرهما واضح في هذا التحرك.