“كنت أسبح أمام جزيرة سوزان الألبانية، فانبهرت بها، وقررت أنا وزوجي إقامة مشروع سياحي واعد تقارب تكاليفه 1.5 مليار دولار”، هكذا تقول “الأسطورة الإيفانكية”!
“عرض كوشنر للاستثمار بدأ بالصدفة. فكوشنر وزوجته إيفانكا ترامب وأصدقاء توقفوا في ميناء دوريس للتزود بالوقود لسفينتهم في طريقها إلى الجبل الأسود، وعندها تناولنا العشاء، وبعد أشهر، التقاني كوشنر في اجتماع لقادة العالم ورجال الأعمال في دافوس بسويسرا، وقال لي: بلدكم مذهل للغاية ونود أن ندرس فرصة للاستثمار فيه”، هكذا تقول “الأسطورة الراماوية”
لم يلتفت الألبان كثيرًا لكذبة إيدي راما، رئيس الوزراء الألباني، ومحاولته استغباء الألبان، غير أن عبارة إيفانكا ترامب، مثلت القشة التي قصمت ظهر البعير في ألبانيا؛ فما تتحدث عنه ليست جزيرة مجهولة مهجورة، ولا المشاريع الكبرى يتم تنفيذها لأجل إرضاء الزوجات في الولايات المتحدة الأمريكية.
جزيرة سوزان الساحرة، التي تقع على بعد 25 ميلًا بحريًا من شواطئ ألبانيا، وتعني “الأمل” أو “الحجر” ليست اكتشافًا تفرد به الزوجان الصهيونيـ.يان، فالجزيرة لها طابع استراتيجي بارز، أدركه المحترفون بالسليقة، والمحترفون الاستراتيجيون بحنكتهم.
تاريخ الجزيرة:
لم يعرفها القراصنة المحترفون فاتخذوها مركزًا لهم في مضيق أوترانتو من فراغ، فموقعها الاستراتيجي يمكنهم من الاستيلاء على ما أرادوا من سفن تعبر هذا المضيق.
والجزيرة هي قلب عقدة، يلتقي عندها البحر الأدرياتيكي والبحر الأيوني والبحر المتوسط، ولذلك أدرك كل زعيم أو قائد عسكري أهميتها، فالسلطان محمد الفاتح بنظرته الاستراتيجية الفريدة اعتبر أن من سازان ينفتح الطريق نحو روما، ولذا أحكم سيطرته عليها، وأطلق بحريته بقيادة القائد كدك أحمد باشا لفتح مدينة أوترانتو بإيطاليا، ففتحها وبنى بها قلعته، لكن البنادقة قد نجحوا بعد عام من استعادة أوترانتو، الميناء الإيطالي، المطل على الجانب الآخر من المضيق المهم، واتخذها فرديناند ملك نابولي قاعدة عسكرية في عام 1481.
ولم تخفَ على قراصنة البحر الرسميين (المملكة الإنجليزية) أهمية الجزيرة، فاحتلتها عام 1815، إلى جانب العديد من الجزر الأيونية الأخرى، وهو فعل يتماهى مع استراتيجية بريطانيا في السيطرة على المضائق المهمة في العالم، ثم سلمتها إلى اليونان في عام 1864، ضمن تفاهم لا يجردها امتيازات أخرى.
ولفهم أهمية الجزيرة حينئذ، نقف عند محطة بالغة الأهمية لدى الألبان، حينما بدأت الحركة الانفصالية الألبانية باسم (استقلال ألبانيا) تقوم بمؤامرتها بمساعدة اليونان وفرنسا ودول أوروبية أخرى، ونجحت أثناء حروب البلقان في إعلان “استقلال ألبانيا” لأول مرة بعد حكم عثماني دام أربعة قرون، حينها أراد أول رئيس حكومة لألبانيا، إسماعيل كمالي – وهو المنتمي إلى الاتحاد والترقي، والباطني العقيدة ومؤسس ألبانيا الانفصالية – أن يتحرك باتجاه البحر، عام 1912، تمركز اليونانيون بقواتهم في سازان. ثم احتلتها إيطاليا عام 1914، ومعها الشاطئ الألباني في فلورا، وبين سازان وأوترانتو، وقعت أكبر معركة بحرية في البحر الأدرياتيكي خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917، بين دول الحلفاء (القوات البحرية لكل من بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا)، ودول الوسط (تمثلت في البحرية الإمبراطورية لـ النمسا-المجر، وبدعم من غواصات ألمانيا)، حيث كان الهدف هو إحكام الحلفاء لحصار أوترانتو، لمنع الغواصات النمساوية والألمانية من الخروج للبحر المتوسط، وهدف دول الوسط، كسر الحصار وتدمير سفن بريطانيا التي تحاصر المضيق. واستمر الاحتلال الإيطالي لسازان، بل تم تقنينه بمعاهدة عام 1920 بضغط أوروبي وخيانة
داخلية رسمية ألبانية، حيث وضعت سازان ضمن حدود إيطاليا، وليس ألبانيا! حيث ظلت سازان جزءًا من حلم إيطاليا الكبير، وكشفت أدبيات ساستها أنها تحتفظ بالجزيرة لضمان وتأمين “بوابات الشرق”.
وقد أصبحت ألبانيا أول ضحايا الحرب العالمية الثانية، فكان أول وأبرز تحرك فاشي أوروبي باستيلاء إيطاليا موسوليني عليها تحت ذريعة إعلان الملك الألباني زوغ نفسه “ملك الألبان” وليس “ملك ألبانيا” وحدها ليلقي بظلال حكمه على الألبان في كوسوفا وغيرها، ولم يتمكن الحلفاء من طرد قوات المحور من ألبانيا إلا بمساعدة داخلية من الحزب الشيوعي بزعامة أنور خوجة، ولقد أسفر تحركه عن خضوع ألبانيا لحكم شيوعي بعد طرد الفاشيين، وعادت حينها سازان لألبانيا عام 1944 تحت عين موسكو وسمعها، وافتخر الديكتاتور الشيوعي الشهير لألبانيا أنور خوجة باستعادة الجزيرة المطلة على المضيق الاستراتيجي، واصفًا إياها بأنها “واحدة من أهم المراكز العصبية ليس فقط في ألبانيا والبلقان، ولكن أيضًا في جميع أنحاء أوروبا”، قائلًا العبارة الشهيرة “لدينا مفاتيح أوترانتو”. ورد خوجة مساعدة الشيوعيين بجعل الجزيرة واحدة من أبرز حصون الاتحاد السوفييتي في “الشرق الأوسط”، بخنادقها المحصنة ضد الهجمات النووية، وإطلالاتها التي تراقب ثلاث بحار، وتحكم إغلاق الأدرياتيكي لو أرادت في زمن الحرب.
….
هذا بعضٌ من تاريخ الجزيرة الاستراتيجية، التي إثر إعلان إيفانكا وجاريد كوشنر عن سخافتهما بشأن إحياء تلك “الجزيرة المجهولة”، واستخفاف رئيس الوزراء الألباني بشعب ألبانيا تراهاته عن الجزيرة، وتفريطه بأهم أوراق بلاده، وأبرز نقاط قوتها، اندلعت واحدة من أهم مظاهرات ألبانيا، وتفجر الغضب بين أبنائها، حتى أولئك الشباب الذين لم يقرؤوا جيدًا تاريخ جزيرتهم، فلم يروا في حاضرها إلا “محمية طبيعية” لطيور الفلامنجو والسلاحف البحرية.