ما بين “إدارة الأزمة” و”حل الأزمة” مسافة كبيرة، لا تُقطع بالأماني والعواطف، بل بخطوات يستشعر فيها الأطراف المعنيون بحاجتهم إلى عبورها في هذا التوقيت، لا لأنه المثالي، وإنما لأنه ربما كان الأقل مرارة.

ينفد المخزون الحربي بسرعة في خضم مزايدة على عدد الصواريخ والقنابل الثقيلة، الملقاة على أهداف كل طرف، ونزيف من الصواريخ المضادة للدفاعات الجوية، وتُرابي بنوك الأهداف أكثر وأكثر، لتحصد منها كل قذيفة مواقع استراتيجية أنشئت في عقود طويلة وبأموال طائلة، ولا حل يبدو ناجعًا في الأفق، فلا هذا الطرف ماضٍ إلى الاستسلام، ولا ذاك حقق سقف أحلامه العالية من أهداف؛ فتستمر المزايدة، ولكن معها أثقال من الضغوط على صناع القرار في كل من طهران وواشنطن وتل أبيب، ويجد الجميع نفسه مدفوعًا نحو مسعى وقف إطلاق النار، ولو لم تكتمل الرؤية أو تتضح معالم “السلام”!

ما دمرته الآلة العسكرية الأمريكية و”الإسرائيلية” في إيران ليس بالشيء الهين الذي يُمكن لمن تبقى من صناع القرار في طهران ابتلاعه أو القبول باستمراره إلى الأبد، وبدا لديهم أن القادم أسوأ بل كارثي، والرُعب الذي تملك “الإسرائيليين” مع كل قصف ليس بوسع صانع القرار في واشنطن وتل أبيب تحمل تبعاته المتعاظمة، لاسيما أن “إسرائيل” خارجة من حرب ضروس مع أبطال غزة، جعلت جيشها، الذي هو “شعبها” – إن جاز التعبير – يعاني ما لم يعانيه من قبل، والخسائر الاقتصادية الكبيرة للكيان الصهيـ.وني، والضغط الاقتصادي على الولايات المتحدة وحلفائها لم يكن ليستمر طويلًا، لاسيما أن ترامب يتحول تدريجيًا من فائز مكتسح بالانتخابات إلى أمثولة للسخرية في الولايات المتحدة الأمريكية، ومشروع رئيس مهدد بالعزل والسجن لاحقًا، وحزبه بالمذلة في الانتخابات القادمة.

وفي خضم هذا، كانت باكستان جاهزة للعب دور “الوسيط”، والذي بدا أن كلا الطرفين تمنى أن يقدم طرف ثالث طوق النجاة، ففعلت باكستان طالبة من واشنطن الاستجابة لوقف إطلاق النار، لمناقشة بنود قدمتها طهران، وأخرى قدمتها واشنطن، ومن طهران – علاوة على وقف إطلاق النار – فتح مضيق هرمز لمدة أسبوعين دون قيد أو شرط مؤقتًا.

تتمتع باكستان، ممثلة في رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، وقائد الجيش الباكستاني، عاصم منير – الشخصيتان الأكثر نفوذًا في باكستان – بعلاقة جيدة مع كلا الطرفين، وهما بدءا جهود الوساطة مبكرًا، وتحديدًا منذ أن طلبت واشنطن من الوسطاء الذين يضمون تركيا والسعودية ومصر إلى جانب باكستان أن تسمح طهران بمرور ثمانية سفن باكستانية من المضيق كدلالة على أن المفاوضين الإيرانيين يتمتعون بنفوذ حقيقي في طهران، وقد فعلت طهران، وزادت السفن لعشرة.

وقدمت واشنطن قائمة بشروط تضم 15 بندًا، فرفضتها طهران، ثم قدمت الأخيرة مؤخرًا قائمة بـ10 بنود لم ترفضها واشنطن مبدئيًا، لكنها لم تتخل عن شروطها الأولى، فصارت الساحة التفاوضية جاهزة لمناقشة نحو 25 بندًا متعاكسة، ستكون مادة مبدئية لتفاوض شاق. وذلك وفقًا لتغريدة وزير الخارجية العراقي عباس عراقجي، والتي نشرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

والبنود هي من الجانب الأمريكي:

– تفكيك كامل للبرنامج النووي العسكري.

– حظر دائم: التعهد بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي للأبد.

– وقف تخصيب اليورانيوم.

– تسليم اليورانيوم المخصب للوكالة الدولية.

– إغلاق المواقع الحساسة (نطنز، فوردو، أصفهان).

– السماح غير مشروط لمفتشي الوكالة الدولية بتفتيش المواقع النووية

– إنهاء الدعم العسكري والمالي للفصائل التابعة لإيران بالمنطقة.

– ضمان أمن الممرات المائية الدولية (مضيق هرمز).

– وضع سقف للمدى والقدرة التدميرية للصواريخ الباليستية.

-حصر المنظومات الصاروخية في الجانب الدفاعي فقط.

-إلغاء “سناب باك”: التخلي عن آلية العودة التلقائية للعقوبات.

-رفع العقوبات كافة العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.

-دعم دولي لبرنامج نووي ايراني للأغراض السلمية والطبية.

-إطلاق سراح المحتجزين من الطرفين كبادرة حسن نية.

– البدء في حوار مباشر لإنهاء حالة الحرب رسميًا.

أما بنود إيران، فهي:

-ضمان عدم تعرض إيران لهجوم آخر

– إنهاء الحرب بشكل دائم، وليس مجرد وقف لإطلاق النار

– إنهاء الضربات “الإسرائيلية” في لبنان

– رفع جميع العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران

– إنهاء جميع المناوشات الإقليمية ضد حلفاء إيران

– إعادة فتح مضيق هرمز.

– فرض رسوم قدرها مليونا دولار أمريكي على كل سفينة تعبر مضيق هرمز.

– تقاسم هذه الرسوم مع سلطنة عمان.

– وضع قواعد للمرور الآمن عبر مضيق هرمز

– استخدام رسوم عبور هرمز في إعادة الإعمار بدلا من التعويضات.

وبالطبع لا أحد يعرف ما إذا كانت المفاوضات ستنجح أم ستفشل، لكن غالب الظن لدى كثيرين أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أدركت تمامًا أن كلفة عودتها للحرب مجددًا ليست هينة، والواضح من البنود لأول قراءة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد تخلت (علنًا) تمامًا عن أهم وأكبر أهدافها للحرب، وهو تغيير النظام في طهران، وأن إيران طامحة إلى جني مكاسب جيوستراتيجية كبيرة من خلال التفاوض، وأن الإنجاز الوحيد الذي يمكن أن يتحقق لواشنطن هو إيقاف البرنامج النووي الإيراني العسكري (لأجل غير مسمى)، وأن واشنطن قد تعمل على توفير ضمانات لـ”إسرائيل” لعدم قصف إيران لها مجددًا.

وفي أول وهلة يبدو أن إيران المكلومة، والتي تضررت برامجها التسليحية والتصنيعية كثيرًا جدًا في الحرب لن تخرج مهزومة ما لم تنهَر الهدنة، والولايات المتحدة لن تخرج منتصرة ما لم تُذعن إيران لكل

مطالبها وتتخلى عن شروطها العشرة، وهذا يبدو عصيًا على التحقق لاسيما مع ما يُعرف عن الإيرانيين من إجادة اللعبة التفاوضية.

لكن كما قلنا، فهذه البنود لم تزل مطروحة على مائدة التفاوض، وكلها محض متغيرات، غير أن الثابت فيها هو تخلي واشنطن عن فكرة تغيير النظام الإيراني بعد إدراكها صعوبة تحقيق ذلك من دون غزو بري مكلف. والثابت أيضًا أن كلا الطرفين قد دفع فاتورة عالية للحرب، خصوصًا إيران، المتضرر الأكبر في بنيته التصنيعية، وفي خسارة كبار قادته الدينيين والعسكريين.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب