في وقت يسود فيه الغموض حول مصير الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” على إيران، تبرز بعض المؤشرات حول سيناريوهات نهاية الحرب القائمة، واحتمالات منطقة بل عالم ما بعد الحرب.

حتى الآن، تبدو الأبواب مغلقة أمام كافة السيناريوهات لحلحلة الوضع في الخليج، مع حالة بات الجميع فيها يعاني، إيران، والولايات المتحدة الأمريكية، و”إسرائيل”، ودول الخليج، ثم المحيط الإقليمي، ومن ثم دول العالم غير النفطية.

تُمسك إيران بتلابيب مضيق هرمز، ولا يظهر في الأفق ما يشي بأن كوة ستفتح في هذا الملف الخطير، ولم تزل الولايات المتحدة الأمريكية تقدم قدمًا وتؤخر أخرى في مسألة الدفع بقوات برية من أجل إرغام إيران على استسلام لم تظهر ملامحه بعد.

هدف الحرب الأكبر، وهو تغيير النظام الإيراني قد غدا بعيد المنال، وبنزق من الأمريكيين زادوه بُعدًا مع اغتيال كبار قادة إيران، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى علي خامنئي، ذو المكانة الدينية عند شيعة إيران، وحل مكانه ابنه، ولي دم أبيه، ومعقد العزم والإرادة على الانتقام، الذي لم يستثن في طريقه كبار قادة الحرس الثوري، الذي بات يحكم اليوم إيران، وهم بدورهم أصبح لهم ثأرهم من النظامين الأمريكي و”الإسرائيلي”.

مع هذا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” لا ينظرا إلى إيران – رغم كل قدراتها – على أنها نظام لا يمكن التعامل معه في نهاية المطاف، وعقد صفقة تمنح الطرفين المتحاربين قدرًا مما يريدان، على خلاف، المقاومة في غزة؛ فهدف تغيير النظام في طهران مع أنه يؤدي إلى تأمين الكيان الصهيـ.وني إلا أنه لم يكن الهدف الأوحد للحرب، ويمكن تسويق غيره كانتصار أمريكي/”إسرائيلي” زائف. ووجوه زيفه عائدة إلى أن الهدف الأول والأهم للحرب كان تغيير النظام الإيراني، وهذا بدوره كان يضمن شل البرنامج النووي العسكري الإيراني، وتأمين “إسرائيل” من هجمات إيران وأذرعها، وما لم يتحقق ذلك؛ فقد رأينا أن إيران قد تمكنت من إعادة ترميم بناها العسكرية، لاسيما الصاروخية منها في عدة أشهر منذ حرب الـ12 يومًا، العام الماضي، بل إن أحد أذرعها، وهو “حزب الله” قد تمكن هو الآخر من لعق جراحه بعد أكبر حملة عسكرية تعرض لها، وتُوجت بقتل زعيمه الأبرز، حسن نصر الله، وأعاد بناء دفاعاته واستحكاماته العسكرية في الجنوب اللبناني، ووجه صواريخه بغزارة للكيان الصهيـ.وني، هذا عدا عن أن أحد الأذرع القوية في اليمن (الحوثيين) لم يطلق رصاصة واحدة حتى الآن.

وما يُمكن تسويقه حول البرنامج النووي الإيراني من قبل الرئيس ترامب يصعب مضغه حينما يتعلق الأمر بالقدرات الصاروخية الإيرانية التي يشهد العالم أنها لم تزل قادرة على إصابة أهدافها بدقة حتى الآن.

ورغم أن التقارير تتضافر حول قوة الضربات الأمريكية و”الإسرائيلية” لإيران، وهي بالمناسبة أشد مضاضة بكثير من التي وجهتها إيران للكيان أو للخليج، وأنها قد أعادت إيران عشر سنوات إلى الوراء، وأن عليها أن تواصل العمل طويلًا من أجل إعادة إنشاء بنيتها التحتية المدمرة، إلا أن كل هذا لا يمكن بيعه لدافع الضرائب الأمريكي، ولا أولئك الذين يحزمون حقائبهم في فلسطين المحتلة من المحتلين رغبة في مغادرتها، ولو بيع لهؤلاء ولأولئك، فلن تبيعه واشنطن لحلفائها وأعدائها على حد سواء في العالم؛ فيوم تنتهي الحرب على نحو لا يستقيم كنصر بارز قد تحقق؛ فإن سمعة الولايات المتحدة و”إسرائيل” ستسفحان على مذبح الحرب العبثية تلك.

وبطبيعة الحال؛ فإن الحرب لن تستمر إلى ما لا نهاية، ولا بد لها من نهاية، لكن بأي قلم ستُكتب؟

على الورق، لا يوجد أكثر من أربعة احتمالات لهذه النهاية:

  • استسلام إيراني سريع ومفاجئ، وقبولها بإملاءات “المنتصرين”.

  • وقف الولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” الحرب من طرف واحد، وهو ما سيترجم كنصر كبير لإيران.

  • دخول الطرفين في حرب استنزاف طويلة، أو تطوير الهجوم إما بريًا أو بقصف أمريكي هائل يُرغم إيران على الاستسلام.

  • الحل عن طريق المفاوضات دون التورط في تطوير أدوات الصراع.

والاحتمالات الأربعة بعضها قد بات شبه مستحيل، وهو أولها، لأكثر من سبب، أبرزها وجود قوة إيرانية ردعية صاروخية وغيرها، ووجود أوراق لعبة بيدها بخلاف ذلك، منها إغلاق المضيق، وضرب المواقع النفطية والاستراتيجية في الخليج وفلسطين المحتلة، وقدرة السلطات الإيرانية على الإمساك بزمام الأمور في البلاد، وعدم وجود حركات تمرد شعبية ضاغطة من أجل الاستسلام، ووجود بنية اقتصادية قادرة على الصمود لفترة طويلة، علاوة على التمكن من إخفاء قدر مناسب من مرابض الصواريخ والمسيرات. وثانيها كذلك، إذ لابد للولايات المتحدة الأمريكية تحديدًا من تحقيق نصر ولو شكلي، ومن شأن انسحابها المفاجئ أن يكشف ظهر حليفتها الرئيسة (إسرائيل)، ويزعزع ثقة الخليج بها، ويرغمهم على التقارب مع إيران أو القوى الدولية الحليفة لها كالصين وروسيا. ثم إن إدارة ترامب التي خاضت حربها دون تفويض من الكونغرس تحت ذريعة وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو (أن الولايات المتحدة كانت تعلم بشن “إسرائيل” الوشيك لهجومها على إيران، وبالتالي اضطرت لخوض الحرب دفاعًا عن حلفائها ومصالحها)، أو ذريعة ترامب الذي حاول لملمة تصريح روبيو الفضيحة، بأن الولايات المتحدة نفسها كانت ستتعرض لهجمات فبادرت بالهجوم! وهو ما لن يصدقه أحد في الكونغرس إلا إذا خرج ترامب منتصرًا أو شبه منتصر، وهو ما يبدو حتى الآن بعيد المنال.

ورابعها: هو الحل التفاوضي الذي قد تلجأ إليه الولايات المتحدة و”إسرائيل” وإيران بعد أن أنهكتهم الحرب، واستنزفت قدراتهم التسليحية، وهو ما تبدو الولايات المتحدة الأمريكية مندفعة إليه، ولا تبدو “إسرائيل” (ظاهريًا) متحمسة إليه، لأنه لن يجعلها في مأمن ما دام النظام الإيراني الذي كان “وديعًا” فاستفزته تل أبيب، وصنعت حالة عداء وثأر معه قد لا تندمل بسهولة وتعود الأحوال على ما كانت عليه معه قبل طوفان الأقصى. وما تبدو طهران راغبة فيه لكنها فقدت ثقتها في إدارة ترامب التي خدعتها أكثر من مرة، وقتلت أكبر زعمائها.

وبأي حالٍ؛ فأنباء التفاوض لم تعد خافية، ووسطاؤها معلومون، وهم يقومون بتحركاتهم المكوكية، وشروطها التعجيزية وضعها الطرفان، مثلما قدماها.

وهي من جانب الولايات المتحدة:

تتلخص في 15 شرطًا وضعتها واشنطن لوقف الحرب، أبرزها:

فتح مضيق هرمز وعودة حركة الملاحة البحرية إلى طبيعتها. والإنهاء الكامل للأنشطة النووية. وإخراج كامل كميات اليورانيوم المخصب خارج إيران. وحصر الصواريخ الإيرانية لتكون للأغراض الدفاعية فقط وتقييد برنامجها الصاروخي من حيث المدى والكمّ. وسحب إيران لدعمها لـ”الوكلاء” في المنطقة، مثل “حزب الله” في لبنان، وحماس في غزة، والحوثيين في اليمن.

ومن جانب إيران، فقد نص الرد على ضرورة وقف أعمال العدوان والإرهاب التي يرتكبها العدو، وتهيئة الظروف الموضوعية لمنع تكرار الحرب، وتحديد التعويضات وأضرار الحرب بشكل واضح وضمانها، وتنفيذ وقف إطلاق النار على جميع الجبهات مع جميع فصائل المقاومة المشاركة في هذه الحرب في جميع أنحاء المنطقة (بمعنى استثناء المقاومة في غزة من هذا “السلام”)، واستمرار سيطرة طهران على مضيق هرمز.

ويبدو البون شاسعًا ما بين شروط الطرفين، وكلاهما يراه المراقبون “تعجيزيًا”، لكن كثير من المفاوضات تبدأ هكذا بشروط تعجيزية لرفع سقف التفاوض، والميدان يظل حاكمًا لقدرات كلا الطرفين على فرض شروطه أو ما لا يقبل التنازل عنه منها.

ومشكلة هذا الحل – على واقعيته – هو أنه يمنح إيران نصرًا أيضًا حتى لو كان حجم تنازلها كبيرًا، لأنه دون إسقاط نظام الملالي، ستكون تلك الحملة الكبيرة قد فشلت، وهددت بقاء الولايات المتحدة في المنطقة لأول مرة، وزعزعت ثقة الحلفاء، ودقت أسافين العداء على جانبي الخليج، ووضعت بذرة الحرب القادمة في تربة أشد خصوبة.

ويبدو الحل الثالث انتحارًا، إذا تعرضت قوات أمريكية برية للمخاطر، ومدمرًا للمنطقة إن تجاوزت أمريكا الخطوط الحمراء، فنفذت طهران تهديداتها بإظلام المنطقة.

وهكذا، تبدو أحلى الحلول مريرة، خصوصًا لمن كانت تتسيد العالم زمانًا.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب