يقف قلب العالم الإسلامي في وجه عاصفة هوجاء، لا يُدرى إلى أي اتجاه ستقذفه، ولا على أي شكل له سينقشع غبارها. عين الحرب ما وقبت، وبنود الاتفاق ما كُتبت، والحالة لم تزل سائلة، بيد أن ملامح المستقبل بازغة، وتبدو خطوطها العريضة المرسومة بالقلم الرصاص واضحة لأولي النُّهى. وثمة نتائج تُرى في تلك الأثناء، تقفز فوق جدلية من المنتصر، من المهزوم؛ فالحقائق تتجاوز هذا الحيز الضيق للتفسير، إذ النتائج أخطر، وأجدر بأن تسيل على أعتابها الأحبار.
وبإمكان ترامب أن يقسم على الإنجيل ألف مرة، ويلبس جلد الضأن ويتقمص دور “المسيح”، أو يرتدي فرو الثعالب، وأنه مبعوث السلام للبشرية، أو يُعلن نفسه بعلًا يُعبد، أو مسيحًا دجالًا، مدعيًا أنه انتصر وأذاق أعداءه الأمرين، وحطم كل ترسانتهم، ويرغي ويزبد مهددًا أعداءه بالثبور وعظائم الأمور، لكنه لن يُغير
شيئًا من واقع قد صَيّر بلاده إليه، ليس بهذه المغامرة البائسة وحدها، ولكن بجملة من السياسات الرعناء التي أخرت مركزها العالمي كقوة، لدولة باطشة بغيضة. وبإمكان قاليباف أن يزهو بانتصار بطعم الهزيمة، أو يأسف لهزيمة بطعم النصر؛ فبلاده بالكاد قد راوحت مكانها الاستراتيجي بين قوى الإقليم، ولم ترتقِ عاليًا بين الأمم.
والاستنتاج الأبرز لهذا الصراع من بين نتائجه التي لم تكتمل بعد، هو أن إيران لم تصعد لمصاف الدول العظمى، وإنما جلبت الولايات المتحدة الأمريكية لمستوى متدنٍ، فما خرجت إيران كقوة عظمى، وإنما انحدرت أمريكا إلى مستواها، وثمة فارق عريض بين هذا التصور وذاك.
ليست هذه هي الولايات المتحدة التي زمجرت يومًا لبريطانيا وفرنسا و”إسرائيل” في العام 1956، في “العدوان الثلاثي على مصر”، فارتدعت تلك القوى دون أن تُطلق واشنطن رصاصة واحدة، وقفلت بريطانيا وفرنسا مغادرة صدارة العالم وريادته، وأطل من بعدها دوايت أيزنهاور ليقود نصف الكرة الغربي برمته.
وليست هذه هي الولايات المتحدة التي اجتمع رئيسها ريجان مع نظيره السوفييتي للحد من الانتشار النووي في حقبة أذنت بتفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم.
وليست هذه هي الولايات المتحدة التي كانت “ترعى السلام” المزعوم في كل مرة، فإذا بها تجلس على المائدة أمام عدوها الجديد الذي تنازله رأسًا برأس، بـ”رعاية من دول إقليمية” ووسطاء أقل منها قوة ونفوذًا.
وليست هذه هي الولايات المتحدة التي أوعزت لحلفائها دعم الأفغان في حربهم للاتحاد السوفييتي (القوة العظمى المنافسة الوحيدة) كحرب بالوكالة، لتؤذن بتفكك الاتحاد السوفييتي، فتحتل الموقع الهش نفسه اليوم، ليحاربها الصينيون والروس عبر إيران كوكيل وقوة إقليمية صاعدة. وفي مقابل ذلك، ودون انحياز تقليدي ضد إيران، يجعل البعض يقلل من إنجازاتها العسكرية التي حققتها أو أبرزتها خلال تلك الحرب، وأوراقها التي لعبت بها، وبعض المكاسب الاستراتيجية التي حققتها في مقابل أخرى خسرتها بوضوح، هل يمكن أن تُمثل تلك الحرب أذانًا صادحًا بأن إيران قد تُوجت كقوة عظمى؟
بكل تجردٍ، لم يحصل هذا؛ فمقارنة إيران ببعض الوسطاء في مباحثات التسوية، وتحديدًا تركيا وباكستان، ورغم اهتزاز الصورة السياسية للأخيرة كدولة إقليمية كبيرة “مستقلة” عن الولايات المتحدة؛ فإن
إيران لم تجاوز هذين الرفيقين الإقليميين بأسًا، ولم تبرح موقعها كقوة إقليمية، وإن أبدت صمودًا وقدرة على مجاراة الولايات المتحدة و”إسرائيل” في بعض قدرتهما، ونجحت في إيجاعهما باحتراف. نعم، لقد أظهرت إيران ندية لـ “إسرائيل” في أكثر من مجال عسكري، وردت بقسوة أحيانًا، ورخاوة أحيانًا أخرى، لكن ذلك أيضًا كان نزالًا أعقب إنهاكًا غير مسبوق للكيان الصهيوني خلال حرب غزة. إن إيران قد استلمت “إسرائيل” من كماة غزة الأبطال وهي تلعق جراحها. فإذا ما أردنا مقارنة حقيقية، فمع تركيا التي تطور كل يومٍ سلاحًا جديدًا، وتتمتع
بقبة فولاذية مميزة، وسلاح جوي متفوق، أو مع باكستان التي لقنت الهند درسًا قاسيًا في مناوشات الحدود الأخيرة.
لا إيران قد طاولت الصين بعنفوانها، وروسيا بترسانتها العتيدة، ولا هي جاوزت تركيا وباكستان، ولا حتى “إسرائيل” المهلهلة. إنما الولايات المتحدة التي كشفت عن تردٍ واضح، وهي سائرة في طريق الانحدار السريع.
ما أبدته الحرب أكثر، هو أن الولايات المتحدة قد نخر السوس في إمبراطوريتها، ولا أظهر من مفردات ذلك إلا حماقة رئيسها، الذي يكاد يُنهي عهدته الثانية مبكرًا.
وهذه العُهدة التي دأب الأمريكيون أن ينعتوا فيها الرئيس بـ “البطة العرجاء”، لكنهم اليوم مجبرين على وصم إمبراطوريتهم كلها بأنها “بطة عرجاء”.. هكذا قادها رئيسها الأرعن وفريقه المشابه إلى هذا المصير المحتوم.