رغم الدفاع المستميت الذي يقوم به أركان حكم باكستان عن قرارها بشأن التحايل على قرار المحكمة العليا بنقل رئيس الوزراء الباكستاني السجين عمران خان إلى مستشفى الشفاء الخاص لتلقي العلاج، إلا أن كل دفوعها بدت أكثر من ساذجة لمن لديه مسحة من عقل وعدل.
يقول وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف، متحدثًا في الجمعية الوطنية إن “مؤسس حزب حركة الإنصاف الباكستانية، عمران خان، يعاني من ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وهو أمر طبيعي مع التقدم في السن. كما كان يعاني من مشكلة في العين، وقد تعافى منها. لقد نُقل إلى المستشفى، لكن لا داعي للقلق. فهو يتناول طعامه كأي شخص سليم.”، مضيفًا: إن “السياسيين يقضون حياتهم في السجن، وخلال هذه الفترة تأتي المحاكمات أيضاً. إن قيادتنا بأكملها كانت في السجن، وكنا نحضر إلى البرلمان حتى في ذلك الوقت، لكننا لم نقل قط على أي منصة أننا سنفعل كذا وكذا إذا كانت مريم نواز في السجن. فالمشاكل لا تُحل بهذه الطريقة.”
حكم القضاء بأن يُنقل السياسي صاحب أكبر شعبية في باكستان إلى مستشفى أ، فذهبت به الحكومة إلى مستشفى ب، بدعوى أن الطريق إلى المستشفى وحولها مزدحم، وأن شقيقته قد حضرت الكشف عليه، وأن مستشفى ب قد وجدته “لائقًا” طبيًا، فنقلته الحكومة على عجل للسجن من جديد، ليعود إلى حبسه الانفرادي (غير القانوني مجددًا)، وتتذرع الحكومة بأن طبيبين من مستشفى أ قد حضرا إلى ب للكشف عليه أيضًا! ثم يُصرح وزير الدفاع بدلًا من الأطباء بأن الحالة ليست خطيرة، إنه مجرد “ارتفاع طفيف في ضغط الدم، وهو طبيعي لمن هم في مثل سنه”!
وأن يكون وزير الدفاع هو المنوط به أن يقدم تقريرًا طبيًا عن سجين مريض، وأن يكون وزير الإعلام مسؤولًا عن تعديل “أخطاء القضاء” وتفسيره لحكمها بأنه مناقض لنظام السجون الذي يقضي بعرض المرضى على مستشفيات حكومية، وأن يفاخر وزير الدفاع بأن “السياسيين يقضون حياتهم في السجون”، فنحن إزاء دولة أقرب ما تكون للدولة الفاشلة، وهي وسم لدولة تنفذ واشنطن إلى مفاصلها فتحيلها مسخًا لا دولة؛ إذ إن النموذج الباكستاني لدولة يقف عسكرها فوق قضاتها وساستها ويتحكمون فيها بكل صغيرة وكبيرة حتى تقارير الطب التي يجهلونها ليس بدعًا من الدول العسكرية التي أفرزها الانحسار البريطاني الامبراطوري وورثتها الولايات المتحدة الأمريكية؛ فغدت تحركها كيفما أرادت وشاءت.
إن أيًا من تلك التفسيرات وغيرها لا تنتصب قائمة لتقف أمام حقيقة لا تخطئها العيون، وهي أن باكستان أُريد لها ألا يحكمها حاكم مستقل لا يقبل من الولايات المتحدة الأمريكية إملاءً، ويوم كشف عن رسالة دبلوماسية أمريكية تطلب من عسكر باكستان أن يطيحوا برئيس وزرائها المنتخب، عمران خان، كان البرلمان جاهزًا لسحب الثقة، وكان الترهيب والضغط هائلًا على أعضاء حزب رئيس الحكومة، تحريك إنصاف، بأن ينضموا إلى بقية الخانعين لسحب الثقة، ثم أحيلت المسألة للمحكمة العليا للتصديق عليها في جنح الظلام لأول مرة في تاريخ باكستان بل وغيرها من البلدان، ثم تم تلفيق عشرات القضايا لرئيس الوزراء الذي أراد لباكستان أن تخرج عن طوق أمريكا فطوقته، وحبسته في زنزانة انفرادية بلا مبرر قانوني لا في الحكم ولا في طريقة الحبس، ثم لما احتاج لعلاج، وتزايدت الضغوط الشعبية، أخرج خلسة وأعيد خلسة بعد ليلة واحدة، لا لشيء إلا لأنه قد صار “عقدة” عسكر باكستان المستعصية على الحل: إنه يريد لباكستان حكمًا مستقلًا بعيدًا عن إملاءات الخارج، والخارج والداخل الحاكم لا يقبل بذلك.
عقدة عمران، ليست في أنه مدني ولا أنه منتخب، إنها هي حيث لا يُراد لبلد أن يشب على طوق “المستعمر” المستتر، وحيث لا يُقبل أن يؤم بلدًا زعيم حقيقي، لا مصطنع؛ فلقد حكم العسكر دومًا تحت بساطير الاحتلال، وإذ شب منهم زعيم، كالجنرال ضياء الحق، اغتالته أمريكا في أكثر حوادث الاغتيال السياسي خسة ووضاعة، فالمسألة لا تتعلق بالمدنية أو العسكرية، وإنما بالاستقلال، والقدرة على مجابهة مراكز القوى الداخلية والدولة العميقة التي تمسك واشنطن برسنها.
عقدة عمران، هو أنه لم يخضع للحسابات، وأنه أراد أن يستند إلى الشعب لا إلى العسكر، وفتح ملفات لم يظن جنرالات إسلام آباد أنه سيفتحها، ومارس سياسة خارجية أقضت مضاجع الغرب وأزعجته، فكانت ورقة صغيرة كفيلة بقضائه بقية حياته في زنزانة انفرادية – كغيره – ممن أُريد لهم ولا للأسرار التي اطلعوا عليها أن يروا النور أبدًا.. “عقدة عمران” أن قرار الإفراج عنه هو محض معجزة قد لا تحصل ما لم تتغير المعادلة الدولية، تلك المعادلة التي يمكن قراءتها في المشاهد الجامعة بين رئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. هي المشاهد التي لا تحتاج إلا لقارئ لغة جسد ليعرف بها من هو “السيد” ومن هو “العبد”، ولم يكن عمران عبدًا، فحبسوه.