مهما قيل عن غزة في ذكرى طوفان الأقصى الثالثة، وعن حساباتها الداخلية؛ فإن التأثيرات الخارجية لم تعد محل جدل، حين غلبت قوة المنطق، منطق القوة، وتركت الإبادة الجماعية في غزة ندوبًا في الجسد الصهيوني العالمي لم يعد من اليسير على طواغيت السياسة وهوامير المال وآلات الدعاية محوها أو معالجتها.

وإذا كان لزامًا على الميزان أن يكون عالميًا؛ فإن البحث في تأثير ما حصل في غزة برمته على الواقع الدولي يبقى مهمًا وله اعتباره عند النظر في حسابات الربح والخسارة في مواضع شتى من العالم.

ومن الإنصاف أن يُقال إن الوعي الذي نجم عن تأثير الصورة والصوت المنقولة من مجازر غزة، في العالم قد بدا هائلًا في الشام وأوروبا والأمريكتين فضلًا عن أماكن أخرى، ربما كان مؤقتًا، أو ربما كان تحولًا مفصليًا في التاريخ الإنساني كله، ولا حكم لنا في ذلك ما لم تثبته الأيام أو تنفيه.

وهو إن لم يكن مؤقتًا، لقد جاز أن يُدون هذا الحدث في صفحات التاريخ كنقطة تحول جوهرية، لاعتباره قد أسهم في إدارة الدفة في اتجاه آخر، لو امتد أو استمر لسنين طويلة قادمة.

نتحدث هنا عن وضع اليهود المؤيدين للصهيونية ولإقامة دولة لهم في فلسطين، فقبل نحو ثمانمائة عام كان اليهود موضع احتقار في أوروبا، وتوالت عمليات طردهم والتنكيل بهم من إنجلترا وغيرها، إلى أن طردهم الكاثوليك من الأندلس أثناء وبعد سقوطها المتدحرج، وبعد عقود قليلة من إقامة محاكم التفتيش لمن ادعى التنصر منهم في إسبانيا والبرتغال وبعض الدول الأوروبية وامتدت بعد صدور مرسوم الحمراء في

إسبانيا عام 1492م، وبلغت ذروتها قبل أن يظهر المذهب البروتستانتي بعد ذلك بسنوات قليلة (عام ١٥١٧م) بطريقة مشبوهة على يد القس مارتن لوثر والذي حوّل دفة معاملة اليهود في أوروبا من الاضطهاد والانتباذ والاحتقار إلى التطبيع والتسييد، وأسهم بقوة في جعل دعوات ما يُسمّى بـ “معاداة السامية” في أوروبا تندثر شيئًا فشيئًا مع إطلاق دعوته للبروتستانتية (مذهب نصراني يدعو إلى العودة المباشرة إلى جذور التوراة والإنجيل دون الحاجة إلى فهم القساوسة والوسطاء)، والتي دافع من خلالها عن اليهود، ودان اضطهادهم الديني، بل بالغ إلى حدِّ قوله في كتابه “المسيح وُلد يهوديًا”: “إننا كالكلاب [أي النصارى] الذين لا مكان لهم سوى تحت المائدة لالتقاط الفتات الذي يتساقط من على موائد أربابنا اليهود، وإن ذلك هو أمر حددته طلاقة القدرة الإلهية منذ القدم، فهم السادة ونحن العبيد” [د. راجح إبراهيم السباتين، مارتن لوثر واليهود، ص١٦]، فالحفاظ على اليهود والدفاع عنهم قد صار لاحقًا واجبًا دينيًا بروتستانتيًا، ألزم الأوروبيين والأمريكيين من بعد ذلك، بإصدار قانون غوغائي يجرم ما يُزعم أنه “معاداة السامية” أي معاداة اليهود تحديدًا أو مجرد الإساءة لهم!

آلة دعائية هائلة نشرت كتاب لوثر، وأعادت طبعه مرارًا على نحو غير مسبوق، وبمال يهودي متدفق لم ينقطع حتى أغشى عيون الأوروبيين عن إبصار حقيقة العبودية الجديدة، وترسخت الفكرة بمرور القرون، وازدادت قوة مع سقوط الدولة العثمانية على يد اليهود أنفسهم.

وتحكم اليهود عبر المال ووسائل الابتزاز بكثير من الساسة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وصارت “دولتهم” محصنة عن كل نقد أو حتى عتاب، حد التدليل وضخ الأموال من الدولة العظمى في العالم إليها في كل مناسبة وحين.

لم تنخدش هذه القاعدة إلا بعد حملات الإبادة الجماعية في غزة منذ العام 2023 على إثر انطلاق “طوفان الأقصى”، وبدا التحول لافتًا في أمزجة الشعوب الغربية ونظرتهم للكيان الصهيوني، ولليهود في أوطانهم بالتبعية، ولم يكن ذلك أمرًا هينًا في الواقع.

وثمة احتمالان يصعب ترجيح أحدهما على الآخر، فالآلة الدعائية والنفوذ السياسي يأتي بمفعوله التدريجي في كبح هذا الشعور المناوئ للصهيونية ولليهودية أحيانًا، في وقت تسعى فيه مراكز صنع القرار التي لم تزل صهيونية حتى النخاع أو تخشى الصهيونية ونفوذها، في إيقاف هذا المزاج الشعبي الدافق، وثمة نجاحات غير منكرة في هذا الخصوص.

ولكن في الجهة المقابلة، هناك تحول كبير في قياسات الرأي في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تجاه الصهيونية و”إسرائيل” واليهود بصفة عامة، وهذا لا يُنكر أيضًا، غير أن استمراره محل جدل بين المستشرفين للمستقبل. وحتى الانتخابات الأمريكية لا يمكنها أن تصبح دلالة كاملة على بقاء هذا الشعور لو نجح المناوئون لـ “إسرائيل”، الداعين لإقامة دولة فلسطينية، فقد تتحول القناعات في بلد ديمقراطي بعد دورة انتخابية أو دورتين.

وهذا أيضًا يقال في غير الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أكبر الدول الأوروبية تأثيرًا وقوة.

وربما كان من اليسير أن يقال إن حرب غزة أدت إلى حصول تغيير سياسي في سوريا، وهذا مشاهد غير منكر، غير أن التأثير الاستراتيجي والتحول الهائل في العالم كله بسبب زيادة الوعي، لا يمكن تأكيده بناءً على معطيات أفرزها عام أو عامان، وإنما وضعها كفرضية على طاولة البحث مسألة جديرة بالاهتمام والرصد، للبناء عليها إن ثبت صحتها.

مع ذلك، فقد نرى مؤشرات ظرفية لاسيما في الولايات المتحدة الأمريكية التي تستعد لانتخابات هي الأهم فيها منذ سنوات، لأنها ستشير إلى مدى تأثير النفوذ الصهيوني على السياسة الأمريكية وقياس درجة تأثره عبر نتائج انتخابات الكونجرس النصفية قبل نهاية العام.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب