إذ تلا عبد الرحمن محمد السيد، المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميتشغان، هذه الآية الكريمة على منصة مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية ((CAIR في ولاية أوكلاهوما، قبل أربع سنوات، للتأكيد على قيمة العدل حتى مع الأعداء، مذكرًا الحضور بأهمية فعالية دور الحاضرين (وغيرهم من المسلمين) في المجتمع الأمريكي، حاثًا لهم على مزيد من النشاط لإقامة هذه الفريضة، مشيدًا بدور مجلس العلاقات الأمريكية في ولاية أوكلاهوما، وتحديدًا دور رئيسها منير عواد في التصدي قانونيًا لقرار الولاية بعد تصويت أعضائها لصالح تعديل دستوري يمنع محاكم الولاية من استخدام الشريعة الإسلامية أو القوانين الدولية في الولاية عام 2010، حتى قضت المحكمة ببطلان هذا التصويت المناقض للدستور الأمريكي، والذي كان سيقيد كثيرًا من شعائر المسلمين ويمحو خصوصيتهم، فإن أحدًا لم يجُل بخاطره أن عبد الرحمن سيصبح شاغل أمريكا برئيسها ونائبه وحزبهما الجمهوري، والحزب الديمقراطي، والإعلام الأمريكي والعالمي، لاعتباره تحديًا كبيرًا بات يهدد عرش “الحرس القديم” الأمريكي من جمهوريين وديمقراطيين موالين لـ”إسرائيل” على حد سواء.
هذا اللقاء، قد أصبح واحدًا من أبرز اللقطات التي يطير بها الإعلام اليميني الجمهوري لإبراز مدى “إسلامية” أو “إخوانية” السيد، فقد اقتطعت عبارة من سياقها للتدليس بأن المرشح الديمقراطي الصاعد يطالب بـ”تطبيق الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة”!
“السلام عليكم”، “الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ”، “إن شاء الله”، عبارات قالها د. عبد الرحمن، اتخذها الموتورون المتشنجون من اليمين المتطرف الأمريكي الذي غلب على الحزب الجمهوري، ذريعة للدلالة على أن الطبيب المسلم ذا الجذور المصرية “سيطبق الشريعة الإسلامية” وسيمارس سياسة معادية للسامية، وذلك لتسميم الأجواء المحيطة بالرجل ذي الكاريزما والتعليم العاليين، والذي ينظر إليه الشباب والطبقة الفقيرة والمتوسطة كأمل خبأه القدر لهم في الولاية، بل في الولايات المتحدة الأمريكية التي تشهد ما سُمى بـ”ظاهرة ممداني”، الصاعدة.
جن جنون فريق “إسرائيل” في النظام الأمريكي، بإدارته وغرفتي الكونغرس، والإعلام اليميني التابع، وانهالت التقارير المسمومة، والتي ربط بعضه بين عبد الرحمن، وحماه، عضو مجلس إدارة فرع ميشيغان لكير، جوكاكو طيب، وتحت أيقونة صغيرة جدًا عَلت تقريرًا لفوكس نيوز يوم 5 أغسطس الحالي، عنونت القناة اليمينية في موقعها على الانترنت تقريرها المتعصب بعبارة “
حملة السيد مدعومة بأكثر من 100 ألف دولار من عشرات الأعضاء في جماعة يُزعم ارتباطها بالإرهاب.. حددت فوكس نيوز ديجيتال ما لا يقل عن 41 متبرعاً مرتبطين بالمجموعة المذكورة في قضية مؤسسة الأرض المقدسة”، ثم استشهدت بالإمارات للتدليل على “شبهة” هذا التمويل، فكتب المراسل أندرو ميلر، والإعلامية كيرا ماكدونالد: “جمعت حملة المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد (الرحمن) السيد، أكثر من 115 ألف دولار من الأفراد الذين يعملون أو شغلوا مناصب قيادية في مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR)، الذي صنفته الإمارات العربية المتحدة منظمة إرهابية، وتم تصنيفه أو وصفه رسميًا على هذا النحو في فلوريدا وتكساس.”
100 ألف دولار (إسلامية) مقابل 75 مليون دولار (صهيونية/إيباك)، هي ما أقلقت فوكس نيوز، ومن خلفها جيش من الإعلام الأمريكي، ثم الإعلام العربي المتصهين، الذي أفاض ولم يزل في العمل على إثبات “إخوانية” عبد الرحمن، الذي لا تختلف ممارساته أثناء الحملات الانتخابية عن غيره من الأمريكيين، ويتهمه ترامب شخصيًا بالاشتراكية ودعم الشيوعية معًا!
يشن الإعلام الأمريكي – في معظمه – حملة على عبد الرحمن من أجل ترهيب الناخبين غير المسلمين في ميتشغان، بينما “أُسند” ترهيب الجالية العربية في الولاية للإعلام العربي، المرتبط – كما أنظمته – بالحزب الجمهوري – والذي يستمتع بإذلال رؤسائه لأنظمته.
وفي ميتشغان، حيث يبلغ العرب فيها نحو 350-400 ألف عربي، نحو 60% منهم مسلمون، وتبلغ الجالية المسلمة عمومًا نحو 250 ألفًا، يبدو الرهان قويًا على زعزعة هذه الكتلة المسلمة الصلبة التي صوتت لعبد الرحمن، من أجل ألا تصوت له في انتخابات مجلس الشيوخ، في نوفمبر القادم. أما الكتلة المسيحية، فيصوت غالبيتها عادة – لا سيما المصرية منها – لصالح الحزب الجمهوري.
وعلى كلٍ؛ فالصوت الإسلامي، والعربي قد بات بالغ الأهمية في هذه الانتخابات التي منح فيها نحو 700 ألف أصواتهم لعبد الرحمن السيد.
وهذه الصورة تنقلنا إلى محطات ودلالات جديرة بالتوقف عندها، لأن انتخابات ميتشغان ليست مجرد انتخابات لمنح كرسي في مجلس الشيوخ لعضو جديد، بل هي نقطة تحول بالغة الأهمية سواء أنجح السيد في الانتخابات أم أخفق..
أولًا: أن انتشار ظاهرة “ممداني”، من خلال زمرة من الديمقراطيين، الذين أداروا ظهورهم لـ”إسرائيل” وللوبي الصهيوني في أمريكا، يُمثل تغييرًا هائلًا في مزاج الناخب الأمريكي، قد أحدثه بالدرجة الأولى ما واكب “طوفان الأقصى” من تجليات للمشهد، وتجريده في صورة شعب مظلوم مقهور يتعرض لإبادة جماعية ينفذها كيان يعيش على الدعم الأمريكي، الذي لا يمثل في حقيقته جريمة أخلاقية يتحملها الشعب الأمريكي عبر خياراته فحسب، بل مصيبة اقتصادية جرها هذا الدعم اللامحدود. والطوفان إذ واكب أزمة اقتصادية كبيرة، تركت أثرها الفظيع على المواطن الأمريكي الذي لم يكن ليلتفت للطوفان وحده، لولا أن مسته الأزمة الاقتصادية فأيقظت في نفسه روح الانكفاء على الذات، والرغبة في الالتفات للداخل الأمريكي عبر شعار “أمريكا أولًا”.. هذا الشعار الذي رفعه ترامب ثم خانه، أو اكتشف الناخب الأمريكي أن ترامب ليس إلا واحدًا من أولئك الخونة الذين يقتطعون من أموال المواطنين الأمريكيين ودفعها إلى المجرم نتنياهو وسفاحيه في الجيش الصهيوني. ثم جاءت الحرب الإيرانية التي أشعرت الأمريكيين أنها حرب عبثية استنزفت أموالهم، وحملتهم ما لا طاقة لهم به من أسعار الطاقة، لم تكن لتجري لولا أن نتنياهو أرادها فانصاع له ترامب وفريقه، ثم آلت الحرب إلى هزيمة شبه واقعة، فزادت الطين بلة، واحتاج المواطن الأمريكي إلى طريق جديد يسلكه، وقد وجد ضالته في “ظاهرة ممداني” ثم “ظاهرة عبد الرحمن”.
ثانيًا: أن جملة من الأسباب قد رفعت حالة الوعي لدى قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي، لاسيما الشباب من أنصار الحزبين، وخصوصًا الديمقراطي، وقد ساهم فيها طائفة من العرب والمسلمين أجادوا في الحضور الإعلامي والمناظرات والمقابلات التليفزيونية، وحققوا مشاهدات عالية جدًا في وسائل التواصل، ثم بنظرية الأواني المستطرقة، استلم الراية إعلاميون أمريكيون “بيض” بارزون، ثم ساسة، وهكذا؛ فانساحت الأفكار جائبة في مساحات فكرية مجتمعية شاسعة لم تكن وطأتها من قبل. وهذا قد مهد الطريق أمام القادمين من الخلف: ممداني، وعبد الرحمن وغيرهما، ويسرت مواصلته للسابقين، كإلهان عمر ورشيدة طليب.
ثالثًا: نتاج الوعي المتصاعد، واندفاع “الحرس القديم” في الدفاع عن “إسرائيل” في أشد الأوقات إجرامًا لها في قطاع غزة، واضطلاعهم بهذا الدور الذي زاد من انكشافهم أكثر وأكثر في وقت صارت “إسرائيل” هي مركز اهتمامهم ودفاعهم وخطابهم المجافي لرغبات الشعب الأمريكي المتطلع لمن يدافع عن حقوقه، ويسعى لإصلاح الأوضاع الاقتصادية المتردية، انقلب السحر على الساحر، وتصاعدت أصوات حتى في قلب حركة “ماجا” الجمهورية التي كانت الداعم الأكبر للرئيس الأمريكي، لإعادة تعريف الشعار الذي
رفعته الحركة والرئيس: “أمريكا أولًا”، ليحاول أن ينأى بنفسه عن “إسرائيل” رويدًا رويدًا. وفي الحزب الديمقراطي كانت الموجة أعلى، لتختفي صورة منظمة “إيباك” الداعم الأكبر لـ”إسرائيل” في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي كانت تختار من تختاره من الحزبين لتبوء مقعده في الكونغرس بغرفتيه، فضلًا عن اختيار الرئيس نفسه.
لم يتراجع دور “إيباك” فحسب، بل صارت سُبة يريد أن يتبرأ منها من يجد لشعبيته سبيلًا موصلًا للكونغرس دون الحاجة إليها، ثم آل الوضع في بعض الولايات إلى أن يصبح ثبوت دعمها لمرشح كفيل بهزيمته في الانتخابات.
هذا المناخ استفاد منه ممداني (كعمدة مدينة نيويورك) ثم عبد الرحمن (كمرشح ديمقراطي لولاية ميتشغان)، والاتجاه لم يزل حتى الآن في هذا المسار لهما ولغيرهما.
رابعًا: مع تراجع “إيباك”، ثمة قوة ظهرت لأول مرة هذه الفترة، وهي القوة الإسلامية، ثم العربية اليسارية (من غير المسلمين)، وهذه القوة كانت موجودة على الدوام لكنها كانت غير فاعلة لسببين:
الأول: أنها لم تكن يومًا ما موحدة، لأسباب عديدة منها غياب القيادة، وأهمها عدم تقديم أي من الحزبين ما يحفزها على الانحياز كلية إليه؛ فكانت تكتفي بتحقيق قاعدة “درء أدنى المفسدتين بفعل أكبرهما”، وقد كانت تجتهد في هذا فتنقسم تبعًا لتعدد الآراء، ولم يكن الحزبان يكترثان بها لأنهما يضمنان تحقيق ما يصبون إليه عبر بوابة واحدة: إرضاء “إسرائيل”، وهو ما يمر بـ”إيباك”، وحيث تراجعت تلك المنظمة، فإن المسلمين يصبحون رقمًا يستحق أن ينظر إليه ببالغ الاهتمام.
الثاني: أن البوصلة غدت واضحة للمسلمين حتى ولو لم تكن لهم قيادة، فحين يترشح أمثال عبد الرحمن أو من ينتهج نهجه “الإصلاحي” أو “التقدمي” مثلما يُصنفون، ولو لم يكن مسلمًا؛ فإن عيون المسلمين تتجه إليه، وأصواتهم تذهب إليه، وتبتعد تلقائيًا عن “الحرس الصهيوني القديم”.
خامسًا: أن من يرصد هذا التحول عند المسلمين، ربما يفكر “براغماتيًا” فينزع إلى فكرة الإفادة من هذا التحول لصالحه، وهو ما قد يكون جال بأذهان منظري سياسة الحزب الديمقراطي تحديدًا، الذين ربما قالوا: “ولم لا، لندعم عبد الرحمن وأمثاله، ونربح بهم الجولة ما دامت “إسرائيل” في صف ترامب وحزبه، وبأي حالٍ؛ فإن المسلمين أقلية يمكن طي تأثيرهم لاحقًا!”
سادسًا: أن قوة الزخم الذي رافق انتخاب عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية، سواء بالإنفاق الاستثنائي في المعركة لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية في انتخابات تمهيدية لمجلس الشيوخ (115 مليون دولار معظمها ذهبت لحملة منافسة السيد، والنزر القليل لحملته، وهو نحو 7 ملايين دولار)، أم بالمعارضة اللافتة له من أكبر رأس في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي ظل لأيام لا شاغل له إلا السيد، ما أسهم بزيادة شعبيته (مثلما فعل مع إلهان عمر التي فازت مؤخرًا في الانتخابات التمهيدية بنسبة 80% على منافسها، وهي نسبة عالية جدًا أسهم بارتفاعها شتم ترامب المتكرر لها!)، وامتداد هذه المعارضة لتصل إلى بلدان عربية حليفة لـ”إسرائيل”.. قوة الزخم هذه إنما تعبر بوضوح عن ارتعاب دوائر صنع القرار
الأمريكي من هذه الموجة العاتية القادمة، وتُظهر ضعفًا لافتًا من أغلبية كبرى من داخل الحزبين أمام القادمين الجدد، ولو كانوا حتى الآن أقلية ضئيلة في عالم الأرقام الرسمية لمقاعد المجلسين.
سابعًا: إن قوة المنطق واضحة عند القادمين الجدد، وهو ما يفتقر إليه “الحرس القديم” الذي ما زال يتعلق بأذيال “إيباك” و”إسرائيل”، ليكن مال الأمريكيين للأمريكيين، ولماذا يقع عبء دعم “إسرائيل” علينا نحن دافعي الضرائب الأمريكيين دون سائر شعوب العالم؟ ثم لماذا وهم يرتكبون بالفعل جرائم حرب أدانتها المحاكم الدولية؟ لماذا نجوع ليشبع “الإسرائيليون”؟! هذا منطق بسيط مفهوم يفهمه كل مواطن أمريكي بسيط، أما منطق الآخرين فزاهق، ولا أقدام له، وأصحابه مضطرون للتمسك به لئلا يفقدوا أموال الداعمين، وهذا ما لم يعد كثير من الناخبين يستسيغونه.
إن زوال الحجة، والانهيار الاقتصادي، واللقمة “الإسرائيلية” التي لم يعد يمضغها الكثيرون في الولايات المتحدة، جعلت المنطق في صف القادمين الجدد، وجعلت الآخرين يلجؤون لحجج هزيلة، شأنهم شأن الإعلام العربي الأخرق، وجعلت حجتهم داحضة كحجة ترامب الذي أراد أن يعلي من شأنه وشأن زوجته فأرداهما، ويحط من شأن عبد الرحمن وزوجته فزادهما ارتفاعًا، وكما يفعل الإعلام الغربي بأسئلته الممجوجة التي عفى عليها الزمان، أو كما يفعل حمقى العرب الصهاينة ومغفليهم بالحديث عن “أخونة أمريكا”، وتلقفهم لحجج اليمين الأمريكي المتطرف وترديدها بلا تفكير، مثلما حل بهم من عجمة لسان فلم يستطيعوا أن ينطقوا “عبد الرحمن” فرددوها مثل أسيادهم: “عبدول”، ورغم أن للأمريكيين بعض العذر في صعوبة نطقها، ولو كانت تحمل دلالة سلبية عن العبودية وتماثل العبيد وتسميتهم بنفس الاسم “عبدول”، كما كان يفعل أجدادهم من قبل، فليس للعرب الصهاينة من عذر سوى الهزيمة النفسية وتقليدهم الأعمى، فما أشبههم بالأقدمين في استنكارهم وتعجبهم من اسم “الرحمن”: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ﴾