في جزيرتهم الصامدة، على مر القرون، وعلى إثر موجات من التهجير هائلة في الاتجاهين، تهجير للمسلمين، وإحلال للنصارى بدلًا منهم، من أجل تحويل الأكثرية أقلية، والتضييق على المسلمين وإفقارهم وتجهيلهم، على النحو المتبع في كثير من الدول التي احتلتها الدول الغربية والشرقية، انطلق الجهاد أواخر ستينات القرن الماضي، حيث لم يكن يكفي نصارى مينداناو ما تقترفه السلطات العسكرية الاستبدادية الفلبينية، فكونوا عصابات نصرانية تخطف وتقتل وتحرق، فتعين الجهاد في الجزيرة، وانطلقت حركات وطنية وإسلامية ترفع السلاح دفاعًا عن الدين والنفس والعرض والمال، وجاهد المسلمون في الجزيرة طويلًا من أجل أن يعيدونها دولة مسلمة تحكم بالشريعة، في جغرافيا تضم 23 محافظة، فقد كانت الجبهات المقاتلة تؤمن بأن التهجير النصراني زائل، وأن لمسلمي الجزيرة “حق العودة” ولو بعد حين، فأعلنوها حركات مسلحة تسعى للاستقلال كدولة، تحكم بالشريعة، ويعاد فيها لأهل الحق حقوقهم وممتلكاتهم.
ورغم أن الواقع قد جرى بأن المسلمين – ربما – لم يعودوا أكثرية في الجزيرة، فإن “حكم الشريعة” سيمضي في الجزيرة يومًا ما، ذاك لأنهم يوقنون بأن مينداناو كانت دومًا دار إسلام قبل وحتى بعد التغيير الديموغرافي، ولأن مسلميها الأصليين هم أكثرية لو أتيحت للمهجرين حق العودة.
وتشكلت حركات مسلحة تدافع عن المسلمين، أبرزها جبهة تحرير مورو الوطنية، وجبهة تحرير مورو الإسلامية، وبدأتا تحققان نجاحات، لكن النظم الفلبينية المتعاقبة واجهت ذلك بكل عنف أسفر في أقل تقدير دولي معلن عن مقتل نحو 150 ألف مدني وعسكري، معظمهم من المسلمين. ومع ذلك؛ فإن الحكومة الفلبينية لم تستطع أن تكسر المسلمين، وظلوا يقاتلونها بشجاعة، أرغمتها في النهاية على التفاوض مع المقاتلين والاعتراف بهم، عبر اتفاقيتين، كلاهما في النهاية أدى إلى قدر من الحكم الذاتي للمسلمين، والوعد بتعويضهم عن بعض أراضيهم، والقبول بتطبيق الشريعة بين المسلمين في الإقليم (وإن لم يكن في كل المجالات)، وإلى الاعتراف بحق المسلمين في رفع علم مستقل، وحكومة إقليمية، مع احتفاظ الحكومة المركزية بالسياسة الخارجية، والقوات المسلحة المركزية.
فأما جبهة تحرير مورو الوطنية (MNLF)، التي لم كانت منظمة التعاون الإسلامي لا تعترف بغيرها ممثلًا شرعيًا لمسلمي مينداناو؛ فقد انخرطت في السلام رسميًا ووضعت السلاح بعد توقيع “اتفاقية السلام النهائية” (اتفاقية جاكرتا) في 2 سبتمبر 1996، وذلك تحت قيادة مؤسسها نور ميسواري ورئيس الفلبين آنذاك فيدل راموس، مما أدى إلى تأسيس منطقة الحكم الذاتي في مينداناو المسلمة (ARMM) ودمج مقاتليها في القوات النظامية.
وأما جبهة تحرير مورو الإسلامية (MILF)؛ فقد جنحت إلى السلام بعد سنوات طويلة من المفاوضات، وتوج ذلك بتوقيع “الاتفاق الشامل بشأن بانجسامورو” (CAB) في 27 مارس 2014، حيث بدأت بموجبه عملية تسليم السلاح وتفكيك جناحها العسكري تدريجيًا مقابل إقامة منطقة حكم ذاتي أوسع بصلاحيات أكبر، وقد تعهد مقاتلو الجماعة، البالغ عددهم 40 ألفًا، بتسريح أنفسهم والاندماج في الحياة المدنية، إلا أن عملية تسليم السلاح تم تعليقها بعد الشروع فيها، بسبب ما قالت جبهة مورو أن الحكومة لم تلتزم التزاماً كاملاً بتعهداتها الاجتماعية والاقتصادية التي قطعتها بموجب اتفاقية السلام لعام 2014. إذ صرح ديفيد ديسيانو، مساعد الرئيس آنذاك، والذي كان يُشرف على عملية تحويل منطقة بانجسامورو، في بيانٍ له في ذلك الوقت، بأن اللجنة المركزية للجبهة الإسلامية قررت “تأجيل تسريح 14 ألف مقاتل و2450 قطعة سلاح”.
وعلى هذا الأساس، رغم التعثر في تلبية تعهدات الطرفين، أقيمت الانتخابات في منتصف سبتمبر 2026، والتي خاضتها جبهة مورو الإسلامية بعد أن حلت نفسها، وقد خاض منتسبوها الانتخابات عبر حزبين رئيسين، هما حزب العدالة الموحد لبانجسامورو، بقيادة رئيس جبهة مورو ورئيس الوزراء المؤقت السابق “الحاج مراد إبراهيم”، وهو الحزب الذي يمثل الذراع السياسي للجبهة، ويمثل امتدادها الطبيعي بعد أن تحولت إلى العمل السياسي الدعوي، وحزب بانجسامورو الفيدرالي، برئاسة رئيس الوزراء الانتقالي للإقليم عبد الرؤوف ماكاكوا، الذي كان يشغل سابقًا منصب القائد العسكري للجبهة، والذي انشق عن الجبهة رفقة 40 عسكريًا آخرين، اختاروا الانضمام إلى حزب بانجسامورو الفيدرالي (BFP) (الذي أسسه توماندا أنتوك كذراع إقليمي للحزب الفيدرالي الفلبيني الحاكم في مانيلا).
وقد فاز الحزب الثاني بـ31 مقعدًا، والأول بـ30 مقعدًا من أصل 80 مقعدًا هي كل مقاعد البرلمان الإقليمي، وتقاسمت أربعة أحزاب ما تبقى من المقاعد، لما استوفت عتبة 2.5% من الناخبين المطلوبة للحصول على مقعد في برلمان بانجسامورو.
وبهذا، تكون الانتخابات في ظاهرها قد أتت بنحو 68% من منتسبي جبهة مورو السابقين، لكنها في جوهرها قد جلبت حزبين متنافسين، سيشكل أحدهما حكومة ائتلافية ضعيفة بدلًا من أن يتوج جهاد الجبهة ونضال كل المقاومين بحكومة قوية تمثلهم في المرحلة الدقيقة القادمة، التي ستأتي في عهدها كل الاستحقاقات التي يتعين فيها أن يلتزم الطرفان، الحكومة المركزية في مانيلا، والحكومة الإقليمية في بانجسامورو، بواجبات الاتفاق، وهو ما قد يمثل ضغطًا مضاعفًا على حملة السلاح لتسليم كل ما لديهم دون إبطاء أو حذر، ليصبح الإقليم مجردًا من السلاح، إن نكصت الحكومة عن عهودها – مثلما فعلت بشأن بعض المسائل الاقتصادية والإدارية – فلن يتمكن المجاهدون من حمله مرة أخرى بسهولة.
وقد لا يكون ما قد تم مُرضيًا لقطاعات من المسلمين في بانجسا مورو وفي ميداناو والفلبين بدرجات متدرجة، وربما لا يُرضي ذلك متابعين مسلمين من الخارج، أن تتخلى الجبهة عن سلاحها، أو أن تنقسم فتشكل حكومة ضعيفة ومعارضة قوية لها، ما يوهن من حال المسلمين بصفة عامة أكثر، وربما قيل: إن الغدر غلاب في مثل هذه الحالات، وكم شهد المسلمون من خيانات في اتفاقات كهذه، انصب فيها جهد المحتلين على تجريد المسلمين من سلاحهم ثم إذاقتهم مزيدًا من الهوان والإذلال والتهميش، وربما قيل إن للحكومة الفلبينية يد خبيثة في هذا الانشطار الذي حصل للجبهة أو في تشجيع المنشقين عن الانشقاق عنها لإفشال المسلمين ليذهب ريحهم. وربما قيل لم يكن من المفترض أن يقبل ساسة الجبهة أن يقلصوا أحلامهم من 23 محافظة يبسطون يدهم عليها بحكم ذاتي إلى 5 محافظات فقط، ولا أن ينزلوا عن حكم الحكومة بتغليب النظام الديمقراطي على الإسلامي لمنح النصارى غاصبي الأراضي أصواتًا لم يكونوا ليملكونها لولا تلك العدالة العرجاء، لكن آخرين ربما نظروا إلى الصورة أعلاه، مثلما نظروا إلى الصورة المماثلة في قطاع غزة المحتل، ونظروا إلى كل المناخ الإقليمي والدولي الذي تجاوز كل الفعل المقاوم وجرده من شرعيته وحاصره وظاهر عليه من كل حدب وصوب، ورأى القريب قد خان، والبعيد قد تجبر وصال وجال، فقالوا: لعل بين أيدينا جولة أخرى، وتلك محض استراحة محارب مُستحقة.