السر الكبير الذي لم يبُح به أحدٌ حتى الآن، هو في التساؤل عما قهر الولايات المتحدة الأمريكية لهذا الحد، وأرغمها على توقيع مذكرة تفاهم مع إيران تخلو من أي تنازل من إيران، وتزخر بالتنازلات الأمريكية؟

السر الآخر الذي لا يجد إجابة في الوقت الحالي، هو: مضيق هرمز، الذي ضغطت به طهران على واشنطن، وجنت من ورائه ما جنت، في الحرب والمفاوضات: هل كانت الإدارة الأمريكية غافلة عن استخدامه كورقة في الحرب، وجميع التحليلات السياسية الأمريكية خلال عقدين من الزمن، التي تحدثت عن سيناريوهات الحرب مع إيران لم تغفل أبدًا احتمال إغلاق إيران المضيق وتهديد الملاحة الدولية ومنع 20% من نفط العالم من العبور إلا بإذنها؟

السر الثالث، هو تعمد الولايات المتحدة الهجوم على إيران قبل اتخاذها أي إجراء لشل أذرع إيران في المنطقة، أو تحييدها تمامًا، في لبنان والعراق واليمن.

وقبل ذلك، أسرار أخرى كثيرة، يستوجب كشفها قبل أن يخوض الباحث مع الخائضين في تحليل مذكرة التفاهم تلك، التي فاجأت كل مراقب ومحلل وسياسي على حد سواء. وللأسف؛ فإن اللحظة التي ستُكشف فيها مثل هذه الأسرار لم تحن بعد، لكن من المنطق ألا تُغفل هذه الأسرار أو يُغض عنها الطرف أبديًا.

ومن السهل القول: إن إيران هي الرابح الأكبر من هذه الحرب والمفاوضات التالية لها، وأن بنود التفاهم الأربعة عشرة، كلها تقريبًا في صالحها، وتحقق لها أكبر مما كانت تتمناه، وما لم تكن تحلم به قبل الحرب، لكن من الصعب تفسير الخضوع الأمريكي، حد الاستسلام المُذل، وقبولها بإملاءات طهران، وشنها حرب لم تكن جاهزة لها، ولم تضع لها أي سيناريوهات واقعية.

بأية حالٍ، فإن قراءة “شروط الاستسلام” أو “بنود مذكرة التفاهم” مثلما أُطلق عليها، واستلهام بعض الدروس منها، هو أمر لابد منه، رغم ضبابية المشهد، وعدم وضوح السياقات التي كُتبت فيها هذه المذكرة، ورغم تشكيك كثيرين في أن هذه المذكرة قد يتم نقضها قريبًا وتخريب الاتفاق الذي خلا من الاحتفال والعلانية.

ففي إطلالة سريعة على بنود التفاهم: نجد أن إيران قد حصلت على كل شيء مقابل لا شيء كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل” والدول العربية الحليفة.

حصلت إيران على بقاء برنامجها النووي، الاحتفاظ بصواريخها الباليستية المتطورة، الاعتراف بنظامها، رفع العقوبات عنه، تعويض عن خسائر الحرب وكل سنوات الحظر الاقتصادي والعسكري، السكوت عن مسألة رسوم العبور (أو ما تسميه إيران رسوم صيانة تخفيفًا لوطأة التعبير الأول)، رفع الحصار البحري عنها، الحث على الاستثمار الهائل في إيران من قبل الدول المجاورة وغيرها، بسط الحماية الدولية والإقليمية على أذرع إيران في المنطقة وعدم التعرض لها.

في مقابل، ضمان أمن “إسرائيل”، والتعهد بعدم قصفها، ولا قصف مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الخليج، وفتح مضيق هرمز (دون تأكيد على حرية الملاحة المجانية فيه)، وهي “مكاسب” كانت متحصلة قبل شن الحرب في 28 فبراير الماضي، وكانت إيران ملتزمة بها خلال 47 عامًا مضت.

ورغم الغموض، وما يشوب التفاهم من ملابسات لا تبدو واضحة للعيان حتى الآن، إلا أن ثمة دروسًا لا يمكن تجاهلها من تلك المعركة التي أدارتها إيران بقدر عالٍ من الاحتراف، ومنها:

  • أن منطق القوة وامتلاك أدوات الردع هو الضمان الأول لاستقلال الدول، واحتفاظها بقدراتها وحفظها لأمنها ومكانتها الدولية والإقليمية، وليس توفر فائض من المال أو الدبلوماسية الجوفاء.

  • أن الفوز في المعارك لا يستند فقط إلى توفر الإمكانات، ولو كانت أدوات القوة والردع وحدها، وإنما حسن إدارة وتوجيه تلك الإمكانات، وإجادة المناورة الذكية بها: وإيران قد فعلت من ذلك ما يُذكّر برصيد فارس السياسي والفلسفي القديم، وهي ناورت برصيد وإرث لا تملكه واشنطن، لاسيما في وجود رئيس وفريقه كإدارة رخوة مندفعة ومتأرجحة وفاقدة للأفق الاستراتيجي والبعد الحضاري.

  • أن أمن “إسرائيل” هو من النفاسة لدى الولايات المتحدة الأمريكية ما يجعلها تضحي بكل شيء، ولو كان ذلك سمعتها الدولية، وموقعها كأكبر قوة في العالم، ورضاها بالانكفاء وتجرع كأس الهزيمة، بل وتعجيل أفول “حضارتها” من أجل تأمين هذا الكيان الذي ظل لعقود طويلة هو المتحكم الرئيس في قرار واشنطن في الإقليم. وعلى عكس ذلك؛ فإن حلفاء واشنطن في المنطقة لا تلتفت إلى أمنهم إلا ما كان يتعلق بإمدادات النفط العالمية لا غير.

  • أن أمن المنطقة، لا يمكن أن يحفظه “الغريب” الذي لا ينظر إلى الخليج وغيره من الدول العربية إلا أن تكون مجرد ورقة تفاوض يمكنه أن يضحي بها في السلم كما في الحرب، وما لم تنتبه الدول العربية لهذا الوضع البائس الذي صارت إليه؛ فإنها لن تحتفظ بوضعها الحالي أبدًا، بل ستصبح يومًا ما “غنيمة حرب”.

  • أن غنائم الحرب هي أكبر بكثير من أرباح السياسة، وهذا درس بليغ لتلك الدول العربية التي اعتادت وتأقلمت على التسول والاستدانة والزحف إلى أعتاب صندوق النقد الدولي والدول الثرية، وفرطت في أراضيها وسيادتها من أجل لقيمات تتسولها، ولم تجن من تلك المذلة شيئًا يقيم أود شعبها أو يحقق لها نهضة أو تنمية، بينما إيران قد تعهد لها المنكسرون بأكثر من 300 مليار دولار لـ”إعمار وتأهيل إيران اقتصاديًا” مثلما ورد في بند (6) من التفاهم. هذا الضخ المالي الهائل لم يكن ليحصل دون صواريخ باليستية وإغلاق مضيق وتمسك بحقوق ونفوذ وإرادة صلبة.

  • أن إيران، وإن تجملت بخطاب سياسي (غير طائفي) أثناء المعركة، وحاولت أن تبدو حريصة نوعًا ما على جيرانها ما لم تتوجه إليها القذائف والصواريخ والمسيرات، إلا أن ما مارسته لم يكن إلا عين الطائفية وقلبها، فالتفاهم مر على كل القوى الطائفية التابعة لإيران، فبسط عليها الحماية والحصانة: لبنان، اليمن، العراق، وبذل في المقابل تعهدًا بضمان أمن “إسرائيل”، وحلفاء الولايات المتحدة؛ فإن إيران لم تكترث بكل معاناة الشعب الغزاوي، وبدا أن المقاومة في غزة ليست في بؤرة الاهتمام الإيراني، لا في أمنها ولا في إعمارها. وعندما حانت لحظة التعويض والغنيمة؛ فإن أول شروط إيران كان بذل حلفاء أمريكا المال بمئات المليارات لإعمار وتأهيل إيران، ولم تفكر لبرهة واحدة في “موسم التنازلات الأمريكية” أن تقتنص شيئًا لغزة، ولو كان إعمارًا أسمنتيًا بعشرات المليارات. وحينما أصرت على احتفاظ “حزب الله” بقدراته العسكرية، فإنها غضت الطرف عن المرحلة الثانية للمفاوضات في غزة، القاضية بتسليم المقاومة لسلاحها أو الطامحة لذلك، وحينما برزت كلمة “انسحاب” لم تُرد أن تشملها بالخط الأصفر في غزة المحتلة، وإنما لم يعنها إلا “حزب الله” ونفوذه كحاكم عسكري دائم للبنان.

وفي الحقيقة، ذاك ليس درسًا نأخذه من إيران، فتلك شِنشنة نعرفها من أخزم، كما يقول المثل العربي، وتلك مصالحها الخاصة التي تسعى إليها، وإنما نسوقه أولًا للمقاومة، وثانيًا لمن دأبوا على نعتها بالتبعية الكاملة لإيران والذوبان في حلفها والدوران في فلكها؛ فجاء التفاهم ليكشف عن

الطبيعة الإيرانية، والغفلة المقابلة ممن يُحسنون بدولة الملالي الظن، وممن يتوهمون أن إيران تنوب في معركتها عن “الأمة”، وأن عز إيران هو عز للمسلمين (السنة)!

  • أنه حين يحين أجل الإمبراطوريات والدول؛ فإنها تمارس سياسات متخبطة، وتضرب خبط عشواء بسياسة رعناء تعجل بزوال ريادتها وملكها، وها أمريكا قد ارتبكت وتأرجحت وترددت وأرغدت وأزبدت، ولم تنل إلا تفاهمًا أحمقَ لا يُبارى عالميًا في نزقه، وقد مرت ببريطانيا وفرنسا والبرتغال وإسبانيا في أشد لحظات انكسار امبراطورياتها، ولم توقع مثل هذا التفاهم، فضلًا عن أمريكا التي دأبت على فرض شروطها المجحفة على الآخرين.

ودروس التفاهم كثيرة، وحسبنا أن نلتقط منها بعض ما يُفيد، وليس في ذكرها إشادة بنظام دولة أضر بالمسلمين ما الله به عليم، وقتل الملايين من المسلمين وهجّر أضعافهم في المنطقة، وخرّب دولًا إسلامية وأعادها سنين القهقرى، وأقام نُظمًا طائفية، وحرض ضد شعوب، بل عادى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنهم، وإنما نذكر من تلك الدروس ما يعتبر به المعتبرون، ويوقظ من الهمم ما يوقظها، فالحكمة ضالة المؤمن.

اترك تعليق

نشرتنا البريدية

إشترك معنا لكي يصلك كل جديد

التواصل الاجتماعي

بيانات التواصل

905539590432+
rabitah.maktab@gmail.com
رابطة علماء المسلمين

© جميع الحقوق محفوظة لدي رابطة علماء المسلمين 2023 برمجة أنيما ويب