الحمدُ للهِ وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدِنا محمَّدٍ وآلِه، أمَّا بعدُ:
فقد وقفتُ على تدوينةٍ للدكتور حاتم بن عارف العوني، يتحدَّث فيها عن الاحتفال بالمولد النبوي، ويجعل من أبرز ما فيها أنَّ الذين يفرحون بمولد النبي ﷺ هم في صفِّ محبَّته، وأنَّ مَن يُنكر عليهم هذا الاحتفال أو يُبدِّعه كأنَّه يقف في الصفِّ المقابل لمحبَّة رسول الله ﷺ!
وهنا لا بدَّ من وقفةٍ صريحة؛ فإنَّ هذا الطرح ليس من الإنصاف العلمي في شيء؛ لأنَّه يجعل مسألة الاختلاف في إقامة الموالد معيارًا للحكم على محبَّة الناس للنبي ﷺ، بل يوحي بأنَّ مَن قال ببدعيَّة الاحتفال بالمولد قد فاته نصيبٌ من محبَّة رسول الله ﷺ، أو لم يكن في الصفِّ الذي ينصر هذه المحبَّة ويعظِّمها.
وهذا كلامٌ لا يليق أن يُقال في حقِّ طوائف من كبار علماء الإسلام، قديمًا وحديثًا، ممَّن عُرفوا بعظيم محبَّتهم للنبي ﷺ، وبخدمتهم لسنَّته، والذبِّ عنها، والدعوة إليها، والصلاة والسلام عليه، وتعظيم أمره ونهيه.
فهل كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا يحبُّ رسول الله ﷺ؛ لأنَّه أنكر اتِّخاذ المولد عيدًا واحتفالًا؟
وهل كان الإمام الشاطبي رحمه الله بعيدًا عن محبَّة رسول الله ﷺ؛ لأنَّه عدَّ ذلك من المحدثات؟
وهل كان الإمام أبو عبد الله الفاكهاني المالكي لا يحبُّ النبي ﷺ حين ألَّف رسالته في إنكار المولد؟
وهل كان الإمام ابن الحاج المالكي، صاحب «المدخل»، ناقص المحبَّة لرسول الله ﷺ حين أنكر ما يقع في الموالد من المحدثات والمنكرات؟
وهل كان علماء العصر: محمَّد بن إبراهيم، وابن باز، والألباني، وابن عثيمين رحمهم الله جميعًا، خارجين عن صفِّ محبَّة النبي ﷺ؛ لأنَّهم قالوا ببدعيَّة الاحتفال بالمولد؟
إنَّ مجرَّد السؤال يكشف حجم الخطأ في هذه الدعوى.
فهؤلاء العلماء – على اختلاف عصورهم ومذاهبهم – من أكثر علماء الأمَّة تعظيمًا للنبي ﷺ، ودفاعًا عن سنَّته، وبيانًا لشمائله، وتعليمًا لسيرته، ودعوةً إلى اتِّباعه.
كلُّ هؤلاء، وغيرهم، تكلَّموا في الاحتفال بالمولد، ورأى كثيرٌ منهم أنَّه بدعةٌ محدثة؛ لأنَّه لم يكن من عمل النبي ﷺ، ولا من عمل أصحابه، ولا القرون المفضَّلة، ولم يُعرف على الصورة المشهورة إلَّا بعد ذلك بقرون، واشتهر تاريخيًّا ارتباطُ إحداث الاحتفالات المنظَّمة بالمولد بالعهد الفاطمي.
فهل معنى هذا أنَّ هؤلاء العلماء كانوا ضدَّ الفرح برسول الله ﷺ؟!
حاشا وكَلَّا.
إنَّ من أعظم الخطأ أن نختزل محبَّة النبي ﷺ في صورة احتفالٍ أو مناسبةٍ سنويَّة، ثمَّ نجعل من وافقنا عليها محبًّا، ومن خالفنا فيها أقلَّ حبًّا للنبي ﷺ!
محبَّة النبي ﷺ ليست دعوى عاطفيَّة، ولا مناسبةً موسميَّة، ولا أناشيد وكلمات واحتفالات فحسب؛ وإنَّما المحبَّة الحقيقيَّة هي طاعته، واتِّباع سنَّته، وتعظيم أمره، والوقوف عند حدوده، وتقديم هديه على الأهواء والعادات.
قال الله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.
فجعل سبحانه علامةَ المحبَّة الاتِّباع.
ولهذا فإنَّ الذي يرى بدعيَّة الاحتفال بالمولد لا يقول: لا تفرحوا برسول الله ﷺ، ولا يقول: لا تحبُّوه، ولا يقول: لا تصلُّوا عليه، ولا يقول: لا تذكروا سيرته وفضائله وشمائله.
بل يقول: نحن نفرح برسول الله ﷺ كلَّ يوم، ونصلِّي عليه كلَّ يوم، ونتعلَّم سنَّته كلَّ يوم، وندعو إلى هديه كلَّ يوم، ونجعل محبَّته منهج حياة، لا مناسبةً تنتهي بانتهاء يومها.
ومن العجيب أن يُتَّهم علماءٌ أفنوا أعمارهم في دراسة حديث رسول الله ﷺ، وتمييز صحيحه من سقيمه، والدفاع عن سنَّته، وشرح شمائله، والدعوة إلى اتِّباعه؛ بأنَّهم ليسوا في صفِّ محبَّته؛ لمجرَّد أنَّهم لم يوافقوا على صورةٍ من صور الاحتفال لم يعرفها النبي ﷺ ولا أصحابه!
إنَّ الخلاف في حكم الاحتفال بالمولد لا يبرِّر أبدًا توزيع صكوك المحبَّة للنبي ﷺ، ولا يجوز أن يجعل أحدٌ نفسه وصيًّا على قلوب المسلمين، فيقول: هؤلاء يحبُّون النبي، وهؤلاء لا يحبُّونه؛ لأنَّهم خالفونا في مسألةٍ وقع فيها خلافٌ بين العلماء.
نحن نحبُّ رسول الله ﷺ، ونرجو أن يكون الذين يختلفون معنا في هذه المسألة من المحبِّين له كذلك، ولا نزايد على أحدٍ في محبَّته، ولا نقبل في المقابل أن يزايد علينا أحدٌ في محبَّتنا لرسول الله ﷺ.
فالمسألة ينبغي أن تبقى في إطارها المنهجي العلمي: هل هذا العمل مشروع أم غير مشروع؟ هل فعله النبي ﷺ وأصحابه أم لم يفعلوه؟ هل يدخل في البدع المحدثة أم لا؟
أمَّا تحويل الخلاف العلمي إلى اتِّهام الآخرين بأنَّهم ليسوا في صفِّ محبَّة رسول الله ﷺ، فذلك ليس إنصافًا، ولا أدبًا مع العلماء، ولا طريقةً علميَّةً في إدارة الخلاف.
ونحن لا نحتاج إلى اختراع مناسبةٍ لإثبات محبَّتنا لرسول الله ﷺ؛ بل نرجو أن تكون محبَّتنا له ظاهرةً في اتِّباعه كلَّ يومٍ من أيَّام العمر.
قال الله تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
فمحبَّته ﷺ ليست أن نحتفل بمولده يومًا، ثمَّ نخالف سنَّته في بقيَّة الأيَّام؛ وإنَّما أن يكون حاضرًا في صلاتنا، وأخلاقنا، وبيوتنا، وتربيتنا، ودعوتنا، وسلوكنا، واتِّباعنا لهديه حتَّى نلقى الله تعالى.
وليس القول ببدعيَّة الاحتفال بالمولد قولًا طارئًا، ولا رأيًا خاصًّا بعلماء مدرسةٍ واحدة، بل قال به علماء من مذاهب واتِّجاهات وعصور مختلفة، ومنهم علماء من مصر.
فهذا الشيخ علي محفوظ الأزهري (ت 1360هـ)، من علماء الأزهر، وصاحب كتاب «الإبداع في مضار الابتداع»، قد أفرد فيه كلامًا على الموالد، فقال:
«أوَّلُ مَن أحدثها – أي الموالد – بالقاهرة الخلفاء الفاطميون… فابتدعوا ستة موالد: المولد النبوي، ومولد الإمام علي…»
ثمَّ ذكر توسُّع الناس فيها وما أُحدث فيها من أشياء كثيرة.
[«الإبداع في مضار الابتداع»، ص 126].
وهذا الشيخ محمَّد رشيد رضا (ت 1354هـ)، وهو من أبرز علماء الإصلاح في العصر الحديث، وقد عاش معظم حياته العلميَّة في مصر، وسُئل عن الموالد: هل هي سنَّة أم بدعة؟ فأجاب جوابًا صريحًا لا يحتمل كثيرًا من التأويل:
«هذه الموالد بدعة بلا نزاع»
ثمَّ بيَّن أنَّ الاجتماع لقراءة قصَّة المولد أُحدث في مصر في عهد أحد ملوك الشراكسة.
[«فتاوى رشيد رضا»، ج 4، ص 1242-1243].
فإذا كان القول ببدعيَّة المولد دليلًا على نقص المحبَّة – كما يوحي به هذا الخطاب – فماذا نصنع بمثل هؤلاء العلماء الذين عُرفوا بخدمة السنَّة، وتعظيم النبي ﷺ، والدفاع عن هديه، ثمَّ صرَّحوا ببدعيَّة هذه الاحتفالات؟
هل نقول إنَّهم لم يكونوا يحبُّون رسول الله ﷺ؟
أم نقول – وهو الحقُّ – إنَّ محبَّة النبي ﷺ شيء، والحكم على عملٍ معيَّن بأنَّه مشروع أو محدث شيءٌ آخر، وأنَّه لا يجوز تحويل الخلاف في حكم عملٍ من الأعمال إلى ميزانٍ للحكم على ما في القلوب من محبَّةٍ وتعظيم؟
إنَّنا حين ننكر الاحتفال بالمولد – بناءً على ما ترجَّح لدينا من الدليل – لا ننكر محبَّة رسول الله ﷺ، ولا نفرح بنقص محبَّته، ولا نريد للناس إلَّا تعظيمه واتِّباعه والصلاة والسلام عليه.
لكنَّنا في الوقت نفسه نقول: لا تجعلوا الاحتفال بالمولد ميزانًا للمحبَّة، ولا تجعلوا أنفسكم أوصياء على قلوب المسلمين.
فمَن أحبَّ النبي ﷺ فليتَّبعه، ومَن عظَّمه فليعظِّم سنَّته، ومَن أراد الفرح به فليجعل هذا الفرح ممتدًّا في حياته كلِّها، لا محصورًا في يومٍ واحد.
ومَن أعطاكم حقَّ احتكار محبَّة النبي ﷺ؟!
فالمحبَّة أوسع من أن تُختزل في احتفال، وأعظم من أن تكون حكرًا على فريق، وأكرم من أن تتحوَّل إلى سلاحٍ في الخصومة العلميَّة.
والله تعالى أعلم، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.