
بيان بخصوص تصريحات شيخ الأزهر في التهوين من شأن مخالفات الشيعة لمنهج أهل السنة

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين وأصحابه الغُّر الميامين، الذين قاموا بالدين على الوجه الذي أثنى عليهم فيه رب العالمين في قوله عز من قائل: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ .التوبة /100
وبعد؛ فقد انعقد مؤخرًا مؤتمر في عاصمة مملكة البحرين وبدعوة من حكومتها، تحت عنوان (الحوار الإسلامي الإسلامي) حضره لفيف من علماء مختلف الطوائف والمذاهب الاعتقادية الإسلامية، وقد ألقى فضيلة الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر كلمة في المؤتمر تدعو إلى نبذ الخلافات والالتقاء على كلمة سواء بين علماء الأمة وشعوبها، لمواجهة التحديات التي تحيط بها، وقد كان هذا أمرًا جيدًا، لولا ما كان خلال تلك الكلمة من تصريحات مثيرة للجدل، بخصوص التهوين من شأن الاختلافات الاعتقادية بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والفُرقة من طائفة الشيعة الإمامية الاثني عشرية، التي تواتر كلام أهل العلم الأثبات من السلف الأولين ومن تبعهم من العدول اللاحقين في ذم عقائدها، ورد باطلها ،والتحذير من مقالاتها، وعدم التساهل في التصدي لفتنتها، لما لها من آثار مدمرة عانت منها الأمة كثيرًا في حقب سوداء، كتبت بمداد من الدماء التي سالت من ملايين المسلمين عبر السنين، بسبب عناصر حاقدة وحانقة على كل ما يمتُّ لأهل الحقِّ والسُّنَّة بِصِلَة.
وقد احتوت كلمة شيخ الأزهر التي قرأها على الحضور في ذاك المؤتمر على تصريحات لا يسع رفاقه من أهل العلم السكوت عليها، أداءً لأمانة العلم وميثاق البيان الذي أخذه الله على ورثة الأنبياء، وقد كان من أبرز ما جاء في تلك التصريحات عبارات تفيد المعاني التالية:
-
أن الصراع المذهبي بين السنة والشيعة لا مسوغ له لا من عقل ولا من نقل، وهو ربما يعود تاريخه إلى القرنين السابع والثامن الهجري.
-
أن ما حدث بين العلامة الحِلِّيِّ والإمام ابن تيمية من نزاع في قضية الإمامة؛ كان مبدأ ذلك الخلاف المذهبي، وكلاهما عاش في أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجريين، أي منذ ٨٠٠ سنة.
-
أن هذا الخلاف المذهبي وما تَأَدَّى إليه من تعصب وصراع حتى عصرنا؛ تستغله تقلبات السياسة وتوظفه في الشقاق بين الشيعة والسنة وشعوبهما.
-
أن كثيرين من عيون أهل السنة والشيعة الإمامية والزيدية تحفظوا في فتاواهم المعلنة من القول بأن الخلاف في قضية الإمامة إثباتًا أو نفيًا، لا يعني ولا يستلزم كفر أي من الفريقين.
-
الخَطب في أعقد مسألة من مسائل الخلاف الكبرى بين أهل السنة والشيعة الإمامية هيِّنٌ، وهو في باقي القضايا الخلافية أهون شأنًا وأضعف أثرًا وأقل خطرًا.
-
أن الشيعة يسعهم البقاء على مبدأ الإمامة، والسنة يسعهم البقاء على مبدأ الخلافة، مع بقاء كل منهما على مبدأ حماية الدين والبلاد والعباد.
وتعقيبًا على هذه التصريحات الصادرة عن شيخ الأزهر، ولما تمثله مؤسسة الأزهر ومنصب شيخه من قيمة ورمزية كبيرة لدى أهل السنة في العالم الإسلامي؛ فإن (رابطة علماء المسلمين) ترى أنه من الأهمية بمكان أن يضع علماؤها من سائر بلاد العالم الإسلامي الحقائق التالية أمام عموم المسلمين، تذكيرًا وتقريرًا وتبيانًا:
أولًا: أن مجمل كلام الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر في المؤتمر يؤول إلى التهوين من أمر الخلاف الاعتقادي مع الطائفة الشيعية الإمامية، من خلال محاولة قصر الخلاف معهم على مسألة الإمامة التي يحصر الرافضة شرعيتها في علي بن أبي طالب رضي الله عنه وذريته، مع أن طوام القوم أشنع من ذلك وأخطر، وقد رصد أهل العلم أبرزها فيما يلي:
ا- طعنهم في القرآن وادعاؤهم أنه حذف منه أكثر من الثلثين، كما في كتابهم الذي ألفه حسين النوري الطبرسي، وسماه" فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب"، وكما في كتاب (الكافي) للكُلَيني، وغيره من الكتب المعتمدة عندهم قديمًا وحديثًا.
2_ طعنهم في السُّنة النبوية، وأحاديث الصحيحين فضلًا عن غيرها، فهم يردُّونها بدعوى أنها من رواية الصحابة الذين يزعمون أنهم كفروا بعد موت النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ إلا عليًّا وذريته وسلمان وعمَّارًا ونفرًا قليلًا، أما الخلفاء الثلاثة وجماهير الصحابة الذين بايعوهم فيقولون بكفرهم، ولذلك يردُّون أحاديثهم ولا يقبلونها، كما في كتاب الكافي وغيره من كتبهم.
3_ تكفيرهم لعموم أهل السنة، والقول ببطلان الصلاة خلفهم، بل يعتقدون نجاسة الواحد منهم متى صافحه سنيٌّ!
4 _طعنهم في عرض النبي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وذلك باتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في عرضها، وتقربهم بلعن الشيخين اللذين صاهرهما النبي صلى الله عليه وسلم.
5 _ وقوعهم في الشرك الصريح بالغلو في علي بن أبي طالب وذريته، ودعائهم مع الله، ووصفهم بصفات لا تليق إلا بربِّ العالمين.
6 _ ادعاؤهم أن أئمتهم قد بلغوا منزلة لا يصل إليها نبيٌّ مرسلٌ ولا ملَكٌ مقرَّبٌ ، كما صرَّح بذلك إمامهم الخميني في كتاب الحكومة الإسلامية. وغير ذلك مما هو مبثوث في مصادرهم الموثقة التي يُعاد طبعها مرارًا بمئات الآلاف من النسخ.
ثانيًا: أقوال أئمة السلف والخلف -قبل ابن تيمية وبعده- تترادف في أن عقائد الشيعة الإمامية وأمثالهم ضرب من الضلال والغواية والزندقة، فلكبار أئمة المذاهب الفقهية أقوال في بُعد البون بين منهج الشيعة وبين الحقِّ الذي عليه منهاج السنة، وهو ما يتنافى مع ما قاله شيخ الأزهر في المؤتمر تهوينًا من الخلاف معهم؛ فأئمة المذاهب المتبوعة وأساطين الفقه الأكبرـ فقه الاعتقاد ـ مُجمِعون على عدم التهوين من انحرافات الشيعة الإمامية، وتشهد على ذلك كتبهم المدونة، ومقالاتهم المنقولة عنهم عن طريق الأثبات من تلامذتهم، وكلهم قد سبقوا زمن ابن تيمية وابن المطهر بأحقاب طويلة.
_ فقد قال الإمام أبوحنيفة المتوفَّى سنة 150 هجرية: " الشِّيعةُ أصلُ عَقدِهم تَضليلُ أصحابِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم". وقال تلميذه (أبويوسف القاضي) (المتوفى سنة182 هـ): " لا أُصَلِّي خَلفَ جَهميٍّ، ولا رافِضيٍّ، ولا قدَريٍّ"، بينما قال الإمام (سفيان بن عيينة: ("لا تُصَلُّوا خَلفَ الرَّافِضيِّ ولا خَلفَ الجَهميِّ ولا خَلفَ القدَريِّ ولا خَلفَ المُرجِئيِّ".
_ أما الإمام مالك بن أنس (المتوفى سنة 179 هـ) فقد سُئل عن: " الذي يشتم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم – فقال: ليس له اسم في الإسلام، أو: ليس له نصيب. ([ كتاب لسنة للخلال ٢/ ٥٥٧ بإسناده صحيح].
وقد علق الإمام ابن كثير على تلك المقولة عند تفسيره لقول الله سبحانه: {يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] فقال: "ومن هذه الآية انتزع الإمام مالك ـ رحمة الله عليه ـ في رواية عنه بتكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ، قال: لأنهم يغيظونهم ومن غاظه الصحابة - رضي الله عنهم - فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء علَى ذلك".
وقد علَّق الإمام القرطبي أيضًا عند تفسيره للآية المذكورة على كلام الإمام مالك قائلًا: " لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله، فمن نقص واحدًا منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردَّ علَى الله ربِّ العالمين وأبطل شرائع المسلمين".
_ وأما الإمام الشافعي (المتوفَّى سنة 204) فقال: " ليس لرافضي شُفعة، إلا لمسلم) [كتاب الكفاية].
_ وكذلك الإمام أحمد بن حنبل (المتوفى سنة 241) نُقل عنه أنه قال: " ليست الرافضة من الإسلام في شيء" [كتاب السنة ص ٨٢] ـ وقال ابنه عبد الله: " سألت أبي عن رجل شتم رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما أراه على الإسلام".
_ وقد قال الإمام ابن حزم الظاهري المتوفى سنة (456) هـ؛ في الجواب عن احتجاج النصارى على المسلمين بدعوى الشيعة تحريف القرآن: " وأما قولهم في دعوى الروافض تبديل القرآن فإن الروافض ليسوا من المسلمين، إنما هي فِرَق حدث أولها بعد موت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بخمس وعشرين سنة، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في التكذيب والكفر [كتاب الفصل في الملل والنحل 2/80].
وكذلك تتواتر أقوال أئمة الحديث في ذم الشيعة والتشيع؛ فقد قال الإمام البخاري - رحمه الله -: «ما أبالي صليتُ خلف الجهْمي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى، ولا يُسلَّم عليهم، ولا يُعَادُون، ولا يناكَحون ولا يُشهدون، ولا تُؤكل ذبائحهم [خلق أفعال العباد: ص ١٢٥].
ولا شك أن عشرات أو مئات العلماء غير من ذكرنا، قالوا قريبًا مما ذكرنا، فكيف يُقال إن صراع الشيعة الإمامية مع السواد الأعظم من الأمة الإسلامية بدأ من عهد ابن تيمية؟!
ثالثًا: يقال أيضًا في مجانبة تصريح الشيخ الطيب للصواب في قوله بأن بداية الصراع بين الشيعة الرافضة وبين أهل السنة بدأ عندما رد شيخ الإسلام ابن تيمية على شيخ الرافضة ابن المطهّر الحِلِّي ؛ بأن ذاك القول تخطى حقائق التاريخ الأولية التي تثبت أنَّ من أسباب سقوط الخلافة العباسية في بغداد تآمر الشيعة بقيادة الوزير الشيعي ابن العلقمي لإسقاط تلك الخلافة وقتل الخليفة ، وهو ما حدث عام 656 هـ ، وكان عُمر ابن تيمية وقتها نحو خمس سنين، كذلك فإن شيخ الرافضة نصير الدين الطوسي كان فيمن دخل بغداد مع الطاغية (هولاكو) لتنفيذ المجازر الدموية ضد أهل السنة على أيدي جيوش المغول!
رابعًا: في دعوة الشيخ أحمد الطيب للعودة لتنشيط مساعي (دار التقريب بين السنة والشيعة) التي توقَّف منذ العام 1956؛ فإننا نذكِّر هنا بأن الشيخ يوسف القرضاوي ـ رحمه الله ـ الذي كان من أشد المتحمسين لتلك الدعوة قولًا وعملًا؛ قد اكتشف في آخر عمره أنها كانت خداعًا وتغريرًا بعلماء أهل السنة، حيث صرح بتاريخ 5 نوفمبر 2015 بأنه يعترف بخطئه في موقفه المؤيد لتلك الدعوة، وقال إنها لم تكن تهدف من طرف الشيعة إلا إلى تضييع السنة النبوية!
ووصف ما يُسمَّى بـ(حزب الله الشيعي) بـ (حزب الشيطان)!
ولا يُظنُّ أنه يخفى على فضيلة شيخ الأزهر أن فكرة (التقريب بين السُّنة والشيعة) التي أثنى الشيخ عليها كثيرًا، والتي استمرت ردحًا طويلًا من الزمن بلا أي ثمن؛ لم تقرِّب الطائفة الإمامية إلا إلى خطوات متقدمة من المشروع الشيعي التوسعي الكبير والخطير، الذي رعته وتبنته دولة إيران الفارسية، وهو يقوم على فكرة إعادة ما يسمى بـ (أمجاد إمبراطورية فارس) التي قال الخميني إنها امتدت تاريخيًّا من أفغانستان إلى اليمن، ولذلك رسم للشيعة ـ عربًا وعجمًا ـ ذلك المشروع الطموح الجموح ، ليسيروا من خلاله خلال ما يزيد عن أربعين سنة مضت على طريق الوصول إلى ذاك الهدف، من خلال احتلال أربع عواصم عربية كانت تحت السيطرة الإيرانية الكاملة حتى وقت قريب!
وقد كانت إيران تخطط بعدها للوصول إلى عاصمة خامسة، وهي (المنامة ) بمملكة البحرين، التي انعقد فيها المؤتمر الموقر، ليكمل الشيعة باحتلالها وغيرها من إمارات الخليج تطويق الجزيرة العربية من جميع أطرافها، تمهيدًا لفرض السيطرة على مكة والمدينة بدعوى تحريرهما من " النواصب" الذين يعادون ـ بزعمهم ـ أهل البيت، حيث سيكون ذلك الاستيلاء على الحرمين خطوة ضرورية للتعجيل بخروج مهديهم المنتظر (الإمام الثاني عشر) تطبيقًا واقعيًّا لعقيدة وهمية خرافية، عمل الإمامية على تحويلها إلى خطط استراتيجية عملية لإذلال أهل السنة عامَّة، والعرب منهم خاصَّة.
والله تعالى نسأل أن يهدينا وجميع المسلمين لما اختُلف فيه من الحقِّ بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
الهيئة العليا لرابطة علماء المسلمين .
تحريرا في 28 شعبان 1446هـ يوافقه 27/ 2/ 2025م